الخميس، 14 أغسطس 2025

رقْصةُ الزجاجِ والماسِ: فنُّ البقاءِ جميلًا في زلازلِ الوداعِ!

 
رقْصةُ الزجاجِ والماسِ: فنُّ البقاءِ جميلًا في زلازلِ الوداعِ! 


تخيَّلْ معركةً تدورُ رَحاها في صمتٍ. في الداخلِ: أعاصيرُ تُمزِّقُ الجذورَ، صفّاراتُ إنذارٍ تصرخُ في الفراغِ، زلازلُ تُشقِّقُ أرضَ اليقينِ. وفي الخارجِ: نسيمٌ هادئٌ، عينانِ لا ترتجفانِ، يدٌ لا ترتعشُ عندَ تسليمِ قهوةِ الصباحِ. هذهِ هي حربُ المشاعرِ الحقيقيةِ، حيثُ لا تُقاسُ الانتصاراتُ بمنْ يصرخُ أعلى، بل بمنْ يُحافظُ على أناقةِ روحهِ وهوَ يسيرُ فوقَ حُطامِ قلبهِ. 

الكرامةُ هنا ليستْ مجرَّدَ رداءٍ نلبسهُ، بل هي فنٌّ وجوديٌّ لرسمِ حدودٍ بينَ فوضى المشاعرِ وقداسةِ الذاتِ. كيفَ لا تنكسرُ المرآةُ حينَ ينعكسُ عليها وجهٌ مشوَّهٌ بالألمِ؟ هذا هو السؤالُ الذي يُعيدُ تشكيلَنا. 

الانهيارُ العاطفيُّ ليسَ عارًا؛ إنَّهُ إعصارٌ بشريٌّ مشروعٌ. لكنَّ الفرقَ بينَ الضحيةِ والبطلِ هنا لا يكمنُ في حجمِ الألمِ، بل في نوعيةِ السقوطِ. هل تسقطُ كحزمةٍ مُبلَّلةٍ على قارعةِ الطريقِ؟ أم تسقطُ كبذرةٍ في التربةِ - مُمزَّقةً لكنَّها مُحتفِظةٌ ببصمةِ كيانِها؟ 

الكرامةُ العاطفيةُ ليستْ إنكارًا للجرحِ، بل هي جراحةٌ دقيقةٌ تفصلُ بينَ "أنا انكسرتُ" و"أنا دُمِّرْتُ". هي ذكاءٌ فائقٌ يمنعُ الدمَ الداخليَّ منَ التشَرُّبِ في ملابسِ العلنِ. تُشبهُ بحّارًا يشهدُ غرقَ سفينتهِ، لكنَّهُ يرفعُ عَلَمَها حتى اللحظةِ الأخيرةِ، ليسَ نفاقًا، بل لأنَّ بعضَ الأعلامِ لا تُنَكَّسُ حتى في الأعماقِ. 

هذهِ الأناقةُ ليستْ قسوةً على الذاتِ، بل هي رحمةٌ عُليا. حينَ تُمسكُ دموعَك عندَ حافةِ الجفنِ، لا تكبحُ المشاعرَ، بل تُعلِّمها "رقصةَ التوازنِ" بينَ الانفجارِ والانضباطِ. في هذا الفضاءِ الرفيعِ، تُولدُ معجزةٌ: المشاعرُ لا تختفي، بل تتحولُ إلى طاقةٍ صامتةٍ كالفحمِ المُتحجِّرِ تحتَ الضغطِ، تبني منكَ تمثالًا أقوى. 

انظرْ إلى المرأةِ التي تُودِّعُ حبيبًا خانَها بابتسامةٍ لا تشي بزلزالِها. ليستْ مُنافقةً، بل هي تُمارسُ أعلى درجاتِ السيادةِ على مملكةِ مشاعرِها. تعرفُ أنَّ تناثرَ الزجاجِ الداخليِّ لا يُبرِّرُ إيذاءَ الآخرينَ بشظاياهُ. تعرفُ أنَّ كرامتَها ليستْ ردَّ فعلٍ عليهِ، بل حدٌّ فاصلٌ بينَها وبينَ الفوضى. 

إنَّها مفارقةٌ عابرةٌ للقرونِ: أعمقُ أحزانِنا تُنتجُ أرقى أشكالِ الجمالِ الإنسانيِّ. تلكَ اليدُ التي ترسمُ خطَّ الرصاصِ بوضوحٍ وهيَ ترتجفُ، ذلكَ الصوتُ الذي يُغنِّي بثباتٍ وهوَ يحملُ ألفَ انكسارٍ، تِلكَ العينانِ اللتانِ تلمعانِ كالنجمتينِ في ليلةِ فراقٍ مُظلمةٍ... وكأنَّهما قِطَعٌ من زجاجٍ صامتٍ. 

ليستْ قسوةً، بل هي "شجاعةٌ ناعمةٌ" تُحوِّلُ الألمَ إلى بيانٍ بصريٍّ عن معنى الصمودِ. كأنَّهم يقولونَ للعالمِ: "نعم، قلبي تحطَّمَ، لكنِّي ما زلتُ أملكُ إصبعًا يُشيرُ إلى النجومِ". هنا تكمنُ الأناقةُ العاطفيةُ: في تحويلِ الانهيارِ إلى أداءٍ مُقدَّسٍ للكرامةِ، حيثُ تكونُ أنتَ الفنانَ والعملَ الفنيَّ في آنٍ. 

وفي لحظةِ الوداعِ القاسيةِ، تتجلَّى ذروةُ هذا الفنِّ. الوداعُ الجميلُ ليسَ خداعًا، بل هوَ آخرُ هديةٍ تُقدِّمُها لنفسِكَ قبلَ أنْ تُغلِقَ البابَ. هوَ أنْ تسمعَ صوتَ البابِ يُغلَقُ وراءَكَ دونَ ارتعاشةٍ. 

هو أنْ تمسحَ دموعَكَ بظهرِ يدِكَ، وتنظرَ في عيني مَنْ جرحَكَ، وتقولَ بكلماتٍ واضحةٍ كالبلورِ: "شكرًا". ليسَ لأنَّ الألمَ لم يكنْ حقيقيًّا، بل لأنَّ كرامتَكَ أكبرُ منْ أنْ تنحنيَ للانتقامِ. 

هو أنْ تحملَ حقيبةَ ذكرياتِكَ بيدٍ ثابتةٍ وكأنَّكَ تحملُ مخطوطةَ تاريخِكَ الخاصِّ التي لنْ تدعَ أحدًا يُشوِّهُها. الوداعُ بهذهِ الأناقةِ هوَ انتصارٌ مُزدوجٌ: تدفنُ ما ماتَ، وتُحافظُ على ما يخلُدُ فيكَ - كرامتَكَ. 

فإذا رأيتَ يومًا إنسانًا ينهارُ من الداخلِ كزجاجٍ مُطرَّقٍ، لكنَّهُ يسيرُ في العالمِ كالماسِ المصقولِ، فاعلمْ أنَّكَ أمامَ أعظمِ فنّانٍ في حربِ المشاعرِ. لقدْ حوَّلَ انكسارَهُ إلى إكليلٍ شفّافٍ يُكلِّلُ رأسَهُ. هوَ لا يُخفي التشققاتِ، بل يملؤُها بذهبِ الكبرياءِ، فيجعلُها خريطةً مُضيئةً لرحلتِهِ عبرَ العاصفةِ. 

وفي النهايةِ، حينَ يُغادرُ ساحةَ المعركةِ بظهرٍ مُستقيمٍ وقلبٍ ينزفُ، تُدرِكُ أنَّ الجمالَ الحقيقيَّ ليسَ في عدمِ السقوطِ، بل في طريقةٍ تُلملمُ بها أشلاءَكَ وأنتَ تُلوِّحُ للعالمِ:
"انظروا! هذهِ هي الكرامةُ... تنزفُ جوهرًا ولا تتدنَّسُ بالوحلِ". 


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

ميثاق التحرير: حين يكون الفراقُ أرقى أشكالِ الحبِّ!

 

ميثاق التحرير: حين يكون الفراقُ أرقى أشكالِ الحبِّ! 

كان يجب أن تُزهقَ أرواحٌ كي تعيشَ أرواحٌ.  
هكذا يُوقَّعُ أحيانًا "ميثاقُ دمٍ عاطفيّ":  
لا بطلقةٍ، بل بجرحٍ نظيفٍ يُجرحُ بالوعي. 

الفراقُ هنا ليس هزيمةً،  
بل هو جراحةٌ وجوديةٌ تُنقذُ ما تبقّى من جمرةِ الروحِ.  
أن تُطلقَ سراحَ من تحبُّ ليس غيابَ حبٍّ،  
بل هو ذروةُ الحبِّ:  
أن تختارَ الموتَ كي يُولدَ منك إنسانٌ جديدٌ.  

تخيّلْ:  
يداكَ ترسمانِ حدودَ "دولةِ الحبِّ" المنهارةِ،  
لا بالحديدِ والنارِ،  
بل بمدادِ الشجاعةِ. 

"وثيقةُ السلامِ" التي تُبرمُها مع من رحلَ  
تبدأ بتوقيعٍ داخليٍّ:  
"أُعلنُ هدنةً مع نفسي...  
وأرفعُ علمَ الاستسلامِ لِما لا يُغيّر". 

هنا، في محكمةِ الوجدانِ،  
تُبرئُ نفسَكَ من تهمةِ "الفشلِ"،  
وتحكمُ على العلاقةِ بـ "الإعدامِ الرحيم".  

هل رأيتَ كيف يُحرّرُ البستانيُّ الشجرةَ من أغصانِها الميتة؟  
هكذا يكونُ الفراقُ:  
قطعٌ مؤلمٌ لِما كان جزءًا منك،  
لكنّك تعلمُ أنَّ الحياةَ لن تتدفقَ في الجذعِ إلا بهذا البترِ.  
أنت لا تتخلّى عن الحبيبِ،  
بل تُخلّصُه من سجنِ علاقةٍ صارَت قبرًا لاثنينِ.  

أتعرفُ أرقى أنواعِ الحبِّ؟  
أن تقولَ: "اذهبْ"  
بينما كلُّ خلاياك تصرخُ: "ابقَ"...  
لأنّك تُحبُّه أكثرَ من أن تقتله بتمسّكِك.  

في هذا الفراغِ المهيبِ،  
حين تسقطُ الأقنعةُ وتتكشّفُ الأرضُ الخرابُ،  
يبدأ المخاضُ العظيمُ.  
نعم، الفراقُ وِلادةٌ:  
أنتَ تدفع بألمٍ كألمِ الوضعِ ذاتًا كانت مختفيةً وراءَ "نحنُ".  
كلُّ دمعةٍ تُذرفُ... هي ماءٌ يسبقُ خروجَ كيانِك الجديدِ.  
كلُّ صرخةِ حزنٍ... هي آلامُ توسّعِ رحمِ الوجودِ.  

وفي النهايةِ،  
تستلقي منهكًا على سريرِ وحدتِك،  
تحمل بينَ ذراعيك طفلًا غريبًا:  
"أنتَ"...  
التي نسيتها في زحمةِ العطاءِ.  

لا تنظر إلى الوراءِ كأنّك خسرت معركةً.  
الفراقُ النبيلُ هو نصرٌ على أعلى منصةٍ.  
أن تقف في الميدانِ الفارغِ،  
وحدك،  
بلا ضحايا،  
بلا دمارٍ،  
فقط غبارُ معركةٍ هادئةٍ... وجرحٌ نظيفٌ سيندملُ ليصيرَ ندبةً فخريّةً. 

ندبةٌ تقولُ للعالمِ:  
"هنا...  
كانت الحربُ العاطفيّةُ الوحيدةُ  
التي انتهتْ بتحريرِ الأسرى  
لا باستعبادِ الناجينَ".  

فإذا سألك أحدٌ: "كيفَ وقّعتَ وثيقةَ سلامٍ مع قلبِكَ؟"  
أريه ندبتَك...  
واقرأ له بنودَها الخفيةَ:  

البندُ الأولُ: أعتذرُ لنفسي عن سنواتِ المقاومةِ الوهميةِ.  
البندُ الثاني: أُعلنُ نفسي دولةً حرّةً مسؤولةً عن حدودِها.  
البندُ الأخيرُ: أمنحُ ماضينا تأشيرةَ زيارةٍ فقط... لا إقامةٍ.  

لأنّ الحياةَ - في كوزموغرافيا الروحِ -  
لا تعرفُ السجونَ،  
بل تعرفُ التحوّلَ المستمرَّ:  
أمسِ كنا كوكبًا واحدًا...  
اليومَ صرنا مجرّتينِ متجاورتينِ.  
نتبادلُ الجاذبيةَ من بعيدٍ،  
نُضيءُ ظلامَ بعضنا بذكرياتٍ كالنجومِ،  
ونُثبتُ للكونِ أنَّ الفراقَ قد يكونُ  
أعظمَ إثباتٍ للحبِّ...  
حين يكونُ الحبُّ كبيرًا بما يكفي  
ليتحوّلَ إلى سماءٍ تحملُنا جميعًا. 


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

الأربعاء، 13 أغسطس 2025

وداعٌ بمذاقِ القُبْلَة!

 
وداعٌ بمذاقِ القُبْلَة! 


"نافذةٌ تَطُلُّ على حديقةٍ داخلَ قبرٍ، لكنها تَزْرَعُ بذورًا مِنَ النورِ لا تُنسى" 


في لحظةٍ يلوحُ فيها الخلاصُ كضوءٍ شاحبٍ يُخْتَرِقُ ستارةَ الغيابِ، كأنهُ يدٌ تَتَلَمَّسُ الحقيقةَ خلفَ حجابٍ من ضباب. ضوءٌ يُشبهُ انتظارَ الممثلِ خلفَ الكواليس قبلَ خطواتهِ الأولى نحو الخشبةِ المُعتمة. تُنازِعُ الأنفاسُ ظلمةَ الفُراقِ، وتتسابقُ اللحظاتُ لتشهدَ النَّفَسَ الأخيرَ مِنَ الحضورِ. 

تَتَجَمْهَرُ الهمساتُ عندَ حافةِ الوداعِ كجوقةٍ مِنَ الترانيمِ البعيدةِ، تَدوسُ على أشواكِ الصَّمْتِ، وتهمسُ للألمِ بصوتٍ يُشبهُ انكسارَ الزجاجِ: قد آنَ لكَ أنْ تستريح. كلُّ همسةٍ تحملُ سؤالًا قديمًا: هل كانَ الألمُ حجرًا رَصَدْنَاهُ في مزهريةِ الذكرى، أم بذرةً لم نعرفْ كيف نَنْسُجُ لها قميصَ النور؟ 

تَتَبَدَّدُ الصورةُ شيئًا فشيئًا، كغبارِ فانوسٍ انطفأ بعدَ رحلةٍ طويلةٍ، لكنَّ ما يتبقَّى ليسَ خواءً. هنا، حيثُ كانَ الألمُ يَقطُرُ كالرصاصِ المُذابِ في جوفِ الليل، يَنْبَثِقُ جدولٌ صافٍ يَسِيلُ بثمرٍ ناضجٍ. الثمرُ يَحملُ في لُبِّهِ ذاكرةَ العطشِ: طعمٌ يَجْمَعُ بينَ حلاوةِ العطاءِ ومُرورةِ انتظارٍ طويلٍ. تحملهُ أغصانٌ لَوَّاحَةٌ بخُضرتها، كأنها تُلَوِّحُ بكفٍّ مَطْلِيٍّ بالشفقِ للسماءِ، فتردُّ السماءُ برشاشٍ من أجنحةِ الحمام. 

تتذكرُ الأغصانُ أيامًا كانت فيها يابسةً تصرخُ بالعطشِ، فاليومَ تَنْثَني بوقارٍ وهي تمسحُ دمعةَ الأمسِ بثمرتها. لو أنَّ للقصورِ أُذُنًا لسمعتِ ارتطامَ حباتِ الرَّمادِ - التي خلَّفها الاحتراقُ - بمياهِ ذلك الجدولِ، فتُحدثُ رقصةً مُقدسةً: كلُّ حبةٍ تتحوَّلُ إلى بذرةٍ تَنْسَلُّ من بينِ أصابعِ الزمنِ، كأنها تُراقبُ معجزةَ ولادةِ نجمٍ من كائنٍ انتهى. 

الألمُ الذي كانَ يَمْزُجُ المساءَ بالحناءِ، ويجعلُ من القلوبِ قبورًا منبوذةً، صارَ الآنَ ظلاً مرتدِيًا ثوبَ المعنى. المعنى؟ نسيجٌ غريبٌ تَتَشَابَكُ فيهِ الخيوطُ: خيطُ الصبرِ، خيطُ الجرحِ، خيطُ التساؤلِ عن سرِّ البداياتِ في قلبِ النهايات. 

لم يكنْ رحيلُهُ هو البدايةَ، بل ارتدادُ صدى صوتٍ أخيرٍ لزمنٍ انكسرتْ مرآتُهُ على صخرةِ التجلِّي. جيوبُ القلبِ تزدحمُ بالقُنُوعِ، لا لأنَّ الألمَ رحلَ فحسبُ، بل لأنَّ المعنى أتى مُحتفيًا بأنوارهِ الباردةِ، كمهندسٍ يَبْني قبةً من السماءِ بحجرٍ واحدٍ انزاحَ من جدارِ العذابِ. الحجرُ الذي كانَ عبئًا صارَ رُكنةً تحملُ عفريتَ السماء! 

الآنَ، بعدَ أنْ صارَ الغيابُ رائحةَ تُفاحٍ في الهواء، رائحةٌ تَتَسَلَّلُ كطفلٍ يَلْعَبُ غُمَّاضَةَ العصورِ، تُذَكِّرُك بحلوى أمٍّ في صباحاتِ الطفولةِ، والقُنُوعُ سجادةً من شعرِ النور، تُدركُ أنَّ النهايةَ لم تكنْ فَقْدًا، بل امتلاءٌ يَتَسَرْبَلُ بالفقدِ كالعنكبوتِ يَحِيكُ من صمتهِ بيوتًا للنجوم. بيوتٌ من خيوطٍ ذهبيةٍ، تَعْلَقُ فيها النجومُ كأحلامِ الأطفالِ قبلَ أن تستقرَّ في سماءِ الواقع. 

كلُّ ما تركهُ الوداعُ وراءَهُ ليسَ فراغًا، بل بوّابةٌ تَتَزَحْلَقُ على مياهِها أرديةُ الظلالِ، ويدخلُ منها الضوءُ كطفلٍ يُحاورُ الحجارةَ: ألا تشتاقين أن تكوني زهرة؟ فتجيبُ الحَجَرَةُ بسكوتٍ يمسحُ بهِ الطفلُ دمعتها الصامتةَ، ويَعْقِدُ صُلحًا بينهما. 

ومعَ كلِّ هذا النورِ… يبقى في القلبِ مقعدٌ شاغرٌ لا يجلسُ عليهِ أحدٌ، فبعضُ الوداعِ، حتى وهو يمتلئُ بالمعنى، يظلُّ يتركُ في القلبِ فراغًا لا يَسْكُنُهُ إلا الصدى.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


دهشة الحضور في زمن العبور!

 
دهشة الحضور في زمن العبور! 

كُن هنا تمامًا، كأنك قد التقيت بنفسك لأول مرة، وأنفاسك تتناغم مع نبض العالم من حولك. لا تفكر بما مضى ولا بما سيأتي، كأن الزمن أوقف عدّته كي يمنحك برهة نادرة، وكأن الكون قرر أن يختبر قدرتك على الوجود الخالص. 

كانت الألوان تنسكب من النوافذ مثل وعدٍ قديم، والهواء يجرّ معه رائحة المطر الأولى، كأن المدينة كلها تتنفّس ببطء كي لا تكسر سحر اللحظة. وكأن كل شيء وُجد لتراه الآن. ثم انحنى الضوء على الأرض كطفلٍ يبحث عن لعبته الضائعة. 

هو الحضور الذي لا يعرف الخوف من الفقد، ولا يستعجل شيئًا، الحضور الذي يفتح النوافذ على اتساعها ليملأ رئتيك برائحة الغيم قبل المطر، وتلك النسمة التي تحمل صوت الأرض وهي تستيقظ تحت المطر، في تلك اللحظة، تشعر أن العالم يبطئ من أجلك. ويترك عينيك تتأملان التفاصيل الصغيرة التي كانت تمرّ كأنها لا تخصك، لتدرك فجأة أنها كانت طوال الوقت جزءًا منك. 

في زمنٍ يمضي بنا كما تمضي القطارات دون أن تنتظر أحدًا، هناك لحظةٌ تقف فجأةً، كأنها تقف في منتصف الجسر بين الضفتين، وتدعوكَ للنظر أسفل قدميكَ، لترى المياه التي لم تكن تراها، وهي تحمل ظلّك المتقلّب، وتلمع فيها حبات المطر كأسرارٍ معلّقة بين السماء والماء، فتكتشف أن هذا الظلّ ليس أنت، بل نسخةٌ منك تصنعها اللحظة لتُريكَ ما فاتك. 

هي دهشة الحضور في زمن العبور، دهشة اكتشافك لغيابك، كغيمة حُبست رؤيتها خلف زجاج النافذة المُغبر، وأنك تعود الآن لتوقّع على سجل الحياة باسمك الحقيقي، لا بالاسم الذي اعتدت التوقيع به.

بدأت خطوات المارة تتباطأ، وكأن الشارع فقد وعيه للحظة، فيما ارتفعت أصوات بعيدة تشبه هدير البحر في أذن مغلقة. تلك كانت اللحظة التي تغيّر فيها الإيقاع. تحرك الغيم فجأة، وتدحرج الظل فوق الجدران كأنه يجرّ خلفه الحكايات. 

وحين تهمس اللحظة بالحياة، لا يكون الهمس صوتًا، بل إحساسًا يتسلل من حافتك إلى جوهرك، كارتجافة أول لمسة، أو كابتسامةٍ لم يمهلها الخجل أن تكتمل. ربما يأتيك هذا الهمس من نسمةٍ حاملة لشيء من طفولتك، أو من ظلّ يتطابق مع ظلك على الرصيف قبل أن تلتفت، أو من عينٍ تلتقيك بعفوية تامة، وكأنها تقول لك: أنا أعرفك من قبل أن تعرف نفسك. 

وهنا، تبدأ في الإصغاء لما لا يُقال، حيث اللغة تصمت لتفسح المجال لأصوات أخرى: ارتعاشة الأصابع، بطء الخطوة، أو ذلك الصدى الخافت لخطوة لم تأتِ بعد، أو الطريقة التي يسقط بها ضوء المساء على وجهٍ تعرفه. 

فيُكشف لك أن الصمت وعاءٌ ممتلئ، ومساحة تنكشف فيها حقيقة الأشياء، كصفحة ماء صافية تكشف عمق القاع فجأةً، وأن المعنى الأعمق لا يقيم في الكلمات، بل في تلك المسافة الخفية بين نظرتين.

وفي مكان ما من ذاكرتك، هناك اللحظة التي كنّا فيها نحن، بلا أقنعة، بلا حواجز، نضحك من قلبنا حتى يخفت صوت العالم من حولنا. لا تعرف لماذا حفظتها ذاكرتك بتلك الدقة، لماذا تتذكر رائحة القهوة، التي تذوب في ضوء المساء مثل سكرٍ غير ممزوج، ونبرة الضوء في عينيه أو عينيها، وكأنك تخشى أن تتبخر من بين يديك. 

ربما لأنها كانت اللحظة التي صدّقت فيها أن وجودك ليس عبورًا عابرًا، بل حجرًا ألقِيَ في بركة الزمن، تموجاته لا تهدأ، وأنك تركت أثرًا في حياة أحدهم كما ترك هو في حياتك، وكأنكما تبادلتما توقيعًا سريًا على صفحة من الزمن لا يملك أحد غيركما قراءتها.

عِشْ كما لو أن الحياة تُشاهدك، وكأنك لستَ وحدك في المسرح، وأن خلف الستارة، ثمة عينٌ ترى كل ما يُنسى، وأن كل خطوة، كل كلمة، كل التقاء عابر، هو مشهد في فيلم أكبر بكثير من وعيك. الحياة ترى التفاصيل التي نظنّها تافهة، وتحتفظ بها في أرشيفها، كحبات عقدٍ تنفرط ثم تُجمَع من جديد، لتعيد عرضها عليك حين تكون في أمسّ الحاجة إليها، وكأنها تقول: كنتَ هنا، ولم تلتفت. 

وهكذا، حين نصغي حقًا، نكتشف أن اللحظة لم تكن تمرّ بنا، بل كانت تنتظرنا، تراقبنا بصبر، كشجرة باسقة تظلّل مقعدًا فارغًا حتى يعود الجالس، حتى نكون مستعدين لاستقبالها، لأن بعض اللحظات لا تُعطى إلا لمن يعرف كيف يراها.

وعندها صمت كل شيء، حتى العصافير بدت وكأنها تستمع، بينما يديك معلقتان بين الهواء والحقيقة، والعينان تبحثان عن شكلٍ لم يكتمل بعد. عندها تدرك أنك حاضر بكاملك.  

وحين تغادر، لا تتركك فارغًا، بل تمنحك ما يشبه الندبة الجميلة، تلك التي تشبه وشمَ نجمةٍ صغيرةٍ نُقِشَت عندما انكشف الغطاء عن قلبك، تلك العلامة التي لا يراها أحد سواك، لكنها تذكّرك أنك كنت حيًّا حقًا، ولو لدقيقة واحدة كاملة. 

قد تذوب الأصوات، وتتلاشى الألوان، وتختفي الملامح، لكن صدى تلك اللحظة يظل يتردّد في داخلك، كجرس صغير يرنّ كلما مررت على قلبك، ويوقظ الحنينَ كطائر نائم في قفص الصدر، لتتذكر أن الحضور ليس حالة عابرة، بل هو دليل على أنك قادر على رؤية نفسك خارج المرايا. 

عندها تدرك أن الإصغاء لها كان فعل نجاة، وأنك لو لم تتوقف، لضاعت منك الحياة في ازدحامها، دون أن تنتبه أن أجمل ما فيها كان يمرّ بهدوء، على مسافة نفس واحد، ينتظر منك أن تصغي.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

الثلاثاء، 12 أغسطس 2025

بين البوصلة والنجم: دليل العابرين في الحياة!

 

بين البوصلة والنجم: دليل العابرين في الحياة!


نداء في عتمة اليقظة:

هل سبقَ، في زحمة صخب الوجود، أن توقفتَ؟ ليس لالتقاط أنفاسٍ منهكة، بل لتسألَ ذلك السؤالَ الذي يهبط كطائرٍ غريبٍ في حديقة الوعي: لماذا؟ لماذا أُثقل كاهلي بهذا العبور؟ ولماذا تتشابك الطرقُ أمامي كجذور شجرةٍ بلا جذع؟ 

الحياة لوحةٌ نخطُّها بأنامل القصد، وإن بدتْ في غمرة الأيام ضرباتُ فرشاةٍ عشوائية، لأنها ليست حصاةً نرميها في بحر الصدفة، بل أدواتُ رسمنا الأساسية، تلك التي تحدد ملامح اللوحة قبل أن نبلّل الفرشاة، وتكمن في أربعة كواكبٍ روحيةٍ: الرسالة؛ القضية؛ المبدأ؛ المسألة. تلك ليست مجرّد كلماتٍ نردِّدها في ندوات التحفيز، بل أقطابُ مغناطيسٍ خفيٍّ يجذبُ شظايا وجودنا نحو كينونةٍ متماسكة، نحو معنى يلمعُ في عتمة التيه.



الرسالة - البوصلة المنصهرة في روح الكون:

الرسالة. لا تسألني عن المهنة التي أرتزق منها، ولا عن الإنجاز الذي سينقش اسمي على لوحٍ من رخامٍ زائل. الرسالة أبعدُ من بصمة إبهام على وثيقة، وأعمقُ من صدى صيتٍ في أروقةٍ ضيقة. الرسالة همسُ أبديُّ يتردّد في كهف الروح منذ اللحظة الأولى: لماذا أنا هنا؟ أيُّ أثرٍ أريد أن يبقى بعد أن تتبدّد ذرّاتِي في رياح الزمن؟ 

الرسالة بوصلة الحياة، لا مصنوعةً من إبرةٍ ممغنطةٍ وورقٍ، بل منقوشةً في نسيج كيانك. تشعر بها كذبذبةٍ دافئةٍ في الصدر عندما تلامسُ عملًا ينسجمُ مع جوهرك، كأنّ نوتةً موسيقيةً فريدةً، صماءَ منذ الأزل، قد وجدتْ أخيرًا الآلةَ التي تعزفها، فتفيضُ الكَون لحنًا لم يسمعْه أحدٌ من قبل. 

الرسالة ذلك الإحساسُ بأنّ وجودك ليس حادثًا عابرًا، بل لبنةٌ ضروريةٌ في صرحٍ كونيٍّ عظيم، وإن بدت صغيرةً في عين الناظر. والضوءُ الذي ينبعثُ من داخلك ليهدي خُطَاك، حتى عندما تُطبق السُّحبُ الحالكةُ على كلّ منارٍ خارجيّ. والسؤالُ الذي لا يكلّ عن مرافقتك: أيّ أغنيةٍ تُغنّيها للعالم قبل أن يُسدل الستار؟



القضية - النجم الذي يحرق السكينة في الصدر: 

ولكن، كيف تسير البوصلة دون وقودٍ يشعل عزم السير؟ هنا يبزغ النجم: قضيتك. ليست مجرّد قناعةٍ عقليةٍ باردة، ولا هوايةً تقضي بها ساعات الفراغ. القضية... ذلك الشيء الذي يُقلقُ 
مضجعك، ويُشعلُ في عينيك شررًا إذا ما ذُكرَ، ويجعلُ عروقكَ تلتهبُ غضبًا إذا ما انتهكتْ حرمتُه. 

القضية... هاجسٌ يتسلّل إلى أحلامك، والشاغلُ الذي يلاحقك في زوايا يومك. إنها نجم الشمال الخاصّ بك في ليل الحياة الطويل، لا يلمعُ ليراها الجميع، بل ليُرشدك أنت في ظلمات الشكّ والتردّد. 

القضية... نبعٌ لا ينضب، يروي ظمأ الروح إلى الفعل، إلى التغيير، إلى البذل، ووقودُك الذي يحوّلُ التوجّه البارد للبوصلة إلى حركةٍ دافئةٍ، إلى سيرٍ متواصلٍ نحو الأفق الذي يلوح لك وحدك. 

القضية... شغفٌ يجعلك تقفُ في وجه العاصفة، ليس لأنك لا تخاف، بل لأنّ الصمتَ أمام ما يؤلمك، أو تجاهلُ ما يهمّك، أصبحَ أخطرَ من العاصفة ذاتها. النارُ التي تدفئُ رسالتك، وتحوّلها من فكرةٍ مجرّدةٍ إلى واقعٍ نابضٍ بالحياة.



المبدأ - الجذورُ التي تشرب من صخور الأبد: 

لكن، أيّ طريقٍ تسلك نحو نجمك؟ وأيّ وسائلَ تستخدم؟ هنا تنبثق الجذور: مبادئك. ليست شعاراتٍ ترفعها على جدران المكتب، ولا قيودًا ثقيلةً تكبّل حركتك. المبادئ دستورُ غيرِ المرئيِّ يحكمُ اختياراتك، الصغيرة منها قبل الكبيرة. القيمُ الراسخةُ، الصلبةُ كالجرانيت، التي تبني عليها بيتَ وجودك. وجذور الشجرة الضاربةُ في أعماق الأرض، تمدّك بالثبات عندما تعصفُ رياحُ الإغراء أو الإكراه أو اليأس. 

المبادئ... سورٌ حامي لرسالتك وقضيتك؛ تحمي البوصلةَ من التشوّه، والنجمَ من الانطفاء، والحارسُ الأمين الذي يقفُ على عتبة قراراتك، يمنعُ دخولَ كلّ ما يناقضُ جوهرك، ولو تزيّن بثياب المصلحة العاجلة، أو المنفعة السهلة. 

المبادئُ... تلك الخطوطُ الحمراءُ التي ترسمها في رمال أخلاقك، والتي يعرفُ من حولك – وأنت قبلهم – أن تجاوزها يعني خيانةً للذات قبل أيّ شيءٍ آخر. العهدُ الصامتُ الذي قطعتَه على نفسك مع فجر وعيك، والذي يشكّلُ الهيكل العظميَّ لكرامتك وإنسانيتك.



المسألة - الدرجة التي تئنّ تحت وطأة الصعود: 

وفي رحلتك هذه، بين البوصلة والنجم، فوق أرض المبادئ الصلبة، ستواجه حتمًا المسائل: التحديات اليومية، العقبات المفاجئة، الأسئلة المحيّرة، الإخفاقات المؤلمة. ليست المسألةُ نهايةَ الطريق، ولا دليلًا على فشل البوصلة أو خفوت النجم. 

المسألةُ... ليست سوى درجةٌ على السُّلم الطويل. قد تبدو عاتيةً كجبل، أو حادّةً كسكين، أو معتمةً كغابةٍ في ليلٍ بلا قمر!، لكنّ جوهرها الحقيقيّ اختبارٌ صارمٌ: اختبارٌ لقوة جذور مبادئك، ووضوح رؤية نجم قضيتك، وصحة توجّه بوصلة رسالتك. 

كلُّ مسألةٍ، كلُّ عثرةٍ، معملٌ صغيرٌ للنموّ. فيها تُصقلُ الإرادةُ كالحديد بالنار. وتكتشفُ عُمقَ جذورك وقدرتها على التشبث عندما تهبّ العواصف. وتتعلمُ فنَّ قراءة الخريطة الكونية تحت ضوء نجمك الخاص. 

المسألةُ... فرصةٌ مُغلفةٌ بِغِلافٍ شائكٍ؛ قد يجرحُ يديكَ وأنت تفتحه، لكنّ ما بداخله – إن صبرتَ وأمعنتَ النظر – قد يكون بذرةَ حكمةٍ جديدة، أو عضلةً روحيةً نمت، أو زاويةَ رؤيةٍ اتسعت. والمحكُّ الذي يفصلُ بين من يريدون ويمضون، وبين من يتمنون وينامون.



المجرة التي نحملها في صدرنا: 

فتخيل، للحظة، حياتك مجرةً شخصيةً، كونًا مصغرًا تدور فيه أفلاكُ وجودك. رسالتك... شمسٌ في قلب هذه المجرة، تشعُّ دفئًا وضوءًا يمنح كلَّ شيءٍ معناه، يُنير دروبك ويدفئ عزمك. 

قضيتك... نجومٌ متلألئةٌ، نقاطُ الضوء التي ترسمُ لك طرقَ السفر في بحر الظلام، كلّ نجمةٍ دليلٌ على شغفٍ، على همٍّ يحرّكُ فيك نبضَ الحياة. مبادئك... قوانين الجاذبية الخفية، التي لا تُرى بالعين ولكنّها تمسك بأجرام مجرّتك كي لا تتشتت في الفراغ، تحفظ توازنك، وتحدّد مداراتك بثباتٍ لا يهتزّ. 

وأما مسائلك، شُّهبٌ عابرةٌ، خطوطٌ منيرةٌ تلمعُ للحظةٍ ثم تختفي. قد تبهَرُك بضوئها السريع، أو تُخيفك باحتكاكها العنيف مع جوّ حياتك، لكنّها، في النهاية، لا تُغيّر مسارَ شمسك، ولا تُطفئ نجومك، ولا تُخلّ بقوانين جاذبيتك. هي زوّارٌ عابرون في فضاء وجودك.

ففي كلّ فجرٍ جديد، حين تفتح عينيك على هدير العالم، اسأل نفسك هذا السؤالَ الذي يُقرعُ كجرسٍ في صومعة الروح: أيّ نجمٍ أنا في مجرّتي الخاصة؟ هل تدورُ كواكيبي حول شمس رسالتي الواضحة؟ هل تشعّ نجوم قضاياي بإصرارٍ لا يخفت؟ هل تحفظُ قوانين مبادئي توازنَ هذا الكون المصغر؟ أم أنّي أسمحُ لشهب المسائل العابرة أن تُخدعني ببريقها الزائف، فأُنسى الشمسَ والنجومَ والجاذبيةَ التي لا تُرى؟

الإجابة لا تُكتب في كتب الحكمة، ولا تُلقن في قاعات الدرس. مفتاحُها يرقدُ هناك، في أعماق صدرك، حيث تدور مجرّتك الصامتة، وتُنادي أسئلتك الأبدية. ألا تسمع دقّاتها؟


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


القمر الذي يسكن التيه!

 
القمر الذي يسكن التيه! 

لم يكن ضياءً يُستعار، بل مرآةً تُظهر ما تخفيه الظلمة: آثار جراحٍ تلمع كندوبٍ فضية، وحكاياتٍ تائهة بين فجوات الضوء.  

حين تصمد الأوتار المرتعشة في وجه عاصفةٍ تجرُّ خلفها ذكرياتٍ مهشّمة، ويعلو صفير الريح من بين شقوق النوافذ كأنها تصرخ بأسماءٍ طواها الغياب، وتنتشر رائحة المطر الممزوجة بغبار النسيان في أرجاء الغرفة، يستجيب القلب لنداء أشباحٍ لم تبرح غرف الذاكرة. 
  
كانت تطلُّ من زوايا الغرفة كصورٍ بالية: طفلةٌ ترفع يديها لالتقاط القمر، وشابٌ يصرخ في ريحٍ لا تحمل صوته… أشباحٌ تعرف أن سكنى الذاكرة نعمةٌ لا تُمنح إلا للغرباء. 

هناك، يتلألأ القمر، لا في السماء فقط، بل في عيون الأوراق التي انتظرت الضوء طويلًا، كما لو كان الحبر يتهيأ للنهوض من سباته. ينعكس من ملامحه حنينٌ قديم، ضوءٌ لا يبدد العتمة، بل يمنحها شكلًا يمكن احتماله. 

لم يعد المسافر يطمئن لأن الطريق اتضح، بل لأن شيئًا في صمت القمر يشبه صمته، ولأن وعود الضوء، حتى وإن كانت خافتة، أقوى من صمت الظلمة. تذكّر أن أقوى الضوء هو الذي يولد بعد العاصفة، وأن بقايا النور قد تحمل من الشجاعة ما يكفي لعبور المسافات الموحشة.  

وقف هناك، يتأمل القمر كما لو كان يقرأ ملامح وجه صديق قديم، وشعر أن القمر يراه أكثر مما هو يراه. لم يكن الأمر طمأنة بقدر ما كان اتفاقًا صامتًا: أن التيه لن يدوم، أو هكذا أراد أن يصدق. لكنه أدرك في ذلك الصمت أن القمر لم يعد موعد خلاص، بل شاهدٌ على هُوية الضياع. كان الاتفاق مجرد هدنة: يعترف فيه بأن النور قد يكون سجّانًا للروح، كما الظلام.

لكن في عمق قلبه، كان يعرف أن القمر الذي يبتسم له الليلة، هو نفسه الذي رآه في كل رحيله وخساراته، وأنه سيبقى هناك حين يعود… إن عاد.  

لم يكن القمر يعده بالنهاية، بل كان يذكّره بأن بعض التيه لا نخرج منه أبدًا، وأننا، نتوقف أخيرًا، أو بعد حين عن انتظار الطريق، ونكتفي بالمشي داخله، بصمتٍ يثقل الخطى، وابتسامةٍ واهيةٍ لا تُقنع أحدًا… حتى أنفسنا. 

نتعلّم كيف نحمله معنا، كظلٍّ لا يتركنا، حتى حين نبتسم للسماء. نرفعه كعبءٍ مقدسٍ فوق أكتافٍ منهكة، نعثر به في الظلام فنعتبر عثراتنا دروسًا… نمسكه بيدٍ مرتعشة فلا يمسكنا! 


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


دم الحبر… ووهم السكينة!

 
دم الحبر… ووهم السكينة! 

الحبر، ذلك الغارق في كفِّ راحةٍ ضاعت منذ زمن، لا يكتب بحثًا عن الهدوء فحسب، بل يتوسله كما يتوسل التائه قطرة ماءٍ في صحراء قلبه. كأنه يزحف بين جفاف اللحظات، يبحث عن ظلّ كلمة، أو عن همسة معنى تخفف وطأة الصمت. لا يرى خيوط السكينة بعيدة، بل يتخيلها تشرق كل صباح، من شمسٍ لا تحترق، بل تهمس له بالدفء الذي افتقده؛ شمسٌ تعيد إليه الإحساس بأن الحلم يمكن أن يُزرع حتى في التربة التي جفّت، وأن الضوء أحيانًا لا يأتي من السماء بل من الورق.

يتزود من ضوئها بوهمٍ جميل، كمن يشعل فانوسه بفتيل الذاكرة، ويملأ زجاجه بقطرات حلم متأخر، ويقنع نفسه أن السكون لا يزال ممكنًا، حتى لو كان تظاهرًا؛ ذلك التظاهر الذي لا يُعاب، لأنه وحده يمنح القلب مهلةً ليلتقط أنفاسه. ففي كل نقطة حبر، رعشة شوق إلى الرضا، وفي كل سطر، أمنية تلبس قناع القبول، كراقصٍ يتقن خطواته أمام مرآة لا جمهور لها.

الحبر هنا لا يكتفي بأن يكون شاهدًا على ما يُكتب، بل يتحوّل إلى وسيط بين الممكن والمستحيل، بين الصدق والوهم. ينساب على الورق كما تنساب الذكريات في الممرات الضيقة للعقل، تاركًا خلفه أثرًا لا يُمحى حتى لو غسله المطر. رائحة الحبر، خشونة الورق، ثقل القلم في اليد؛ كلها تشارك في صنع لحظة لا تعرف إن كانت واقعًا أو حلمًا، جرعة هدوء تسكب على جرحٍ ملتهب.

وفي النهاية، يكتشف الكاتب أن الحبر لم يكن يومًا مجرد أداة، بل كان دمًا أزرق يسيل من جرحٍ لا يلتئم. كل سطرٍ كتبه لم يكن إلا جدارًا يبنيه حول قلبه، وكل نقطة حبر كانت نبضة ضائعة تبحث عن جسدها. وحتى لو كان ما يخطه وهمًا، فهو وهمٌ رحيم، لكنه أيضًا خيانة صامتة؛ لأن الحبر كان يَعِده بالسكينة، بينما يسرق منه القدرة على الصمت. يتأمل يده الملطخة، ويشعر أن اللون الأزرق لم يعد لون الحروف، بل صار لون قلبه الذي غرق في الكتابة حتى نسي كيف يصمت.

ومع ذلك، يقبل بهذا الحبر كما يُقبل بالمنفى حين يغدو الوطن مستحيلًا، ويظل ممسكًا بالقلم كما يمسك الغريق بخشبة مكسورة، وهو يعلم أن الخشبة لن تنقذه، لكنها الشيء الوحيد الذي يمنعه من الغرق أسرع، ويترك للنزيف الأزرق أن يتدفق، لأنه أدرك أن البحث عن السكون، حتى لو كان في سراب الكلمات، هو آخر ما تبقى له من يقين.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

الاثنين، 11 أغسطس 2025

ظلّنا الثقيل!

 

ظلّنا الثقيل! 

"رحلة استكشافية لفكّ تناقضات الحب والتضحية" 


وقف ظلّنا عند بوابة القلب، حارسًا من صخر، يطلب تصريح مرور إلى أعماقنا.
أتينا نحمل قوارير دواء يزعم الشفاء، لكن رائحة السمّ كانت تفوح من أعماقها.
"ابتلعوا"، يقول، "لتُبعث أرواح وتفنى أخرى"... يا لقسوة المعادلة: حياتنا قربانٌ على مذبح حبٍّ يطلب نهاية التدفق.

في الليالي المثقلة بأرقٍ كالرصاص، جلسنا مع حكيمة قديمة تسكن صمتنا.
بدت كشجرة باسقة متجذّرة في أعماق الزمن، أغصانها تلامس سماء الأسئلة الوجودية.
ضحكت، وكان ضحكها كخرير ماء بارد في صحراء الروح:
أتعجبون؟
هل رأيتم طبيبًا يقدّم للمريض دواءً سامًّا باسم الشفاء؟
هذا ليس حبًّا، يا أبناء الوجود... هذا اغتيال مُعلَن بالرصاصة البيضاء، اسمها "الوفاء".

ومن دهشة الحكمة إلى إشهار الحقيقة، انفتح أمامنا باب آخر...
باب يقود إلى قاعة تتراقص فيها الرموز على أنغام الخداع.

قاعة عرش مهيبة.
نجلس على كراسٍ من زجاج هشّ.
أمامنا، الجلّاد الحبيب يمدّ كؤوسًا متلألئة بشرابٍ بلون الدم.
"اشربوا"، يهمس... ففي مرارتكم خلاصه.

حولنا، خَدَمٌ من ظلالٍ تصفق بحماس، تردّد: البطولة! التضحية! الحب الأسمى!
لكنّ الكؤوس تنمو منها أشواكٌ سوداء تلتفّ حول معاصمنا.
كلّ رشفة تُحوّل جزءًا من زجاج مقاعدنا إلى غبار.
سنَسقط قريبًا... والظلال تصفق.

من سقف القاعة، مخلوق غريب... نصفه طائر العنقاء، ونصفه الآخر نسناس مهرّج.
يخطف الكؤوس بذيله الملوّن، ويرميها أرضًا.
الشراب ينسكب... فينبت مكانه فطر سامّ، يغنّي بصوت مزعج:
هذا حبٌّ أعرج! مكسور الجناح!
يطلب الموتَ ويسمّيه إنجاح!

ثم يلتفت إلينا، وعيناه جمرتان متقدتان:
لماذا نشرّع أبواب قلوبنا لسكين؟
ألم نسمع صراخ الزجاج وهو يُطحن؟

لقد عشنا في ممالك الصمت العقابي، نتعذّب عطشًا إلى كلمة حنون، إلى سؤال عن حالنا،
بينما العالم يرى علامات حيوية على الحياة.
لم يعرف... أو لم يُرد أن يعرف... أن وراء أقنعة الضحك المتكسّر، هناك أرواح تُسحق تحت ثقل القسوة.
هل يعقل أن الغرباء يرون ما نخفيه، بينما الحارس الأقرب يتعامى في وضح النهار؟

لكن الحكمة في الأعماق همست كالريح بين الأوراق:
لا ننتظر استجوابًا من عمى القلوب.
النجاة ليست في أن نموت ليحيا آخر، بل في أن نحيا نحن.
الحب الحقّ لا يسرق الشمس من كبدنا ليدفئ نفسه؛ بل يفرح لأنّ شمسنا تظل مشرقة،
قادرة على العطاء ونحن كاملون... لا أشباحًا تجرّ أذيال الندم على ساقين واهنتين.

لذا، ها هو قرارنا، مُعلَنًا على مَلأ الوجود، كصرخة في وادٍ سحيق،
لكنّ صداها يهزّ جبال الخوف:
لن نتناول الجرعة المميتة.

سنمضي.
لا هروبًا من معركة، ولا خيانةً لوعد، بل هجرةً مقدّسة نحو ينابيع بقائنا.
سَنبحث عن دوائنا بين صفحات الكتب القديمة، في همسات الفجر، في عرق جباهنا،
في دموع تذوب حقيقةً لا زيفًا.
سَنحمي الضوء الخافت في صدورنا – هذا الشرر الإلهي الذي به نُنير، وبه نحبّ، وبه نغيث.

نترك الآخرين يبحثون عن شفائهم في غيابنا.
ربّما في صمت فراقنا، يسمعون أخيرًا صوت جراحهم الحقيقية، لا صدى آلامنا نحن.
ربّما يجدون الدواء الذي لا يُبيد روحًا ليبعث أخرى.
فالشفاء لا يُبنى على جثث الأحياء.

والطريقان أمامنا؟
كلا! لسنا محصورين في ثنائية موت أحمق.
هناك طريق آخر: طريق وعِرٌ شائكٌ، يتسلّق جبل الذات.
طريق يُعيد إلينا ملكية أرواحنا، ويرمّم الزجاج المهشم بعناقيد الصبر.
فيه نموت عن ذلّ التضحية الزائفة، لنُبعث كائنات قادرة على الحب من فائض، لا من فراغ.

الوفاء الأصدق ليس موتنا على مذابح الآخرين، بل أن نحمي قدرتنا على الحب ذاته،
حتى لو اضطرنا ذلك لأن نحبّ من بعيد، ونحن على قيد الحياة.

وربّما نلتقي يومًا، بعد أن تشفى الجراح... لا جرحى ولا أموات،
بل شمسين تعلمان فنّ البقاء دون إطفاء نور الآخر.
عندها، سنضحك معًا على ظلّ السؤال الثقيل الذي طفا، ذات يوم،
على سطح حياة كادت أن تُباد باسم الحب.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


عُمق بلا قاع: تأملات في لُجَّةِ اللغة!

 
عُمق بلا قاع: تأملات في لُجَّةِ اللغة! 

"في محيط النسيان: رحلة الغريب بين بوابات اللغة"

أيها البحرُ.. كم أخبأتْ فيكَ الكلماتُ من غَرْقى! 

أغوصُ في ماءٍ لا ذاكرةَ له. هكذا تبدأ الرحلة، أو ربما هي الغرق المُتأنّي. هذا الماء، شفافٌ كالعدم، عميقٌ كالزمن الأول، لا يحتفظُ بظلٍّ عابرٍ لسابحٍ، ولا يخزنُ همسَ حوريةٍ أو صرخةَ غريق. 

إنه النسيان الأصيل المُتجسّد، السائل الذي يغسلُ أثقالَ الذاكرة ويذيبُ يقينَ الأشكال — لا كنسيانٍ عابرٍ، بل كلاإدراكٍ مُطلقٍ يُعيدُ الخلقَ إلى بَراءته الأولى، حيثُ لا وصايا للأسماءِ ولا سجونَ للمعاني. 

أليس هذا سرَّ اللغةِ الأولى، قبل أن تتجمّدَ في قوالبِ التسميات؟ لغةٌ سائلةٌ تنسابُ من بين الأصابع كالزئبقِ الكونيّ، تحملُ كلَّ المعاني ولا تُمسكُ بواحدٍ منها، كحلمٍ يتبخّرُ مع اليقظةِ، تاركاً وراءه ظلاًّ لرائحةٍ بلا زهرةٍ، أو صدىً لصوتٍ بلا حنجرةٍ.

وهكذا تبدأ الرحلة... من الغوص إلى الدخول في عوالم أخرى. 


مذكراتُ ظلٍّ تحتَ عرشِ العقل

فجأةً، أجدني أدخلُ عالَمًا لا يرضى بالقياسِ ولا يُفصحُ عن قراره. عالمٌ يرفضُ مسطرةَ المنطق وميزانَ العقل، كأنما القوانينُ هنا تكتبُها ريحٌ عمياءُ، والأبعادُ ترتسمُ بحركةِ جفنِ حالمٍ. كلُّ محاولةٍ لرسم خريطةٍ تتحولُ إلى شظايا ضبابٍ — ضبابٍ يلمعُ كالفضةِ السائلةِ حين تلمسُه، ثم ينفرطُ بين الأصابعَ كذكرياتِ طفلٍ عن جنّةٍ لم يرها. المعنى هنا لا يُقاس بالذراعِ أو يُوزنُ بالقسطاس؛ إنه يتنفّسُ ككائنٍ حيٍّ، ينبضُ تحتَ الجلدِ بلا نبضٍ مرئيٍّ، يتملّصُ من التعريفاتِ كظلٍّ يهربُ من مصيدةِ ضوءٍ. يرفضُ أن يُختزلَ في جملةٍ حاسمةٍ أو حكمٍ نهائي.

قراره؟ سرٌّ غامضٌ يذوبُ في الأفقِ، كشمسٍ لا تُعلنُ شروقَها أو غروبَها، بل تخلعُ أثوابَ الزمنِ في صمتٍ ملكوتيٍّ. أليس هذا جوهرَ الشعرِ الحقيقيّ: أن يكونَ الكلامُ قبسةً من صمتِ الكونِ؟ وأليستِ الفلسفةُ التي تتجاوزُ البرهانَ هي رقصتُنا الأخيرةَ على حافةِ المنطقِ؟ عالمٌ يرفضُ أن يكونَ تابعًا، ويصرُّ على أن يكونَ لغزًا — لغزًا يفتحُ ذراعيهِ كبحرٍ، ويُغمضُ عينيهِ كطفلٍ يعرفُ أنَّ الإجابةَ ستقتلُ السؤالَ.

في متاهة الدلالات أُبحِرُ، في نصٍ لا يُشبه أيَّ شاطئٍ أعرفه. لا علاماتٍ مألوفةً على سواحله، لا صخورَ تُشيرُ إلى عواصفَ قديمة، ولا رمالً تدوّنُ آثارَ عابرين. النصُّ هنا محيطٌ ينسجُ جغرافيتهُ بنفسه - أمواجُه تُرقِّصُ النجومَ في قاعه، وأعماقُه السوداءُ تبتلعُ حتى صرخاتِ النور. كلُّ كلمةٍ موجةٌ تدفعُ بي إلى مجهولٍ يلدُ مجهولاً، وكلُّ جملةٍ أرخبيلٌ من الدلالاتِ التي ترفضُ أن تُسجَّلَ في دفترِ الملاحة.

لا مرفأَ يُنادي، ولا بوصلةَ تُشير. إنه الإبحارُ في فضاءٍ لغويٍّ تتحطّمُ فيه قوانينُ الجاذبيةِ المعروفة، حيثُ تُرمى خرائطُ اليقينِ من سفينةِ الوعي، ويصيرُ القلبُ شراعًا للرياحِ المجنونة. النصُّ ليس مرآةً تعكسُ وجهَكَ الذي تعرف، بل هو حفرةٌ في جدارِ الكون، تُطلُّ على حدائقَ لغويةٍ لم تُزرع بعد، تشربُ أحبارًا من ظلامٍ لم يولد، حيثُ الأشجارُ تحملُ أوراقًا من لهبٍ بلا حرائق، والأنهارُ تتدفّقُ إلى الأعلى.



أسئلة تولد من دموع المعاني

وهنا، أمامي، أفتحُ بابًا خلفهُ ألف بابٍ، يَشقُّ حجابَ الظنون، ولا أعرفُ أيّها يقودُ إلى الضوء. كلُّ مدخلٍ يُغريني بوعدِ الحقيقة، وكلُّ مخرجٍ يُعيدُ تشكيلَ المتاهةِ من جديد. اللغةُ هنا متعددةُ الوجوه، جنينٍ كونيٍّ يدورُ في رحمِ الأزل، كلّما ظننتَ أنك أمسكتَ بسرِّها، انفلتَ من بين يديكَ كبلورةٍ ضخمةٍ تدورُ بها عيناك فترى عوالمَ متشظيةً في انعكاسات لا تُحصى. أيُّ طريقٍ يسلكُ المعنى؟ وأيُّ مسلكٍ يفضي إلى جوهرٍ ثابت؟ 

الضوءُ المنشود يتراءى خلف كلِّ عتبةٍ، ويتراقصُ خلفَ كلِّ حاجزٍ كشهقةٍ أخيرةٍ لنجمٍ محتضر، لكنّ كلَّ خطوةٍ نحوَه تلدُ ألفَ ظلمةٍ جديدة. أليس هذا مصيرَ المتأمل، الباحثِ عن يقينٍ في مملكةِ الاحتمال اللامتناهي؟ 

أليس هذا قدرَ العابدِ في محرابِ اللغة؟ أن يَسْجُدَ على أعتابِ اليقينِ وهو يعلمُ أنَّ كلَّ سجدةٍ تبتعدُ به عن الحقيقةِ بقدرِ ما تقترب. كمن يطاردُ سرابًا في صحراءِ مرايا، كلّما انكسرَ انعكاسٌ في مرآة، وُلِدَتْ مرآةٌ أخرى من دموعِه. 

أليس هذا هو العشقُ الحقيقي؟ أن تُقبِّلَ أعتابَ كلِّ بابٍ وأنت تعلمُ أنَّ القبلةَ ستحرقُ شفتيك، لكنّ الشفاهَ تحترقُ لتنبتَ عليها أقواسُ قزحٍ جديدة. 



سيرة التيه في أسواق بابل السرية

فأخطو داخل اللغةِ كغريبٍ وُلد للتوّ بين أسوارِ مدينةٍ أسطورية. خطواتٌ حذرةٌ على أرصفةِ المفردات، نظراتٌ قلقةٌ نحو سطوحِ التراكيب العالية. أحذو حذوَ النملةِ على سجادةٍ فارسية، كلُّ خيطٍ يخبئُ كونًا، وكلُّ عقدةٍ تُخفي قِصّةً لم تُحكَ بعد. الأرصفةُ هنا مصنوعةٌ من أحجارِ القواميس المنسية، والنوافذُ تتنفّسُ بنبضِ المعاجم القديمة. كلُّ شارعٍ (جملة) يحملُ عبقًا غريبًا، ويفرشُ بساطًا من أسئلةٍ مُذهّبة، وكلُّ زقاقٍ (استعارة) يُخفي أسرارًا، ويُضيءُ مصابيحَه بلغةٍ لا تُشبهُ لغاتِ البشر.

الغريبُ هنا هو مستكشفٌ لمملكةٍ ذات قوانينَ خفيةٍ، حيث الإشاراتُ مبهمةٌ واللهجاتُ متعددةٌ. هو ليس عابرَ سبيلٍ، بل هو طفلٌ يلهو بكراتِ الزجاجِ الملوّنة في حديقةِ بابل. اللغةُ مدينةٌ بلا دليل، تُبهرك بفوضى نظامها، وتحيّرك بدقةِ فوضانا. تُبنى وتنهارُ في كلّ طرفةِ عين، قوانينُها تكتبها أطيافُ الحروفِ على جدرانِ المعبد المهجور. تُبهرني بعناقيدِ كرومِها الذهبية، ثمّ تتركني عطشانَ أمام نافورةٍ تجري بالزئبقِ لا بالماء. 

التيهُ هنا ليس ضياعًا، بل هو شرطُ الوجود في حضرةِ المجهول الجميل. هو العثورُ على جرحٍ لم يندمل بعد، واللعبُ بأطرافِ ندوبِه الملتهبة. كلّ خطوةٍ تذكّرني بأنّي لستُ ضائعًا بما يكفي، وأنّ المدينةَ لن تكتملَ إلا حين أختفي أنا بين شقوقِ أحجارِها الناطقة. 

وهكذا أجدني أتجوّل في فضاء اللغة اللامتناهي، فضاءٌ لا يحده مكان، فأُبحِرُ في مياهٍ ترفضُ أن تعترفَ بوجود بَرٍّ. ليس هذا يأسًا من الوصول، بل هو استسلامٌ وثيقٌ لِجدليةِ الأمواجِ التي لا تتوقّفُ عن التساؤل. هذه المياهُ – لُجَّةُ المعنى التي لا تنفكُّ تتدفّقُ كأنفاسِ كونٍ حديثِ الولادة – تَسْخَرُ من فكرةِ اليابسةِ النهائية، من تلكَ الجُزُرِ الوهميةِ التي نسمّيها "حقائقَ مطلقةً". كلّما ظننتَ أنكَ أمسكتَ بحَصاةٍ من قاعِها، إذا بها تذوبُ بين أصابعكَ، وتتحوّلُ إلى نُجومٍ تائهةٍ في مجرّةِ لغةٍ أخرى.  

هنا، كلُّ تيارٍ يقودُكَ إلى تيارٍ أعمق، وكلُّ غوصٍ يفتحُ أمامكَ كوّةً إلى محيطٍ آخر. اللغةُ لا تنتهي عند شطٍّ، بل تتمدّدُ كالزمنِ نفسِه: لا تُقاسُ بالمسافاتِ، بل بالانكساراتِ التي تُحدثُها في مرآةِ الذات. الاعترافُ بالبَرِّ هنا ليس مجرّدَ خيانةٍ للرحلة، بل هو إنكارٌ لتلكَ المعجزةِ التي تجعلُ من الضياعِ وَطَنًا، ومن العُبورِ غايةً.  

فالإبحارُ في هذه المياهِ ليس بحثًا عن ميناءٍ نُرسي فيه، بل هو تعلُّمٌ لِأن نعيشَ في المدّ والجزرِ كالأسماكِ التي لا تعرفُ الخوفَ من الغرقِ، لأنّ الماءَ هو هواؤها، واللُّجَّةُ هي رئتاها. المعرفةُ هنا ليست محطّةً نصلُ إليها، بل هي الحَرَكَةُ ذاتُها، التّيّارُ الذي لا يهدأُ، والموسيقى التي لا تُكرّرُ نفسَها أبدًا.  

فهل ثمّةَ إبحارٌ أكثرُ جمالًا من ذلك الذي لا يُريدُ أن ينتهي؟ وهل ثمّةَ لغةٌ أكثرُ حياةً من تلكَ التي ترفضُ أن تتجمّدَ في معنى؟

وكلما تعمّقتُ في هذه اللجّة، وجدتُ نفسي في حضرة اللغة الأزلية، أغوصُ في محيطٍ لا يرد الغارقين. الغوصُ هنا ليس هروبًا، بل هو انكسارُ الأقنعةِ كلِّها أمام مرآةِ اللانهاية. المحيطُ الذي لا ذاكرةَ له يبتلعُ كلَّ محاولاتِ التملكِ كأنها فقاعاتُ هواءٍ تائهة، ويرفضُ ردَّ الغارقين إلى سطحِ اليقينِ الضحلِ حيثُ تُباعُ الخرائطُ بثمنٍ بخس. في أعماقه، حيثُ يسكنُ الصمتُ الأعظمُ كأنه القلبُ النابضُ للكون، يتلاشى الفرقُ بين الغرقِ والخلاصِ، بين الفهمِ والجهلِ، كأنما الأعماقُ قد ابتلعتْ كلَّ الثنائياتِ وأعادتْ صهرَها في بوتقةِ اللازمان.  

الغرقُ هنا ليس فناءً، بل هو ذوبانُ السّابحِ في كينونةِ اللغةِ نفسها، في محيطها الأصليّ الذي يسبقُ الكلماتَ ويعقبُها، كحلمٍ يسبقُ الولادةَ ويَلحقُ بالموت. الغريقُ في هذا العمقِ يصبحُ جزءًا من اللغزِ، كالملحِ الذي يذوبُ في الماءِ فيصيرُ الماءَ نفسَه. هو قطرةٌ في محيطٍ لا ذاكرةَ له، تُنصتُّ إلى همساتِ الحروفِ الأولى قبلَ أن تتشكّلَ أبجدية. شاهدةً على سرٍّ لا يُفصحُ عن قراره، كأنها تقفُ على حافّةِ ولادةِ كونٍ جديدٍ من رحمِ العدم.  

النصُّ السرمديُّ يُصبحُ مرآةً لغرقنا الجميل: لا شاطئَ له، ولا ضفافَ، بل هو المدُّ والجزرُ الأبديُّ الذي يحملُنا من لا معنى إلى لا معنى، كي نكتشفَ أنَّ الجمالَ كلَّه في تلكَ الرحلةِ التي لا تنتهي. وقبل أن تستقر الأجوبة، تتهاوى الأسئلة من جديد. 



مزاميل السؤال في محراب الكلام

هذه هي حكايةُ اللقاءِ مع اللغة: غوصٌ في نسيانٍ يُشبهُ ولادةً مقلوبة، رحلةُ الغريبِ في مدينةِ الكلماتِ أشبهُ بسيرِ النورِ في متاهةِ المنشور، حيثُ ينكسرُ المعنى في كلّ منعطفٍ إلى ألوانٍ لم تُكتشفْ بعد. كلُّ بابٍ يُغري كحلمِ عاشق، وألفُ بابٍ يُحيّرُ كأسرارِ الأنبياء. واللغةُ هنا ليست أداةً، بل هي الفعلُ نفسُه - ولادةٌ مستمرةٌ ترفضُ أن تصيرَ ذكرى.

وفي القلبِ من هذا كلّه، سؤالٌ يتوهّجُ كنجمٍ بحريٍّ يُضيءُ من الأعماق: أليس الجمالُ الحقيقيُّ يكمنُ في تلكَ اللحظةِ التي تدركُ فيها أنك لن تصل، فتُمسكُ يدَ اليقينِ لتغرقَ معه في بحرِ الأسئلة؟ أليست اللغةُ هي اللاوصولُ بعينه، والمتعةُ كلّها في ذلكَ العطشِ الذي لا يُروى؟

أليس العمقُ هو القاعُ الذي لا قاعَ له، حيثُ تتحوّلُ كلُّ إجابةٍ إلى ألفِ سؤال، وحيثُ المعرفةُ الحقيقيةُ هي أن تعرفَ أنك لا تعرف؟ هنا، في هذا اللا مكان، تصيرُ الكلماتُ أجراسَ معبدٍ غارق، تُنادي إلى صلاةٍ لا تنتهي، صلاةِ العاشقِ الذي يعلمُ أن الحبَّ ليس وجهةً، بل هو الطريقُ نفسُه حين يذوبُ في خطواتِ السالكين.


جهاد غريب 
أغسطس 2025

حين يتحوّل الغياب الى حضور!

 

حين يتحوّل الغياب الى حضور! 

على الشرفة، كرسيٌّ فارغ يتأرجح ببطء، كأن الريح تحاوره في غياب صاحبه. فنجان قهوة بارد ينتظر يدًا لن تعود، والنافذة نصف المفتوحة تسمح لضوءٍ باهت أن ينساب إلى الداخل… لا أحد هنا، ومع ذلك، ليس المكان خاليًا تمامًا. ثمة ما يملأه، حضورٌ لا تراه العين، لكنه يضغط على القلب برفق، كأنه يذكّرك أنك لست وحدك.

تسأل نفسك: هل الغياب حقًا فراغ، أم أنه بداية لشكلٍ آخر من الامتلاء؟ هل تنتهي الحكاية حين يغلق أحدهم بابه الأخير، أم أن الحكاية تمتدّ داخلنا بطرق لم نكن نعرفها من قبل؟
عند العتبة الأولى للغياب… يبدأ شكل آخر للحياة.



عند عتبة الغياب… يبدأ الحضور

حين يغادرون، لا ينطفئ أثرهم كما يظن البعض، بل يتحول إلى ضوء خافت يرافقنا في الطرق المظلمة. نكتشف فجأة أن الحضور لا يُقاس بالمسافة ولا بالزمن، بل بالقدرة على أن يتسلل أحدهم إلى تفاصيل يومنا حتى وهو بعيد. كلمةٌ كانوا يرددونها، حركة يد عابرة، نظرة كانت تقول أكثر مما تسمح به الحروف… كلها تعود إلينا، لا كذكرى جامدة، بل كنبض حيّ.

إننا لا نلتفت إلى ملامح هذا الحضور إلا بعد أن يغمرنا الغياب، وكأن الصمت يضبط عدسة القلب ليرى ما كان مشوشًا وهو قريب. نبدأ بسماع أصواتهم في زحمة الشوارع، ورؤية ظلهم في الأبواب التي تُفتح فجأة، وملامسة روحهم في لحظة دفء تأتي بلا سبب.

الحضور الذي يولد عند عتبة الغياب ليس وهمًا، بل هو صدى عميق للذكريات، وقوة خفية للقيم التي تركوها فينا. وربما لهذا، يصبح الغياب أحيانًا المرآة التي نرى فيها وجوههم بوضوح أكبر.



ورثتك صمتًا… فصار صوتي

لم تترك لي كلماتٍ كثيرة، لكنك تركت مساحات من الصمت أتعلم فيها الإصغاء. كنتُ أظن أن الإرث يُقاس بما يمكن لمسه أو امتلاكه، حتى أدركت أن أثمن ما ورثته عنك كان ما لم يُقال. في صمتك كانت الحكمة، وفي غيابك كان الامتحان، وفي داخلي كانت البذرة التي أنبتتها أيامك.

ذلك الصمت لم يبقَ جامدًا، بل تحول مع الوقت إلى صوتي أنا. صرتُ أردد عباراتك في المواقف الصعبة، وأتخذ قراراتك دون أن أستشيرك، كأنك ما زلت تمليها عليّ من مكانك الخفي. حتى نبرة الضحك التي كنت أعرفها جيدًا، تسللت إلى ضحكتي، وكأننا نتقاسم الحبال الصوتية.

لم أعد أحتاج أن أسمعك لتكون حاضرًا. أنت في انحناءة كتفي حين أتعثر، وفي طريقة نظري إلى الأفق حين يضيق بي المكان. أنت في صمت اللحظات التي أبحث فيها عن قوة، وفي الكلمات التي أقولها للآخرين دون أن يعرفوا أنها ليست لي وحدي.



العبور لا الموت

كنتُ أظن أن الموت بابٌ يُغلق إلى الأبد، حتى اكتشفت أنه ممرّ، عبور هادئ من ضفة إلى أخرى، حيث لا نملك أن نرى المدى، لكننا نشعر بأن هناك حياةً أخرى تجري في مكانٍ ما. الفقد لا يُطفئ الوجود، بل يغيّر شكله. من كانوا يشاركوننا المقاعد صاروا يجلسون في داخلنا، يطلّون على العالم من خلال أعيننا، ويكملون الطريق بأقدامنا.

الموت ليس اختفاءً، بل إعادة توزيع للحياة بين الأحياء. كل ضحكة تخرج منّا وقد تعلمناها منهم، كل اختيار نافع تذكّرنا به نصائحهم، كل دمعةٍ تمسحها يدنا عن وجه شخص آخر… هي امتداد لحياتهم فينا.

أراهم كمسافرين يعبرون جسرًا من ضباب، يلوّحون من بعيد، ثم يذوبون في البياض. لا أراهم تمامًا، لكنني أسمع وقع خطواتهم يسبقني، كأنهم يمهّدون الطريق. وحين أصل إلى منتصف الجسر، لا أشعر بالوحدة، لأن صدى عبورهم يرافق عبوري أنا.



في حضرة من لا يغيب

هناك مقاعد لا تُشغل أبدًا، لأنها ليست في المكان، بل في القلب. بعض الأشخاص لا يغادرون مهما ابتعدت المسافات أو توالت الأعوام، يظلّون جالسين في الصفوف الأولى من أرواحنا، يراقبون، يبتسمون، ويدفعوننا للأمام بطرق لا نراها. نحن نحملهم في مشيتنا، في قراراتنا، في تلك اللحظة التي نرفع فيها رأسنا بثقة وكأننا نستمدها منهم.

لقد أدركت أن الحضور الحقيقي لا يحتاج إلى جسدٍ أو ظلّ، يكفي أن يكون هناك أثر لا يتزحزح، فكرة لا تموت، أو دفء لا يبرد. من نحبّهم يعلّموننا أن نكون امتدادهم، وأن نستمر في الحياة كأننا نمثّلهم على مسرح لا ينتهي.

وهكذا، لا يعود الغياب غيابًا، بل يصبح شكلًا آخر للحضور… حضورٌ أعمق، لا تراه العين، لكن القلب يعرفه ويوقّره. وفي كل مرة أظن أنني وحيد، أسمع وقع خطواتهم داخلي، فأبتسم… وأمضي.


جهاد غريب 
أغسطس 2025

السبت، 9 أغسطس 2025

أصواتٌ لا تُخمد.. بل تُحتضن!

 
أصواتٌ لا تُخمد.. بل تُحتضن! 

داخِلَنا، حيث يُضيءُ الفكرُ شموعَ الوجود، تتصاعدُ ألسنةُ حواراتٍ لا تنطفئ. مثل نارٍ مستعِرةٍ في صدرِ الليل، تُلقي بظلالِ قلقٍ وشكٍّ على جدرانِ وعينا. نلهثُ وراءَ دلوِ صمتٍ نَخلِطُ به هذه النيران، نتوهمُ أن الماءَ وحدهُ قادرٌ على إسكاتِها. لكن الماءَ يُطفئُ الجمرَ الظاهر، أمَّا جمرُ الأفكارِ فيُروّضُه الانتباهُ الواعي. فالصمتُ الحقيقيُّ ليس فراغًا تُبتلعُ فيهِ الأصوات، بل هو حُضورٌ لمعنى أعمق، يتنفَّسُ بين الضلوعِ حين نتعلَّمُ فنَّ الإصغاء.


فهم الأصوات: سيمفونية الوجود الداخلي! 

دعونا نُصغِ بلا خوف. هل تسمعونَ ذلك الصوتَ الجاثمَ في الظل؟ إنه الناقدُ الداخليُّ، صوتهُ كصوتِ حصىً خشِنٍ يُدحرَجُ فوقَ زجاجِ الثقة. يهمسُ، لا، يزمجرُ أحيانًا: لستَ كافيًا.. ستُخفقُ.. انظرْ كيف يتفوقُ عليك الآخرون! كلماتهُ تُثقِلُ الكتفينِ كعباءةٍ رطبةٍ من شتاءٍ طويل. إنه ليس شريرًا، بل حارسٌ قلقٌ تَشوَّهتْ بوصلةُ قلبه، يحاولُ – بجهلٍ – حمايتنا بالفشلِ المتوقَّع.

وبين الحين والآخر، يعلو صوتٌ آخر، كالمُدرِّبِ الحاني، دافئٌ كشمسِ الصباحِ الأولى على القلبِ المتعب. يهمسُ: تذكَّرْ.. لقد تجاوزْتَ أصعبَ من هذا.. فيك كنوزٌ لم تكتشفها بعدُ. كلماتهُ مثل دفقةِ ماءٍ عذبٍ في ظمأ، تُذكِّرنا بنقاطِ قوتنا المنسية، تُشعلُ في الأعماقِ شمعةً صغيرةً لكنها عنيدة.

ثم هناك الصوتُ الذي يُحلِّقُ نحو الأفقِ البعيد، صانعُ الخططِ ومستشرفُ الغد. تراهُ ينسجُ خيوطَ مستقبلٍ برّاقٍ، لكن خيوطَهُ قد تتشابكُ فجأةً، وتتحوَّلُ إلى شبكةِ قلقٍ خانقةٍ تُقيِّدُ الحاضر. "ماذا لو..؟" سؤالُهُ المتكررُ يَثقبُ السكينةَ مثل مطرقةٍ على رأسِ مسمارٍ في غرفةٍ هادئة. إنه يحلمُ لنا، لكن أحلامهُ أحيانًا تُنسينا أن نعيشَ اللحظةَ التي بين أيدينا.

وأخيرًا، يأتي الصوتُ كالمُراجِعِ الوفي أو الغليظِ أحيانًا، يعيدُ فتحَ دفاترِ الماضي. يقلِّبُ صفحاتِ الذكرياتِ تارةً بحنوٍّ، وتارةً بقسوةٍ. رائحةُ زهرةٍ قديمة، أو صوتُ لحنٍ قديم، قد توقظُهُ فجأةً فيُعيدُ عرضَ مشهدٍ سعيدٍ يذوبُ القلبُ حنينًا، أو جرحًا نازفًا نتمنى لو بقيَ مدفونًا. إنه يحفظُ قصتنا، لكن تمسُّكَهُ ببعضِ الصفحاتِ قد يمنعنا من كتابةِ الفصلِ الحالي.


اليقظة: فنُّ استقبال الأفكار دون تملك! 

هنا، في خضمِّ هذه السيمفونيةِ أحيانًا، والضجيجِ أحيانًا أخرى، يأتي دورُ الانتباهِ الواعي. ليس سيفًا لنَهرِ الأفكارِ عنَّا، ولا سدًّا لمنعِ تدفقها. إنه أشبهُ بجلوسنا على ضفةِ نهرٍ هادئ، نراقبُ المياهَ وهي تمرُّ – أوراقٌ يابسةٌ، أغصانٌ مكسورةٌ، زهورٌ متفتحةٌ، قواربُ صغيرةٌ – دون أن نُقحمَ أنفسَنا في التيار. 

نرى الفكرةَ قادمةً: "أنا فاشل". نلاحظُ حضورَها – مجردَ سحابةٍ عابرةٍ في سماءِ وعينا – دون أن نُطلقَ عليها حكمًا "جيدة" أو "سيئة". نُدركُ حضورَ الناقدِ الجاثم، نعرفُ صوتَه، لكنَّنا لا نُصبحُ هو. هذه هي القفزةُ النوعية: أن نفصلَ ذاتَنا عنْ أفكارِنا. 

نحن لسنا السحابةَ العابرةَ، نحن السماءُ الواسعةُ الثابتةُ التي تستقبلُها جميعًا. الفكرةُ مجردُ زائرٍ مؤقتٍ يطرقُ الباب، أما نحن فـ "المضيفُ الدائمُ" الذي يختارُ كيف يستقبلُ، وكمْ يدعو الزائرَ للبقاء. تمرينٌ بسيطٌ: في خِضَمِّ الصخب، نأخذُ نفسًا عميقًا، نُسمِّيهِ (نحن نعرفُ اسمه الآن)، ونقولُ في هدوء: أهلًا بكَ.. أرى أنكَ هنا اليوم. هذه الملاحظةُ البسيطةُ، غيرُ المحكمةِ، هي البدايةُ لفقدانِ الفكرةِ سلطانَها القديم.


الصمت: موطنُ المعنى والبوصلة! 

وعندما نُتقنُ فنَّ الاستقبالِ هذا، دون صراعٍ أو خوف، يبدأُ الصمتُ الحقيقيُّ بالظهور. ليس صمتًا ميتًا خاليًا من الأصوات، بل هو صمتٌ حيٌّ، نابضٌ، كالفراغِ الموسيقيِّ بين النوتاتِ الذي يُعطي المعزوفةَ روحَها. 

في هذا الحيزِ المقدسِ بين الأمواجِ الفكرية، حيث تخفتُ أصواتُ الناقدِ والمستشرفِ والمراجعِ، يبرزُ صوتٌ آخرُ. هادئٌ، عميقٌ، ثابتٌ كنبضِ الأرض. هذا هو صوتُ البوصلةِ الداخلية، صوتُ الحدسِ والحكمةِ المتأصلة. في زحامِ الضوضاءِ كانَ غائبًا، أمّا في رحابةِ الصمتِ الواعي، يصبحُ واضحًا، يُرشدُنا إلى قراراتٍ تنبعُ من أعماقِ كينونتنا، لا من ردودِ أفعالِ الخوفِ أو الطموحِ الأعمى.

هنا، في هذا الصمتِ النشطِ، نجدُ الهدوءَ والسكينةَ. لا هدوءَ هروبٍ من العالمِ الخارجيِّ الصاخبِ، بل سلامٌ داخليٌّ لا يتزعزعُ بزعازعِ الظروف. كأنَّنا في عينِ إعصارٍ، كلُّ شيءٍ حولنا يثور، ونحن في مركزهِ هادئون. 

نَصِلُ، أخيرًا، إلى ذاتِنا الحقيقية، بعيدًا عن الأقنعةِ والأدوارِ التي نرتديها في مسرحِ الحياة. نرى أنفسنا في مرآةِ الصمتِ هذه كما نحن: كائناتٌ تحملُ تناقضاتٍ وجمالًا، قوةً وهشاشةً، أفراحًا وأتراحًا، دون حاجةٍ للتبريرِ أو الاختباء. الصمتُ هنا هو المساحةُ التي نُولدُ فيها لأنفسنا من جديد... كلَّ يوم.

وكأن هذه الأصواتَ، على اختلافِ نبراتِها، تبلغُ ذروتَها فجأةً في قاعةٍ واسعةٍ من الضوءِ والظلِّ، تتقاطعُ فيها النغماتُ كأمواجٍ متلاحقةٍ قبل أن تنكسرَ على شاطئِ الصمتِ. لحظةٌ مكثفةٌ، يتسعُ فيها الصدرُ لكلِّ التناقضاتِ دفعةً واحدةً؛ الفرحِ والحزنِ، الرجاءِ والخوفِ، الشكِّ واليقينِ... ثم، كما لو أن يدًا خفيةً أزاحتِ الستارَ، ينكشفُ المشهدُ الأخيرُ بهدوءٍ مهيبٍ، حيث يسكنُ كلُّ صوتٍ مكانَهُ، وتستعدُّ السيمفونيةُ لأن تُختتمَ بنبضةٍ من سلامٍ صافٍ.


المضيف لا السجين!

إذًا، دعونا نكفَّ عنْ مطاردةِ سرابِ إخمادِ الحواراتِ الداخليةِ إلى الأبد. إنها ليست نيرانًا تُطفأ، بل نغماتٌ في سيمفونيةِ الوجودِ الإنسانيِّ المعقَّد. المفتاحُ ليس في إسكاتِها، بل في تحويلِ علاقتِنا معها. من أن نكون أسرى خائفينَ في زنزانةِ أفكارِنا، ننتظرُ إعدامَ صوتٍ أو إطلاقَ سراحِ آخر، إلى أن نكون مضيفينَ واعينَ، نُصغي بفضولٍ ولطفٍ لكلِّ زائرٍ، نعرفُ أن حضورَهُ مؤقتٌ، وسلطانَهُ مشروطٌ بانتباهنا. نتعلمُ فنَّ قيادة السيمفونيةِ بدلَ أن نكون آلاتٍ تعزفُ بلا وعي.

عندما نُصغي، لا لنخضعَ بل لنفهمَ.. عندما نلاحظُ دون أن نحكمَ.. عندما نمنحُ الصمتَ مساحةً ليكشفَ عنْ كنوزِه... نكتشفُ أن الحربَ على الذاتِ كانت أكبرَ وهمٍ، وأن رحلةَ الاستكشافِ الهادئِ، بكلِّ ما تحويهِ من أصواتٍ متنافرةٍ أحيانًا، هي طريقُنا إلى السلامِ الأصيلِ، وإلى ذواتِنا التي تنتظرُ في عمقِ الصمتِ أن نعثرَ عليها، أخيرًا، لنُصغي إليها.. فقط. ولتستمرَّ السيمفونية، بألحانِها الشجيةِ وصخبِها المُربك، ونحن نرقصُ على إيقاعِ وعيٍ جديدٍ، مضيفونَ في دارِ أنفسنا، لا سجناءٌ في دهاليزِ أفكارِنا.


جهاد غريب 
أغسطس 2025
 

القلبُ رسّامُ الخرائط الخفي!

 
القلبُ رسّامُ الخرائط الخفي! 

في أعماقِ كلٍّ منّا، يعملُ قلبُه كرسّامٍ لا يُرى، يخطُّ بتؤدةٍ حدودَ العلاقاتِ بخيطانٍ من نورٍ وظلام. لا يستخدمُ قلَمَ رصاصٍ أو فرشاةً، بل يغمسُ أنامله في مدادٍ من دمٍ وذكريات، فيرسمُ تضاريسَ العاطفةِ بلا مسطرةٍ أو مقياس. 

هنا جبالُ الوصالِ الشاهقة، وهناك وديانُ الفراقِ السحيقة، ووسطَ ذلك كلِّه، تنتشرُ طرقٌ متشعبةٌ من الحنين، تُضاءُ بمصابيحَ من ألمٍ خافتٍ، كأنّها نجومٌ سقطتْ من سماءِ الذاكرةِ فعلقَتْ بين الضلوع. ومع ذلك، هناك بقعٌ مضيئة، كواحاتٍ صغيرة، حيثُ ما زالت ضحكةٌ قديمةٌ تتردّد كنسيمٍ يهبُّ من ماضٍ لم يخنه الوقت بعد.

القلبُ ليسَ مجرّدَ مضخةٍ للدم، بل هو ناسخُ الخرائطِ الأعظم. ينسخُ تفاصيلَ الوجوهِ التي أحببناها، والأصواتِ التي ارتسمتْ في أعماقنا، ثمّ يطويها كخريطةٍ قديمةٍ في جيبِ الزمن. لكنّ هذه الخرائطَ لا تُقرأُ بالعيون، بل بالجروحِ والأحلام. 

المسافةُ بين قلبين لا تُقاسُ بالأميال، بل بثقلِ الغيابِ وطولِ الانتظار. وكلّ نبضةٍ هي بوصلةٌ تشيرُ إلى اتجاهٍ مفقود، وكلّ ذكرى هي علامةٌ على طريقٍ لم نعدْ نستطيعُ سلوكَه، إلا في الحلم حين يهبّ نسيمٌ خفيف، فنجد أنفسنا فجأة على عتبة اللقاء كما كان أول مرة.

في مختبرِ القلبِ الدائمِ، يعملُ المنقّبُ عن الذكرياتِ دون كلل. يحفرُ في طبقاتِ الماضي بحثًا عن لحظةِ اكتمالٍ ضائعة، أو نظرةٍ لم تُفهمْ حينها. لكنّ أدواتِه ليستْ معاولَ، بل شظايا من أسئلةٍ بلا إجابات: لماذا يبقى الحبُّ على قيدِ الذكرى بينما نموتُ نحنُ من الغياب؟ ولماذا نستطيعُ أن نرسمَ كلَّ شيءٍ إلا حدودَ اللقاءِ الأخير؟ 

ومع ذلك، لا يخلو المختبر من لحظات اكتشاف نادرة، كأن يجد القلبُ فجأة ملامحَ ابتسامةٍ نسيها، أو نغمةَ صوتٍ كانت مغمورةً في الركام، فينبض لحظةً كما لو عاد الزمن إلى الوراء.

هذا المهندسُ المختبئ في الضلوع لا يبني بالحجارةِ أو الخرسانة، بل بخيوطٍ نابضةٍ من الشوقِ والوجع. أحيانًا، يخطئُ في تقديرِ متانةِ الجسورِ التي يشيدها بين القلوب، فتتهاوى تحت وطأةِ ريحٍ عابرة، أو تنهارُ تحت ثقلِ صمتٍ طويل. 

وأحيانًا أخرى، يُضفي على خرائطِه ألوانًا وهميةً من الأمل، فيخيّلُ لنا أنّ الوصولَ ممكن، حتى إذا اقتربنا، اكتشفنا أنّ كلَّ الطرقِ تؤدي إلى فراغ. ومع ذلك، يبقى هناك ممرّ ضيق، لا يظهر على الخريطة إلا في لحظات الصدق، يقودنا فجأة إلى دفءٍ غير متوقّع، ككوخٍ صغير على حافة البرد.

في النهاية، لا تُختزلُ خرائطُ القلبِ بخطوطٍ أو ألوان. إنّها وثائقُ حربٍ خاضتها الأرواحُ قبلَ الأجساد. كلّ ندبةٍ فيها هي قصيدةٌ عن غزْلٍ لم يكتمل، وكلّ طريقٍ مسدودٍ هو حكايةُ لقاءٍ تأخّرَ كثيرًا. 

لكنها أيضًا تحتفظُ بمخطوطات سلامٍ قصيرة، اتفاقاتٍ صامتة بين قلبين، حتى لو لم تدُم. وعندما يتوقّفُ النبضُ، تتحوّلُ تلك الخرائطُ إلى أسطورةٍ يحملها العشّاقُ كدليلٍ في رحلتهم نحوَ المجهول:

هنا، تحتَ هذه البقعةِ الصغيرةِ من الجسد، وُلدتْ قارّةٌ كاملةٌ من الحب. هنا، في هذا المكانِ الذي لم يرهُ أحد، رسمَ القلبُ عالمًا بكاملِه، لم يكن كلّه حزنًا، بل كان فيه ضوء يكفي لأن نتذكّره، ثمّ حملهُ معه إلى التراب.


جهاد غريب 
أغسطس 2025
 

الجمعة، 8 أغسطس 2025

الظل الذي لا ينحني!

 
الظل الذي لا ينحني!   

في اللحظة التي تتحول فيها الريح إلى عاصفة، ويصبح السير كالعبور في حقل من الشظايا، تبرز القوة الحقيقية كشجرة عتيقة تعانق السماء بصبر الأزل، لا تنحني، ولا تنكسر. 

إنها ليست القوة التي تعلن عن نفسها بصخب، بل تلك التي تظل واقفةً، هو ظلٍّ وفِي، حتى عندما يغفل الجميع عن مصدر النور الذي يمنحها وجودها.  

ليست العظمة في أن تمد يدك حين يُطلب منك العطاء، بل في أن تبقى يدك ممدودةً حتى عندما يُغلَق الباب في وجهك. فالدعم الحقيق لا يشبه المطر الذي يهطل ثم ينقطع، بل يشبه النهر الجوفي الذي يسري في أعماق الأرض، صامتًا، لا يعلن عن نفسه إلا حين تنحني الجذور عطشًا فتجدّه هناك، حاضرًا بلا ضجيج. إنه ذلك التواجد الذي لا يحتفي بذاته، يُشبه الفجر الذي لا ينتظر دعوة.  

وما أكثر الذين يظنون أن الابتعاد كفيلٌ بمسح الذكريات، كأنما القلوب صحائفُ تُقلبُ فتُنسى. لكن الحقيقة هي أن بعض الأرواح لا تغادر، حتى عندما تختفي عن العين. إنها تظل كرائحة الياسمين في الليل: لا تُرى، لكنها تُلمسُ بالروح. وهنا تكمن المفارقة: أن تُحب دون أن تمتلك، وأن تدعم دون أن تنتظر مقابلًا، كالنسيم الذي يمرّ فيغيّر ولا يطلب من الزهرة أن تشهد له بالعطر، أو مثل منازل النجوم في اللجج التي تُضيء دون أن يعرف أن أحدًا رفع رأسه إليها.  

ثمّة لحظاتٌ نحسبُ فيها أن الصمت خيانة، أو أن البعد نسيان، لكنّ الحياة تُعلّمنا أن بعض الأشياء جبلية الثبات، تبدو من بعيدٍ صامتةً جامدة، لكنّ في أعماقها نبضٌ لا يفتر. فهل يُلام النهر لأنه لا يجري إلا في مجراه؟ أو يُلام الظل لأنه لا يظهر إلا حيث يوجد الضوء؟ إنها حكمة الوجود التي تعلّمنا أن الثبات ليس دائمًا في الظهور، بل أحيانًا في الاختفاء الذي يحمل في طياته حضورًا لا يتبدّد.  

في النهاية، ليست المسألة مسألة ثباتٍ في العلن فحسب، بل صمود في الخفاء أيضًا. أن تظل كما أنت، حتى عندما لا يراك أحد، كتاب مغلق يحتفظ بحروفه داخله، بانتظار من يفتحه ذات يوم فيجدها كما هي، لم تتغير، لم تتبدل، وصية قديمة كتبتها الأقدار بحبرٍ من ذهب. إنه ذلك الإصرار الهادئ على البقاء، مثل بذرةٍ تُزرع في الظلام، لا تعرف متى ستنبت، لكنها تعرف أن مصيرها النمو.  

فإن كان لنا أن نستخلص حكمةً، فلتكن أن الحب الأصيل لا يبحث عن شاهدٍ، وأن العطاء الحقّ لا ينشد برهانًا. هو كينونةٌ بلا قيود... كالماء يرتوِي به العطشانُ قبل أن يسأل عن اسم النبع. ويُشبه الضوء الذي يسبق العينَ المُبصرة فينساب نوره في عروق الوجود، ويُذكّر بحنين الرياح الذي لا ينتظرُ إذناً ليعانق الأغصان.

إنّه ذلك الصمتُ الذي يختزلُ في أعماقه قصائدَ لم تُنطق، وذلك البُعدُ الذي يتحولُ في الحنينِ إلى وطن، كالوردة التي تمنح عطرها حتى لمن لا يرى جمالها.

ليست العبرة في عدد مرّات سقوط الشجرة، بل في إصرار جذورها على التشبث بالأرض. وليس المهم في غياب القمر، بل في عودته كل ليلة، ليُذكّرنا أن بعض الأشياء تظلّ حيّةً حتى في غيابها.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

الرفيق.. مرآة الروح وبوصلة المصير!

 
الرفيق.. مرآة الروح وبوصلة المصير! 

الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، بل نهرٌ يتلوّى بين الجبال، يهدأ حينًا ويعصف حينًا آخر. وفي هذا المسير الطويل، لا يقطع الإنسان الدرب وحيدًا؛ بل يختار رفقاء يتركون على روحه بصماتٍ كالنقوش في جدران الكهوف، لا يمحوها الزمن. 

إننا نشبه الورقة البيضاء، تخطّ عليها الصحبة سطورًا من نور أو ظلام، وكما يعلق العطر بالثوب، كذلك تلتقط النفس من أنفاس الجليس عبقًا أو غبارًا، فإما أن تزهر كحديقة في الربيع، أو تذبل كزهرة في قبضة الشتاء.

بين الغيث والعاصف، يظهر الاختيار الفارق. فالصديق الصالح كالمطر الهامس، ينزل على أرض القلب فيوقظ بذور الخير، ويجعل الروح حديقةً مزهرة باليقين. هو النجم الهادئ في ليلٍ حالك، يضيء الطريق دون أن يطلب شكرًا، والسنديانة الوارفة التي تمنح ظلّها في حرّ الصيف، وتثبتك بجذورها حين تهزّك رياح الضعف. 

أما رفيق السوء، فهو كالريح العاتية التي لا تترك وراءها إلا الخراب، يوشوش لك كالسراب، يزيّن لك الانحراف حتى تراه خلاصًا، ويجرّك إلى متاهات بلا نهاية، حتى يغدو ظلّه حاجزًا بينك وبين نور الفطرة، فتستيقظ لتجد نفسك في قفص من وهم، وقد أُغلقت أبوابه.

وحين يجيء منعطف العمر، وتتجلّى الحقائق كما يتكشف الصبح، ترى خريطة رحلتك مكتملة أمامك. تدرك حينها أن الرفيق كان خيطًا في نسيج مصيرك، إما أنسج بخيوط من ذهب، أو التفّ حولك بأشواك قاسية. الندم هنا ليس دمعةً تسقط، بل حرقةً تشبه تساقط أوراق الخريف، كل ورقة تحمل ذكرى ضائعة وفرصةً ضاعت مع الريح. 

عندها فقط تعرف أن الصداقة ليست لقاءً عابرًا، بل عهدًا مع الروح، وأن الأصدقاء الحقيقيين كالنجوم، قد تغيب عن عينك، لكنهم لا يخذلونك إذا أظلمت الطرق، ويذكّرونك أنك أكبر من خطاياك، وأقوى من شكوكك، وأن في قلبك بئرًا من الخير لا ينضب، إذا وجدت من يعينك على استخراج مائه.

وهكذا، لا تكون الصحبة مجرّد مرافقة، بل اختيارًا وجوديًّا، كما يختار الطائر غصنه، والبحّار مرساه. فليكن رفيقك شراعًا يدفع سفينتك إلى شاطئ الأمان، لا صخرةً تثقلها حتى تغرق. 

ففي نهاية المطاف، ليست الحياة إلا قصةً نكتبها بأنفاس من اخترناهم للسير معنا. فاختر من يكون حبرك نورًا لا دخانًا، وحضورًا لا ظلًّا، ومرآةً لا قناعًا… لأن الرفيق هو صدى قلبك، وصوت خطواتك، وما تختاره اليوم قد يصبح غدك بأكمله.

جهاد غريب 
أغسطس 2025 

الإيمان: النور الذي يرفض الأفول… والبوصلة التي لا تضلّ!

 
الإيمان: النور الذي يرفض الأفول… والبوصلة التي لا تضلّ! 

في زمنٍ تتكسَّر فيه القيم على صخور السخرية، وتتحوَّل المبادئ إلى كلماتٍ جوفاء تتقاذفها ألسنة المتندّرين، يبقى الإيمان حاضرًا كشجرة عملاقة تمتد جذورها في أعماق الروح، لا كزينة لفظية أو عاطفة عابرة. إنه ذلك الجذر الخفي الذي يمدُّ الروح بالعصارة حين تجفُّ ينابيع الأمل، وذلك الحبل السري الذي يربط القلب بمصدر قوته، فلا يتركه يضيع في متاهات اليأس. 

اليوم، يبدو المؤمن بقيمة أو فكرة أو حتى بنفسه كبحَّارٍ وحيدٍ يقف على سطح سفينته، يرفع مصباحه في عين التيار الجارف، فيما الأمواج المتلاطمة من الشكوك تحاول إغراقه. النظرات من حوله ترمقه بدهشةٍ واستهجان، وكأن تمسُّكه بما يراه حقًّا ضربٌ من الجنون. لكن التاريخ لا يذكر الذين سخروا، بل يذكر أولئك الذين آمنوا بما لم يره غيرهم، فصار حلمهم البعيد واقعًا نعيشه. الأنبياء والمصلحون والعلماء العظام… جميعهم نظروا بعين القلب فرأوا ما عجزت عنه عيون الجسد، وصمدوا حتى انكسرت أمامهم جدران المستحيل. 

الإيمان هو تلك اللغة السرية التي لا تحتاج إلى ترجمة، يتحدث بها القلب، وتتواصل بها الروح مع الكون في لحظات الصفاء والضيق. هو ذلك الخيط النوراني الممتد بينك وبين حكمةٍ إلهيةٍ لا تتخلى عنك، حتى عندما تظن أنك وحيدٌ في المعركة. إنه الإحساس الذي يخبرك بأن وراء كل غيمةٍ شمسًا، ووراء كل جرحٍ حكمة، ووراء كل ليلٍ فجرًا. 

هو ذلك الصوت الذي يهمس في أذنك عند منتصف الليل: اصبر، فما زال الخيرُ قادمًا، ثم يتحول إلى هديرٍ حين تقف في وجه التيار وتقول: لن أتنازل عن قيمي، لأنها ليست مجرد شعارات، بل هي جوهر وجودي. 

ولكن الإيمان الحقيقي ليس مجرد حصنٍ منيعٍ ضد الشكوك، بل هو أيضًا ورشة عمل دائمة. فهو الذي يجعل العالم يصرُّ على اكتشاف دواء جديد بعد مئة تجربة فاشلة، والمصلح الاجتماعي يواصل دعوته رغم بطء التغيير، والفنان يرسم على لوحته ما يراه في روحه قبل أن تراه عيون الناس. إنه رؤيةٌ تمتد إلى ما وراء الحاضر، وإصرارٌ على أن الغد يمكن أن يكون أفضل، حتى عندما لا يوجد دليلٌ ملموس على ذلك. 

لكنَّ الإيمان – كأي قوة عظيمة – يحتاج إلى ضابطٍ من العقل والنقد الذاتي. فالنار التي تدفئك قد تحرقك إن أسيء استخدامها، والقوة التي تمنحك الصمود قد تتحول إلى عنادٍ أعمى إذا رفضت المراجعة. لذلك، فإن المؤمن الواعي ليس من يهرب من الأسئلة الصعبة، بل من يواجهها بشجاعة، مستعدًّا لأن يغيّر مساره إذا اقتضت الحكمة ذلك، دون أن يخسر جوهر إيمانه. 

على مستوى الأمم، يكون الإيمان المشترك هو المادة الخام التي تُبنى بها الحضارات. فهو الذي وحَّد الشعوب تحت راية العدل، وأشعل ثورات التحرير، وحوَّل الهزائم إلى انتصارات. لكنه قد يصبح أداة دمار إذا تحوَّل إلى تعصُّبٍ يرفض الآخر، أو جمودٍ يرفض التطور. 

الفرق بين الإيمان الحي والإيمان الميت هو أن الأول ينمو كالشجرة، بأساسٍ راسخٍ وفروع متجددة، بينما الثاني يشبه الحجر، صلبًا لكنه غير قادر على الحياة. 

وإذا سألك أحدهم: كيف تستمر في الإيمان وسط هذا الخراب؟، فاجبه بأن الإيمان ليس مجرد مظلة تحتمي تحتها حين تمطر، بل هو الجذع الذي تتشبث به حين تهزك الرياح العاتية. هو أن تزرع بذرةً وتظل تسقيها كل يوم، حتى لو لم ترَ لها أثرًا، لأنك تعلم أن تحت التراب هناك معجزةٌ تنمو. هو أن تبني سفينةً في صحراء، لأن صوتًا داخليًّا يخبرك أن الطوفان قادم. 

في النهاية، الإيمان ليس مجرد فكرة نخزنها في عقولنا، بل هو فعلٌ مستمر، وخيار نؤكده كل صباح. هو نقطة البداية لكل تغيير، والخيط الأخير الذي نتشبث به عندما تتساقط كل الخيوط. وما بين أصله الراسخ في الروح، وجسارته التي تدفعنا لبناء المستحيل، يظل الإيمان أعظم ما يحمله الإنسان، لأنه الجسر الوحيد بين الحلم والواقع. 

فليضحك من يشاء، وليشكك من يريد. فالشمس لا تحتاج إلى شهادة أحدٍ كي تشرق، والنور لا يستأذن أحدًا كي يضيء. وكذلك الإيمان… هو النور الذي يرفض الانطفاء، والبوصلة التي لا تخون، مهما اشتد هيجان الأمواج. 

"فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ" — سورة المعارج: الآية 5


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

الخميس، 7 أغسطس 2025

الكتابة: كائنُ الحبرِ والروح!

 
الكتابة: كائنُ الحبرِ والروح!  

ليستِ الكتابةُ حروفًا تُنسجُ في الفراغ، ولا جُملًا تتراصُّ كالحجارةِ على قبرِ المعنى. إنها كائنٌ حيٌّ ينبضُ بالحبرِ والروح، يولدُ من رحمِ الصمتِ، ويمشي على قدميِ الفكرةِ، ويتنفّسُ بأنفاسِ القارئ. كلُّ فاصلةٍ فيه نبضةٌ، وكلُّ نقطةٍ فيه نهايةُ عالمٍ أو بدايتُه.

كيفَ لنا أن نُمسكُ بيدِ اللغةِ دونَ أن نُلامسَ أعماقَها؟ كيفَ نكتبُ بالكلماتِ وننسى أن لكلِّ كلمةٍ ظلًّا، ولهجةً، وذاكرةً؟ الكتابةُ ليستْ خطًّا أسودَ على بياضٍ، بل هي رقصةُ الضوءِ والظلِّ بينَ الفكرةِ والقلبِ. لهذا، لا يكفي أن تكونَ الكلماتُ صحيحةً، بل يجبُ أن تكونَ صادقة، نابضة، تنتمي لمن يكتبها وتعني شيئًا لمن يقرؤها.


الفاصلةُ.. العالمُ الصغيرُ الذي يُغيّرُ الكونَ:
في أحدِ الأيامِ، سقطتْ فاصلةٌ من جملةٍ فتحوّلتْ جريمةٌ إلى اعترافٍ، أو لعبةٌ إلى حربٍ. الفاصلةُ ليستْ شكلًا عابرًا، بل هي قبضةُ الهواءِ بينَ أنفاسِ الكلامِ. هي الوقفةُ التي تُعيدُ للعبارةِ أنفاسَها، أو تختنقُ بها. 

ولذلك، على الكاتب أن يتأمل علامات الترقيم لا كزينة لغوية، بل كأدواتٍ تضبط الإيقاع والمعنى. كم من معنىً دُفنَ تحتَ فاصلةٍ زائدةٍ، وكم من حقيقةٍ وُلدتْ لأنّ كاتبًا أراحَ كلماتهِ عندَ النقطةِ المناسبةِ.


الكتابةُ تهذيبٌ للّفظِ والوجدانِ: 
لا ينهضُ النصُّ إلا إذا انتهضَ ضميرُ كاتبِه. فاللغةُ مرآةُ الروحِ، وأيُّ خدشٍ فيها يُظهرُ تصدّعًا في الفكرةِ قبلَ الورقةِ. 

التهذيبُ ليسَ ترفًا، بل هو احترامٌ للقارئِ الذي يمنحُك عينيهِ ووقتَه. وهو يظهر في اختيار المفردات بعناية، وفي توخي الصدق، وفي مراعاة أثر كل جملة. 

إنّه الهمسُ الذي يقولُ: هذهِ الكلماتُ وُلدتْ من أجلكَ، فلا أستحقُّ أن أُقدّمَها إليكَ إلا بأحسنِ حُلّتِها.


اللغةُ.. ذلكَ البحرُ الذي لا ساحلَ له: 
في كلِّ مرةٍ أمسكُ فيها القلمَ، أتذكّرُ أنني أنزلقُ في متاهةٍ من المعاني التي لا تُمسَكُ باليد. الكلماتُ أمواجٌ، بعضُها يَحملُني إلى الشاطئِ، وبعضُها يجرّني إلى الأعماقِ. 

وهناك، في العتمةِ التامّة، حيث لا صوتَ إلا الحروف تتنادى، أسمعها تقول: كُنْ كما كتَبناك.. فلا تخذلْ نَصَّكَ فيك. 

في ذلك العمق، يتلاشى التظاهر، ويُختبر صدق الكتابة، وتنكشف نوايا الكاتب بين سطرٍ وسطر.


الكاتبُ.. ذلكَ الخياطُ الذي يحيكُ الزمنَ: 
الكاتبُ الحقيقيُّ ليسَ من يملأ الصفحاتِ، بل من يملأ الفراغاتِ بينَ السطورِ. هو الذي يخيطُ الزمنَ بخيطٍ من نورٍ، ويجعلُ من الفاصلةِ جسرًا، ومن النقطةِ نافذةً. 

هو من يعرف أن مسؤولية الكلمة لا تقلّ عن مسؤولية الفعل، وأنّ كل نصّ يخرجُ إلى العلن، إما أن يضيء طريقًا أو يترك عتمةً إضافية في القلب.
فإذا لم تكنْ كتابتُكَ جديرةً بأن تُزرعَ في عقولِ الناس كشجرةٍ ظليلةٍ، تمنحهم المعنى والمأوى، فربما كان الصمتُ أجملَ.

لا تكتبْ إلا إذا كانَ قلبُكَ يصرخُ بما لا يستطيعُ لسانُكَ نطقَهُ.. وإلا فما الفرقُ بين حبرِ الكلماتِ وخواءٍ لا يتذكّره أحد؟


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

التغيير والتكيف: رقصة الوجود التي لا تنتهي!

 
التغيير والتكيف: رقصة الوجود التي لا تنتهي!

في قلبِ العاصفةِ... حينَ تتطايرُ اليقيناتُ كأوراقِ خريفٍ مرتجف... نتعلّمُ سرّ البقاء: أن نكونَ قابلينَ للتحوّل، دونَ أن نفقدَ ملامحنا.

لا أحدَ يخرجُ من العاصفةِ كما دخلها، لكنّ القليلَ فقط… هم من يعرفونَ كيف يخرجونَ منها، وفي أعينهم ضوءٌ جديد. التغييرُ… ليس خيانةً لما كنّا عليه، بل امتدادٌ له. هو الحكايةُ… حينَ تستيقظُ في فصلٍ مختلف.

تأمّلْ... كيفَ تُعيدُ الطبيعةُ ترتيبَ معانيها كلَّ صباح: الغُصنُ اليابسُ… يصبحُ ظلًا في حكايةِ شجرةٍ أخرى، والمطرُ الذي هدَمَ العُشَّ… حملَ الطيرَ إلى غصنٍ أعلى.

ليست كلُّ التحوّلاتِ رحيمة، لكنها ضرورية… فالأفعى لا تُولد من جديد، إلا حين تترك جلدها وراءها، والبحر لا يهدأ… إلا إذا غيّر حدودَه بنفسه.

لا بأس… إن تعثّرتَ في الخطوةِ الأولى. الفشلُ؟ ليس مقبرةً، بل محاولةُ الحياةِ أن تُعلّمك لغتَها الأصعب. الشمسُ لا تشرقُ لأنَّ الليلَ اختفى، بل لأنها قرّرتْ… أن تُضيءَ رغمًا عنه.

التكيّف؟ ذكاءٌ صامت، وفنٌّ خفي… يعزفُ من انكسارك لحنًا لا يُشبه سواك، ولا يحملُ ندمًا، بل ذاكرةَ نهوض. المرونةُ… ليست في الانحناءِ فقط، بل في أنْ تعرفَ: متى تصمد… ومتى ترحل.

الحكمةُ؟ ليست في الصخرةِ التي تُجابهُ الموج، بل في السفينةِ… التي تعرفُ متى تبحر، ومتى تلقي المرساة. التغييرُ لا يبدأ حينَ تسقطُ أدواتُك، بل حين تتوقّف عن تصديقِ أن ما تعرفه… هو كلُّ شيء.

بعضُ الرحلاتِ لا تحتاجُ أمتعة، بل تحتاجُ خفّةَ القلب… واستعدادًا لأن تُصغي، لما لم تقله لكَ الطرقُ من قبل.

وإذا تعذّر الطريقُ… لا تسألْ: كم تبقّى؟ بل اسألْ: كيف سأواصل؟ الجبالُ… لا تُقاسُ بقممها، بل بالذينَ لم يستسلموا لصمتِها الطويل.

في النهاية… وحدهم الذين تجرّؤوا على خسارةِ ما ظنّوا أنه "كلُّ ما لديهم"، اكتشفوا أنهم… كانوا يملكون أنفسهم طوال الوقت، ولم يكونوا بحاجةٍ إلى أكثر.

وحينَ تقفُ على حافةِ التغيير، وتأتيكَ الريحُ من كلِّ الجهات، قلْ لها: خذي ما شئتِ… لكن اتركي لي قلبي كما هو، يعرفُ كيف يبدأُ من جديد، حتى لو لم يبقَ منهُ سوى… نبضٍ واحد.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


الأربعاء، 6 أغسطس 2025

مراسي الذكرى: لماذا لا ترحل بعض القصص أبدًا؟

 
مراسي الذكرى: لماذا لا ترحل بعض القصص أبدًا؟

"دعوة للتأمل في دهاليز الذاكرة وأسرار وجودنا الخفية؛ لالتقاط وهج تلك اللحظات العالقة التي تشكلنا" 


الصحوة الحسيّة: 
في غفلة من الحواس، تسلّلَ الماضي... لا شيء ملموس، سوى هذا الفنجان. نحنُ، في هذا الصباح الباكر، نرفعُ الفنجان إلى شفاهنا. رائحةُ القهوةِ تفوحُ كخيطٍ خفيٍّ يربطُ الحاضرَ بغيمةٍ من الماضي. دفعةٌ واحدةٌ... وها هي ذكرياتٌ تطفو على سطح الوعي، كأوراقِ شجرٍ جافّةٍ حملها نهرٌ خفيّ.

لماذا تعلقُ بعض القصص التافهة - ظاهريًا - في أذهاننا، كالوشمِ على الجلد، بينما تتبخرُ أحداثٌ جلّى، كأنها بخارٌ على زجاج؟ أليست الذاكرةُ بحرًا هائلاً، لا نعرفُ أعماقه، يرمي إلينا أحيانًا بقناديلَ مضيئةٍ من الماضي دون أن ندري لماذا؟


مراسي الحواس - حين تصبح الرائحة بوّابةً: 
نحنُ لم ننسَ. نحنُ فقط انتظرنا المفتاحَ المناسب.  
ذلك المفتاحُ قد يكونُ رائحةً عابرةً: عطرُ ياسمينٍ في شارعٍ مزدحمٍ يعيدنا فجأةً إلى حديقةِ جدّتنا المنسيّة. أو نغمةٌ موسيقيّةٌ قديمةٌ توقظُ فينا حرارةَ أولِ لقاء. أو ملمسُ قماشٍ خشنٍ يلامسُ جلدَ أيدينا فيذكرنا بمعطفِ الشتاءِ الذي ارتديناهُ ونحنُ صغار. هذه هي "المراسي" الحسيّة. 

مراسي، كلمةٌ بسيطةٌ تحملُ قوّةً سحريّةً. إنها روابطُ عصبيّةٌ متشابكةٌ، نُحكمُ نسجَها دون وعيٍ منّا. كلُّ تجربةٍ حسيّةٍ ترتبطُ بلحظةٍ عاطفيّة، كالبرقِ بالرعد، أو كعطرٍ قديمٍ علق بثوبٍ لم نعد نرتديه. فيصبحُ الصوتُ، أو الرائحة، أو الطعمُ، ممرًّا سريًّا إلى زمنٍ مضى.

نرتشفُ القهوةَ اليوم، ونذوقُ مرارتَها، فتنفتحُ فجأةً ذاكرةٌ عن صديقٍ قديمٍ كنّا نتشاركُ ذاتَ الفنجان في مقهى شعبيٍّ تحت المطر. الرائحةُ هي الجسرُ الخشبيّ المهتزّ الذي نعبرُ عليهِ نحوَ جزيرةِ الماضي. الطعمُ هو القاربُ الذي يُبحِرُ بنا عكسَ تيّارِ الزمن. لماذا هذا بالذات؟ لأنّ العاطفةَ هي النارُ التي تحرقُ التفاصيلَ في صخرِ الذاكرة، فتتحولُ إلى أحفورةٍ لا تُنسى. 

ثمَّ يأتي الغيابُ ليكملَ العمليةَ. استمراريّةُ العلاقاتِ قد تُبهِتُ ألوانَ التفاصيلِ الصغيرة. بينما الغيابُ المفاجئ، أو البُعدُ الطويل، يمنحُ الذاكرةَ هالةً من القداسةِ والندرة. يصبحُ الصديقُ المفقودُ، أو الحبيبُ البعيد، حاضرًا في كلِّ شاردةٍ وواردةٍ مرتبطةٍ به. غيابُ الجسدِ يعزّزُ حضورَ الصورةِ في متاهاتِ العقلِ الباطن. كأنّ الفراغَ الذي تركه يتحوّلُ إلى قالبٍ صبّت فيهِ الذاكرةُ كلَّ ما لديها من حنينٍ مُركّز.


البحّار الخفي - رقصة العقل الباطن: 
حين يشتدُّ صمت الغياب، يظهرُ العقلُ الباطنُ كملاحٍ يوجه السفينة بلا بوصلة، نحنُ لم نستدعِ تلك الذاكرةَ عن عمد. لقد ظهرتْ فجأةً، كشخصٍ يطلُّ من نافذةٍ مظلمةٍ في منتصفِ الليل. من أرسلها؟ إنه البحّارُ الخفيُّ: العقلُ الباطن.  

هذا الكيانُ الغامضُ يعملُ في صمتٍ، تحتَ سطحِ تفكيرِنا الواعي. إنه يخزّنُ كلَّ شيءٍ: نبراتِ الصوتِ التي سمعناها، ظلالَ الألوانِ التي رأيناها، وخزاتِ البردِ أو الدفءِ التي شعرنا بها. ثمَّ ينسجُ منها خريطةً هائلةً، معقّدةً، لا تخضعُ لمنطقِنا المألوف. 

الروابطُ العصبيّةُ - تلك الجسورُ الميكروسكوبيّةُ في دماغنا - تتشكلُ وتتقوّى مع كلِّ تجربةٍ. تصبحُ طرقًا سريعةً للذكرياتِ. بعضها يصيرُ طريقًا رئيسيًّا، تُضاءُ مصابيحُه تلقائيًّا كلّما مررتْ بهِ شاحنةُ الحواسِ. 

نحنُ لا نتحكمُ في هذا كله. نحنُ ننصتُ فقط للحوارِ الداخليّ الذي يثورُ عندَ ظهورِ الذاكرة: لماذا تذكرتُ هذا الآن؟. هذه اللحظةُ نفسها هي إشراقةٌ صغيرةٌ من الوعيِ على مسرحِ العقلِ الباطن. إنها اكتشافُنا لـ"الرابطِ السريّ" الذي ضغطَ عليهِ البحّارُ الخفيُّ دون أن نراه. الذاكرةُ ليستُ أرشيفًا جامدًا؛ إنها كائنٌ حيٌّ يسبحُ في بحرِ اللاوعي، يطفو على السطحِ عندما يجدُ ما يمسكُ بهِ من خطّافاتِ الحاضر.


المرآة المكسورة - لماذا نهتزّ لقصصٍ ليست لنا؟ 
نحنُ نقرأُ قصةً في كتاب، أو نسمعُ حكايةً من غريب، فتهتزّ أعماقنا كأنّها عنّا. لماذا؟ لأنّ القصصَ الإنسانيّةَ مرايا. حتى تلك التي لا تشبهنا.  

إنها تلمسُ "شيئًا" بداخلنا. ذلك "الشيء" هو الجوهرُ المشتركُ للتجربةِ الإنسانيّة: الخوف، الحب، الفقدان، الفرح، الحنين، القلق. القصةُ الغريبةُ تصبحُ مرآةً مكسورةً، كلُّ قطعةٍ منها تعكسُ جزءًا منّا، ومن مخاوفنا المدفونة، أو أمنياتنا المسكوتِ عنها. نحنُ لا نتأثرُ بالحكايةِ فقط؛ بل بما أثارته فينا من صدىً لأسئلتنا الوجوديّةِ الخاصّة.  

وهنا يطفو السؤالُ الأثقلُ: مَنْ نكونُ دون ذاكرتنا؟  
هل نحنُ إلا مجموعُ ما علقَ في شباكِ وعينا من لحظات؟ الذاكرةُ ليستُ تسجيلاً محايدًا. إنها انتقائيّةٌ غريبةٌ. قد ننسى يومَ تخرّجنا، لكنّنا نحتفظُ بتفاصيلَ دقيقةٍ عن رائحةِ خبزٍ كانَتْ أمُّنا تخبزُهُ في صباحٍ بعيد. لماذا هذه بالذات؟ لأنّها، ربما، لامستْ فينا سؤالَ الانتماءِ، الدفءِ، الأمان. 

الذكرياتُ الخالدةُ هي التي تصبحُ نقاطَ ارتكازٍ لهويتنا. إنها الأحجارُ الكريمةُ في تاجِ وجودِنا، التي تلمعُ في الظلامِ لتذكّرنا: كنتُ هنا. شعرتُ بهذا. عشتُ تلك اللحظةَ.  

الغيابُ - مرةً أخرى - يلعبُ دورَ النحاتِ. قد لا ندركُ قيمةَ لحظةٍ أو شخصٍ إلا عندما يصبحا جزءًا من الماضي. تحوّلُ المسافةُ الزمنيّةُ أو المكانيّةُ التفاصيلَ العاديّةَ إلى أيقوناتٍ مضيئةٍ في متحفِ الذاكرة. كأنّ الحاضرَ يبهتُ، والغيابَ يكشفُ.


حوار مع البحر: 
نحنُ الآن، عند حافةِ النافذة، ننظرُ إلى المدينةِ التي تضيءُ مصابيحها الواحدةَ تلو الأخرى. الفنجانُ الفارغُ على الطاولةِ لا يزالُ يحملُ شبحَ الرائحةِ والطعم. 

الذكرياتُ التي استيقظتْ مع القهوةِ تتراجعُ الآن، مثلَ أمواجٍ تنسحبُ بهدوءٍ عن الشاطئ، تاركةً وراءها رغوةَ الأسئلةِ اللامُتناهية.  

هل الذاكرةُ سجلٌّ أمينٌ أم أنها فنانٌ تشكيليٌّ يعيدُ تشكيلَ الماضي بألوانِ مشاعرنا الحاليّة؟ هل نحنُ أسيادُ ذاكرتنا، أم أننا بحّارةٌ ضائعون في محيطِ عقلنا الباطنِ الهائل، نركبُ أمواجًا من الروابطِ الحسيّةِ التي لا نُمسكُ بزمامها؟  

لماذا تبقى بعضُ اللحظاتِ الصغيرةِ حيّةً فينا كالنارِ تحت الرماد، بينما تتحولُ أحداثٌ كبرى إلى غبارٍ في مهبّ النسيان؟ ألعلَّها تلك التي تمسّ، ولو بخيطٍ رفيعٍ، سؤالَ معنى وجودِنا، أو جرحَ وحشتِنا، أو نورَ فرحِنا الأصيل؟ 

نحنُ لا نملكُ إجاباتٍ قاطعةً. فنجانُ القهوةِ هذا سيُغسَلُ غدًا. الرائحةُ ستتبدّد. لكنّ الذكرى التي أثارها... ستبقى. كخريطةٍ مجهولةٍ مرسومةٌ على جدرانِ عقلِنا الباطن. تنتظرُ رائحةً أخرى. صوتًا غريبًا. لمسةً غيرَ متوقعة. لتظهرَ من جديد. كقنديلٍ مضيءٍ في أعماقِ البحرِ المظلم. 

سؤالٌ يطفو ببطء على سطح المعنى: نسألُ البحرَ الذي ابتلعَ آلاف الذكريات: هل نعيشُ فعلاً في الحاضر؟ أم أن حاضرَنا ما هو إلا رحمُ ذاكرةٍ لا تكفُّ عن ولادةِ الماضي من جديد؟

نحنُ ننظرُ إلى السماءِ الأولى. نجومٌ قديمةٌ جدًّا... ضوؤُها هو ذاكرةُ الكونِ نفسه. ونحنُ، وإن غبنا، جزءٌ من هذا الضوء العتيق... نواصلُ التوهج. 


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


الثلاثاء، 5 أغسطس 2025

مسرَّاتٌ عابرة... وتحدٍّ خفيٌّ في كأسِ الزمن!

 
مسرَّاتٌ عابرة... وتحدٍّ خفيٌّ في كأسِ الزمن! 


حين يُعانقُ الضوءُ الباهتُ… غبارَ الذاكرةِ المعلّقةَ في فضاءِ ركنٍ قديم،
جلستُ كظلٍّ منسيٍّ في زاويتي...
كأنّي حرفٌ طائرٌ،
هبطَ من صفحةٍ مُصفَرَّة،
لا أُحدِثُ ضجيجًا…
ولا أُثيرُ انتباهًا…
بل أذوبُ في اللوحةِ، كجزءٍ من صمتِها.

ثمّ...
تناهى إلى مَسامِعي صوتٌ شجيّ،
يرقصُ بين ثنايا الهواءِ البارد،
ينسجُ لحنًا حزينًا...
لمدينةٍ نائمة،
أو ربما... لمدينةٍ لم تُولدْ بعد.

كانت رائحةُ البُنّ…
كثيفةٌ… عطرةٌ…
تُعانقُ نسماتِ الصباح،
كأنّها تفتحُ خزانةَ ملابسِ زمنٍ مضى...
وتُخرجُ منها حنينًا مدفونًا،
في تجاويفِ الروحِ المعتمة.

ذاك الحنين...
لأيامٍ كانت القصائدُ تُنقَشُ بأنفاسِ الروح،
على أوراقٍ بالية،
لا تُلمسُ بأطرافِ الأصابع…
على شاشاتٍ باردة.

سألتُ نفسي،
ما سرُّ قهوتِها المُرّة هذا الصباح؟
أهوَ سرُّ الزمنِ ذاتُه؟
أم سرُّ يدٍ خفيةٍ...
تعصرُ الحكاياتِ في الكوب؟

تنهّدتِ اللحظة،
كما لو أن عازفَ كمانٍ
مرَّ بأصابعِه الهاربةِ
على أوتارٍ متهالكة...
فاستيقظَ منها لحنٌ...
يأسرُ الأرواحَ المُتعبة،
في ظلالِ صالةٍ غافيةٍ،
مفتوحةٍ على الحنين.

دعوةٌ صامتة...
للتأملِ في كينونةِ الأشياء،
لا في قشورِها.

فكلُّ ما حولنا —
من حبّةِ قهوةٍ ضائعةٍ على الطاولة،
إلى ظلِّ غيمةٍ عابرةٍ على الجدار —
يحملُ قصةً مكتومة،
كمخطوطةٍ لم تُقرأْ بعد.

وفجأة...
تحوّل المكانُ إلى رصيفٍ دافئ.
وجوهٌ عابرة...
شابٌّ يحدّقُ في كتاب،
وكأنّهُ يبحثُ عن بابٍ خفيٍّ بين السطور.
وعجوزٌ...
في عينيها خرائطُ مدنٍ اندثرت،
كلُّ تجعيدةٍ فيها...
طريقٌ مهجورٌ يقودُ إلى حكاية.

حتى رنينُ الملعقةِ الخافت،
على حافةِ الفنجان،
كان كجرسٍ صغير،
يُنذرُ بأملٍ قادم،
في عتمةِ القلوب.

ثمّ… بدأ الهطول.
تساقط المطرُ على النافذةِ العتيقة…
كنزيفِ غيمٍ على أحلامٍ مجروحة.
لم يكن مجرّدَ قطرات…
بل قصائدُ مائيةٌ منسية،
تُهمسُ بأنّ الجمالَ… لا يموت،
حتى حين يذوبُ بصمت،
في زجاجِ الذكرى،
أو تحت وطأةِ الكآبة.

النوافذُ المبللةُ،
لم تكن زجاجًا فحسب،
بل بوّاباتٍ شفّافة.

ومن خلالِ ضبابِها…
رأيتُ عوالمَ موازيةً تتداخل…
خواطرٌ تتكاثفُ كسُحُبٍ داخليّة،
ثم تمطرُ أفكارًا…
تغسلُ غبارَ اليأس.

على حافةِ هذا الضباب،
تلاشتْ حواجزُ الزمن.
الماضي اختلطَ بالحاضر…
كألوانٍ في لوحةِ فنانٍ مجنون.

أليسَ كلُّ لحظةٍ مشبعةٍ بالحضور…
شمعةً تُضيءُ قصةً جديدة؟

الفنُّ الحقيقيّ…
لا يصرخُ بالعظمة،
بل يهمسُ بالجمال،
المختبئ في ثنايا التفاصيل.

تفاصيلٌ...
كفراشةٍ تحومُ حولَ مصباح،
أو همسِ الليلِ…
لورقةِ شجرٍ ساقطة.

هذه التفاصيلُ،
هي أناملُ النحاتِ الخفي،
الذي يُصقِلُ رُخامَ التجربةِ الإنسانيّة،
لتصيرَ منحوتةً لا تُكرّر.

تُراودني فكرةٌ تُلحّ:
الأدبُ… ليس تزيينًا للواقع،
بل غوصٌ فيه، حتى النُخاع.
والحروفُ… ليست حبرًا،
بل أنفاسٌ حيّة…
نكتبُ بها امتدادَ أرواحِنا.

الورقة... لا تنتظر التشابه،
بل الولادة.

الخيالُ هو الطين،
والحلمُ هو الماء،
ونحنُ…
نخبزُ من هذا الخليط،
أكوانًا لا يراها سوانا.

كلُّ كلمةٍ نُلقيها،
شرارةٌ تُضيءُ جانبًا…
من ظلامٍ خفي.

ما نكتبهُ،
ليس وصفًا لما نرى…
بل نحتٌ لما لا يُرى.

وفي النهاية…

ما الأدبُ...
إلا قطارٌ بلا محطّات،
أو ومضةُ فكرةٍ
تُولد وتنطفئ،
كيراعةٍ في عتمةِ الريح.

أهوَ أرضٌ صلبةٌ نمشي عليها؟
أم حلمٌ…
نُسجَ من غبارِ مجرّةٍ سحيقة؟

لعلّ الجواب…
حكايةٌ لم تُكتبْ فصولُها الأخيرةُ بعد،
أو ربما يُكتبُ الآن…
بينَ رشفةِ قهوةٍ مُرّة،
وقطرةِ مطرٍ…
على زجاجٍ بارد.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


ملامحُ الأَملِ وسَترُ الغَيب!

 
ملامحُ الأَملِ وسَترُ الغَيب! 

في عتمةِ المساءِ، حين يقرعُ المطرُ بقُبَلٍ خفيفةٍ على زجاجِ النوافذ، كأن الكون كله ينصتُ لدعاءٍ صاعدٍ من أعماقِ الصَّمت. هناك، في ذلك الحيزِ الضيقِ بين الضلوع، تُولَدُ الأمنياتُ كنجومٍ تائهةٍ، تُحلِّقُ في فضاءٍ لا يعرِفُ المُحال. 

وأنتَ، أيها الحالم، لا تُصغِ لصوتِ العقلِ الحَذِر، ذاك الذي يُشبهُ حارسًا يخشى الصقيعَ، يقطفُ الأزهارَ قبل أن تتفتّح. 

ارفعْ كفَّيكَ كشجرتينِ تتشوَّقانِ للسماء، فالذي خلق السماء، يَستحي أن ترجعَ يداكَ خاليتين. إنه يُحِبُّ أن يُدهشكَ، ويُحِبُّ أن يُعيدَ ترتيبَ نجومِ الفضاء، ويفتحَ أبوابًا لم تَرها عيناكَ، ليُدخلَ نورَ أُمنيتِكَ من شقوقِ المستحيل! 

تأمَّل:
الكونُ ليس سِجنًا من قوانينَ صارمة، بل هو نهرٌ مرنٌ، يتمايلُ تحت أصابعِ الخالقِ كحريرٍ في نَسيم.
هو يسمعُك. 
يسمعُ حفيفَ أوراقِ قلبِكَ حين تهتزُّ بالتَّمنِّي.
فلا تتردَّد! 
اِملأ كفَّيكَ بالحلمِ... حتى تفيضَ. وارمِه في بَحرِ الغيب، ستراهُ يعودُ إليكَ صَدفةً تَتلألأُ بلآلئٍ لم تخلقْها يدٌ بشريَّة. 

أتراهُ مستحيلًا؟
المستحيلُ وحدهُ لا يجرؤُ على موقفِ الصادقين.
الله لا يفكِّرُ بمحدودِيَّةِ الأسبابِ، بل يَرى في عُمقِ نيَّتِك، في صدقِ دموعِك، في شوقِكَ الذي يثقُبُ السماء. 

لذلك:
حَوقِل.
وقل كلازمةٍ تحميكَ:
حسبيَ اللهُ ونِعمَ الوَكِيل.
ستجدُها مفتاحًا يدخُلُ قُفْلِ اليأسِ، فيفتَحُ عالمًا تختفي فيه الجدران. كنزٌ من كنوزِ الجنَّةِ، ورافعةٌ ترفعُ الهموم، ودافعةٌ تدفعُ السوءَ، ونافعةٌ تصنعُ من رملِ اليأسِ قصورًا. 

والآن:
أَغمضْ عينَيك...
تخيَّلْ أُمنيتَكَ كطائِرٍ من نُور..
أَطلِقْهُ.
سيعبُرُ السحابَ، ويخترِقُ الحجابَ، ويرتَمِي بثقةٍ في رحابةِ الكرِيم. 

ثم انتظِر...
ستأتيكَ الإجابةُ كرائحةِ المَطرِ قبل سُقوطِه:
خَفِيَّةً، لطيفةً، تُحيطُ بكَ مِن حيث لا تدري.
ربما تجدُها في صبحٍ هادِئٍ، أو في ابتسامةِ طِفل، أو في كتابٍ يفتحُ نافذةً جديدةً...
الله يُنشِئُ المعجزةَ من أدقِّ التفاصيل. 

أتظنُّ أن السماءَ بعيدةٌ؟
كلا!
هي تقترب كلما ارتعشتْ شفتاكَ بالدُّعاء.
فلا تستصغرنَّ حاجةً، ولا تستعظمنَّ مُرادًا.
الكونُ كله ينحني لمن يرفعُ يديهِ إلى مولاهُ.
والأرضُ تُنبِتُ أُمنياتِ الصادقينَ كزهر اللَّوزِ في قسوةِ الشتاء.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

الأحد، 3 أغسطس 2025

مقهى الخريفات!

 
مقهى الخريفات! 

في الزاوية القصيّة من العالم، عند تخوم الوقت،
يوجد مقهى لا يظهر في خرائط المدينة، ولا تتعقبه إشعارات الهاتف…
اسمه لا يُنطق، إنما يُستشعر… كأنه ندى على جدار الزمن.

من اعتاد الحنين، يسميه "الخريفات"…
اسمٌ يشبه أوراق الخريف حين تتساقط دون أن تُحدث ضجيجًا.
ولأن كل شيء فيه يشبه الرحيل الجميل، لم يُعلَّق على بابه اسم،
لكنّه محفور في ذاكرة من جلسوا هناك،
كأن الهواء نفسه يهمس به…
اسمٌ لا تسمعه إلا مرةً واحدة في العمر، ثم لا يُنسى.

كأنّه وُلد من تنهيدة فنانٍ نسي كيف يُنهي مقطوعته،
أو من قصيدةٍ تاهت عن ديوانها،
فاستقرت على شكل بابٍ خشبيٍّ،
تتدلّى فوقه عنقودُ نبتةٍ خجولة،
لا تعرف متى تبدأ… ولا متى تنتهي فصولها.

في الداخل، 
الأرائك ليست مجرد مقاعد، هي أحضانٌ قديمة، تنكمش حين تجلس، وتُربّت على كتفك دون أن تراك. 
كل وسادة تحتفظ برائحة من بكى عليها، 
ومن كتب رسائل وداعٍ لم تُرسل، 
ومن استيقظ منتصف الليل يسأل عن جدوى الحبّ في زمنٍ يتآكل فيه الصدق.

القهوة هناك، 
تُسكب في أكوابٍ ليست مصنوعة من خزف، 
بل من كفوف أمهاتٍ انتظرن أبناءهنّ عند نوافذ لا تطلّ إلا على الغياب. 
حين ترفعها لتشرب، تشعر أنّك تجرّب طعم الحنين لا البن، 
وأن خيط البخار، وضباب الكأس، وأنفاس الدفء الصامتة هي رسائل خفية: 
ثمة من تذكّرك الآن دون أن تنطق باسمك.

وتحت شجرة زيتونٍ قديمة، 
شجرةٌ توقّفت عن الإزهار حين شعرت أن العالم لم يعد بحاجةٍ لثمارٍ جديدة، 
لكنها ما زالت تُنصت، وتفهم، وتحفظ الأسرار في أغصانها، 
كما يحفظ قلبٌ منسيّ نغمةَ اسمٍ لا ينطق به إلا في الحلم. 

بعض الأماكن لا نزورها… لكننا نعود إليها لنلتقي بأنفسنا من جديد. 

هناك، حيث تلتفّ الجذور حول الوقت كما يلتفُّ عاشقٌ حول عنق الذكرى، 
أضع كتابي مفتوحًا على صفحةٍ لم تُكتب بعد، أنتظرُكِ. 

لا لأنكِ ستأتين، 
بل لأنّ الانتظار في هذا المكان فعلُ حياة، 
وغيابكِ فيه ليس فراغًا، بل حضورٌ آخر، شفاف، يمرّ بي كما تمرّ أكمامُ فستانٍ معلّقٍ على بابِ ذاكرة منسيّة، 
تتمايل في ريح المساء دون أن تطرق، 
فتُعيد إليّ أغنيةً بعيدةً في حنجرة الوقت،
تتسلّل ولا تطلب إذنًا، 
وتنعشني بلمسةٍ ناعمة على صفحةِ كتابٍ تُرك مفتوحًا منذ آخر وداع، 
حتى تعود رائحة الخبز القديم من زقاق الطفولة…
لا أعرف إن كانت فرحًا أم وجعًا.

أكتب عنكِ، لا على الورق، 
على البخار المتصاعد من كوب الشاي الأخضر أمامي. 
ذلك الشاي الذي يُقال إنّه يعيدُ التوازن... لكنه هنا يربك كل شيء.
كل رشفة منه تُحرّك نغمة في قلبي كنت قد نسيت لحنها. 
أشرب، فأراكِ تجلسين قبالتي، بكامل صورتكِ، 
وبما تساقط من ملامحكِ في الذاكرة: 
ظلّكِ على سطح الطاولة، 
وخيطُ شعركِ على أزرار معطفي، 
وضحكتكِ في صَدفةٍ معلّقة على سلسلة النادل الذي نسيه الزمن.

ثمّة مقاهٍ لا تُنسى، 
لأنها تغيّرنا، وتهمس لنا بما كنّا عليه ذات حنين.
ربما نعود إليه لنلتقي بأحد ما، 
أو لنتأكد أن أثرنا ما زال دافئًا على الأرائك.

في مقهى "الخريفات"، لا يتحدث الناس كثيرًا.
اللغة هناك ليست وسيلة، 
بل وشاحٌ خفيف، يتدلّى من الكتفين دون حاجةٍ للتدفئة. 
أما الحديث الحقيقي فيدور بين النظرات، 
وبين الأصابع التي تلامس فنجانًا، 
أو ترسم على زجاج الضباب كلمةً لا تُقرأ. 
حتى الوقت نفسه، يتثاءب هناك، 
ويتحول من ساعاتٍ إلى شعورٍ مطاطٍ يمكن مده كما تمدّ لحظة العناق قبل الفُقدان.

في هذا المقهى، الأرواح لا تفنى. 
إنّها تنضج… 
تتحوّل إلى عطرٍ في الذاكرة، 
إلى نغمةٍ في الكرسيّ الخشبيّ حين يُسحب للخلف، 
إلى أثر شفتين على حافة فنجانٍ ظلّ يحملُ وعدًا لم يُفرَغ بعد. 

ربّما لهذا أعود إليه كل مرة، 
كما يعود العابر إلى ركنٍ لم يُقَم عليه نصبٌ، أو شاهد، 
لكنه يحمل أثرًا: أن لا يموت من يُحَب. 

لأن الحبّ لا ينتهي،
بل يغيّر مكانه… ويجلس صامتًا هناك: في ركنٍ بعيد، ينتظرنا.
ومن يعرف هذا المقهى، لا يخرج منه تمامًا…
يترك شيئًا في الزاوية ذاتها، ويأخذه معه إلى الأبد.


***

إضاءة: 
مقهى لا يفتح أبوابه… بل يفتح قلبك.
يذكّرك برائحة الخبز القديم، وبكل من رحل.
إن لم تكن تعرفه، فلست من زواره…
وإن عرفته، لن تنساه.
هو أغنية تهمس لك من بعيد، حيث يجلس الحنين.
تمرّ الأرواح فيه من دون أن تجلس،
وتترك أثرًا لا يُمحى.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

السبت، 2 أغسطس 2025

في حنايا الروح: كرامةٌ تُنْتزع، لا تُوهب.. ووطنٌ اسمُه الصُّمود!

 
في حنايا الروح: كرامةٌ تُنْتزع، لا تُوهب.. ووطنٌ اسمُه الصُّمود! 

"للفلسطينيّ وطنٌ محفورٌ في الذاكرة، لا تمحوه القذائف"

لا تكفُّ العين عن التحديق في ذلك البُعد المُثقَل بالغيوم والدُّخان، حيث تُختَزَل الجغرافيا إلى جرحٍ نازفٍ، وتُختَصَر العدالة إلى صمتٍ مُطْبِقٍ يجلجل في ضمير الكون. هناك، في قلب العاصفة الدائمة، يقف الإنسان الفلسطينيُّ – أبيًّا كزيتون أرضه، صلبًا كصخر جباله – ليس كضحيّةٍ مُستسلمةٍ فحسب، بل كرمزٍ حيٍّ للصُّمود الذي يخترق جدار اليأس. 

التضامن معه ليس مجرد كلماتٍ تُلقى على منصات، بل هو نبضٌ ينبثق من أعماق الضمير الإنسانيّ، تعاطفٌ مع ذلك الكائن الذي حوّلته الجغرافيا المجنونةُ إلى سفّاحٍ لأحلامه في كلّ صباح، يُعيد دفنَ الأمل تحت أنقاض بيته ليلًا، ثمّ يحفرُه مرّةً أخرى عند الفجر، كأنّما يلدُ نفسه من جديدٍ في كلّ شروقٍ مُثقَلٍ بالرصاص. يحمل فوق أكتافه، ضريبة اللجوء الأبدية، ثقلًا لا يخفّ مع السنين، بل يتعاظم كصدأٍ ينهش الحلم.

تتجلَّى ويلات التناقضات الجغرافية في كلّ نبضةٍ من حياته. فهو يحمل في صدره حُبًّا جامحًا لوطنٍ تتناوشه النيران، تُحاصره الجرافات، وتُغيِّر معالم روحه فوق أرضه. تراه يتنفَّس هواءً مشبعًا برائحة التراب الذي يشتاق إليه، بينما يقف، في الآن ذاته، على أرضٍ أخرى. 

أرضٍ ربّما منحته جنسيةً، أو سقفًا، أو لقمة عيش، احتضنت جسده المُنهَك، لكنّها – في صميم وجدانها – لم تمنحه ولن تمنحه أبدًا ذلك التضامن الجوهريّ مع جرحه الوجوديّ. تُعامله كنزيلٍ مؤقّتٍ على حُزنِه، كأنّ جرحَه تذكرةُ سفرٍ لا تُجدَّدُ إلّا في معابر الألم، بينما صمتُها المُطبق على عدالة قضيته – أو ذلك الأسوأ من الصمت – جعل جذورَه فيها معلّقةً في فراغٍ، لا تلامس تُرابَ التضامن الحقيقيّ. 

هذه المفارقة المؤلمة للوطنين: أرضٌ تدمّرها القذائف وهي جذوره التي لا تنقطع، وأرضٌ ثانيةٌ قدَّمت له أمانًا ماديًّا ظاهريًّا، لكنّها لم تُسهم في رفع الظلم، ولم تُقدّم العدالةَ التي يتوق إليها كحاجةٍ أنفسَ من الهواء. يعيش فيها بجسده، لكنّ روحه تُعلَّق بين سماءٍ لا تحميها، وترابٍ يُغتصب يوميًّا، في اغترابٍ مضاعفٍ: عن أرضه المغتصبة، وعن أرضٍ رفضت أن تُشاركه وجعَه الجوهريّ.

وتلك ضريبة اللجوء الأبدية.. ليست مجرّد وثائقَ أو مخيّمات. إنّها ثقلٌ روحيٌّ لا يُقاس، يجعل من كيانه منفىً متجوّلًا، حتى وهو بين جدران بيته الجديد. يحمل سجنًا غير مرئيٍّ من الحنين والغضب المكبوت، وحوارًا داخليًّا لا ينتهي مع أشباح الماضي، وخريطةً للوطن محفورةً على جلده لا تُطابق أيّ خريطةٍ في العالم. 

ثقل الذاكرة التي تحمل رائحة بيوتٍ هُدّمت، وأشجارٍ اقتُلعت، وأحبّةٍ رحلوا تحت القصف أو خلف القضبان. ثقل السؤال الذي يطارده كشبح: "من أنا؟". هذا التساؤل عن الهوية ليس فضولًا عابرًا، بل هو دهشةٌ وجوديةٌ تزلزل كيانه. 

هل هو ابن تلك الأرض البعيدة المنكوبة فقط؟ أم هو أيضًا جزءٌ من هذه الأرض التي يعيش عليها الآن؟ وكيف يكون جزءًا من مكانٍ لم يُشركْه قلبُه في حُزنه على وطنه الأمّ؟ كيف يُعرّف نفسه في عالمٍ يصرّ على تصنيفه بـ"لاجئ"، "مهاجر"، "غريب"، بينما هو يحمل في داخله إرثًا من الحبّ والمقاومة والانتماء الذي يتحدّى كلّ التصنيفات؟ إنّ الشكّ في الهُويّة هو أحد أثقل فصول ضريبة اللجوء التي لا تنتهي.

لكنّ الفلسطينيّ، في خضمّ هذا العاصف، لا يطلب الشفقة. إنّه، قبل كلّ شيء، رمزٌ للصُّمود. صمودٌ أمام آلة الدمار التي تستهدف حجره وبَشَره وذاكرته. صمودٌ في التشبث بحقٍّ لا يُبلى مع الزمن. صمودٌ في الحفاظ على إنسانيته وهي تُستفزّ يوميًّا. إنّه يُحطّمُ محاولاتِ طمسِ هويّتِه، يُعيدُ كتابةَ تاريخِه بدمِهِ، وينحتُ كرامتَه في صخرِ الزمنِ. 

هذا الصُّمود... ليس سرديّةً فلسطينيّةً فحسب، بل هو إرثٌ كونيٌّ يُذكّر كلّ مقهورٍ على هذه الأرض بأنّ بذرةَ الحياة في وجه الموت أقوى من كلّ دبّابة، وأنّ الإنسان، حتّى وهو يُحاصَر، يظلّ قادرًا على أن يكون نُقطة ضوءٍ تُحدّق في عتمة الطغيان، وتُخلّد اسمَه في كتاب الكرامة الأزليّ. 

وهنا تكمن الحقيقة الكبرى التي تهزّ عروش الظالمين: العِزّة تُنتزع لا تُوهَب، والكرامة تُكْتَسَبُ بالمكابدة لا تُمنح بالإحسان. هذا هو القانونُ الأزليُّ: لا كرامةَ تحتَ نِعلِ الظالم. لا تنتظر من جلادك أن يمنحك إياها، ولا من صامتٍ على الظلم أن يقدّمها لك على طبق. إنّها تُبنى لَحظةً بلَحظة، عبر الثبات على المبدأ، رغم الجراح، رغم الغُربة، رغم الصمت المُحيط. 

كلّ يومٍ يرفض فيه الخنوع، كلّ حجرٍ يُلقى دفاعًا عن حيِّه، كلّ كلمة حقٍّ تُقال، كلّ ذكرى تُحفَظ وتُورَّث، هي لَبِنةٌ في صرح كرامته التي ينتزعها انتزاعًا من براثن اليأس والقهر. هذه الكرامة المُنتزَعة هي سلاحه الأقوى، ودرعه الذي يحمي جوهر إنسانيته من التشويه.

ومن هذا المنظور المتأمّل، يطفو السؤال الفلسفيّ المحوريّ: أين الوطن حقًّا؟ هل هو تلك البقعة الجغرافية المُحاصَرة، المُهدَّدة، المُغتَصَبة؟ أم هو شيءٌ آخر، أعمق، وأبقى؟ عندما تُسلَب الأرض، عندما يُشرَّد الإنسان، عندما يُحاصَر الحلم.. ماذا يبقى؟ يتألّقُ الوطنُ الحقيقيُّ: الكرامةُ المتجذِّرة في الروح، والصُّمودُ الذي يُشيِّدُه الإنسانُ بإرادته. 

فالكرامة المتجذّرة ليست مجرد ردّة فعل، بل هي خلقٌ مستمرٌّ للوجود. كلّ رفضٍ للخنوع، كلّ تمسّكٍ بالذاكرة، كلّ بصمة جمالٍ تُزرع في وجه القبح... هي طقوس تأسيس لهذا الوطن الروحيّ. إنّه الوطن الذي يُبنى بفعل الإرادة حين تنهار الحجارة، ويُحفر عميقًا في صخر اليأس بظُفر التحدّي.  

هذا هو الوطن البديل، بل الوطن الأصيل، لكلِّ من فقد أرضه تحت وطأة الاحتلال، ولكلِّ من يُسمّى "لاجئًا" أو "مهاجرًا" ويعيش في المنافي القسرية أو الاختيارية. فالكرامةُ – التي لا تُستلَب إلا باستسلام صاحبها – هي البوصلة الداخلية التي لا تضلّ، والنار التي لا تنطفئ في الصدر، والأرض التي لا تُهدم. 

الوطن هو حيث تُحترم إنسانيتك، حيث تنتزع كرامتك، حيث ترفض أن تكون رقمًا في سجلّات الظلم. إنّه الفضاء الداخليّ الواسع الذي يحمل تراب الأجداد، ونبض الحريّة، وإرادة الحياة التي لا تُقهَر. الوطن الحقيقيّ هو تلك الكرامة التي تُحمل في العينين، في الوقفة، في رفض الانكسار، حتّى ولو كان المرء في أقصى زوايا الشتات. 

ولذا، فإنّ التضامن الحقيقيّ ليس وقفةَ عطفٍ عابرةً، بل هو إعلانُ ولاءٍ لهذا الوطنِ الروحيّ الذي يحمله الفلسطينيُّ في صدره: وطنِ الكرامةِ المُنتزَعة. إنّه الاعتراف بأنّ صموده ذلك هو نصرٌ للإنسانية في أقدس معانيها، وأنّهم يُذكّروننا، بدمهم وصمودهم، بأنّ الكرامة وطنٌ لا يُهزم، وأنّ جرأته على انتزاع العزّة من بين أنياب الدمار – وحمْلَ وطنه في عينيه رغم التشريدِ – هي شعلةٌ تُضيء دربَ كلّ حُرٍّ يتوق إلى عالمٍ لا يُباع فيه الضمير، ولا يُساوم على الحقّ. 

فهذه الكرامةُ – الوطنُ – هي القصيدةُ التي لا تُحرق، والوعدُ الذي لا ينكسر، والحياةُ ذاتُها التي تُنتزعُ انتزاعًا، حتّى لو تقلّبتْ تحت أقدامِه الجغرافيا، وظلّتْ عدالةُ الأرضِ صامتةً، تَرقبُ جرحًا ينزفُ في ضمير الزمن.


جهاد غريب 
أغسطس 2025 

كَفٌّ تَحْمِلُ السَّمَاءَ وَتُنْبِتُ الْأَرْضَ!

 

كَفٌّ تَحْمِلُ السَّمَاءَ وَتُنْبِتُ الْأَرْضَ! 

"بِسمِ العَرَق الذي يُنبتُ قَمحًا، وبِاسمِ الشَّمسِ التي تُولدُ من جُرْحِ غَزَّةَ"

صَدرٌ يحملُ العالمَ

لستُ لاجئًا، 
أنا حاملُ لِواءِ الكرامةِ، 
صمودي ينبعُ من أعماقِ الرُّوحِ،
في عصرٍ، 
يُباعُ فيهِ الضميرُ بِقِرشِ الغُزاةِ!
مِن رُكامِ بيوتِكم أبني قِلاعَ روحي،
وأحملُ العالمَ على كَتِفَيَّ،
فإذا ما انْثَنَى المِرْفَقُ، 
كان الكُوعُ سَندًا للقدسِ! 
اِسألوا: 
مَن بَقيَ وفي عينهِ قمحُ العدالةِ،
ومَن انحَدَرَ في جُبِّ الخيانةِ؟ 

صمودي للعالَمِ مِحبَرةٌ، 
تُكتَبُ بها دُرُوسُ العِزَّةِ،
والقَمحُ في يَدَيَّ أعصِرُهُ نورًا، 
لِيُنبِتَ وطنًا لا تقتُلُهُ الأوراقُ.
وطني ليسَ خطًّا على مَرقَبٍ،
بل وَقْفةُ جَبينٍ في مَوجِ الدَّمارِ! 

حيفا، ارفعي أشرعتَكِ!
واعصري البُرتُقالَ،
فالمدينةُ التي تُباعُ في سُوقِ النّخاسةِ، 
تحتاجُ عصيرَ ثورتنا لِتَعودَ حُلوةً. 

سَلالِمُ حيفا، 
لم تكن دَرَجاتٍ من حَجَرٍ،
بل سُلَّمٌ نُسِجَ من ضَوءٍ، 
يصعدُ عليه المحتلُّ،
فيسقطُ كالظِّلِّ على شَفراتِ نورنا! 

أيتها الموجةُ التي هَربتْ من يافا، 
عُودي!
فالبُرتُقالُ في حَلقِ الأطفالِ، 
صارَ مَرارةَ السؤالِ. 

في عكّا، 
تَقرَعُ الأَمْوَاجُ أَسْوَارَكَ كُلَّ فَجْرٍ،
تسألُ:
أينَ حُرَّاسُ القهوةِ المُرةِ؟
فَيُجيبُها صَمتُ المَدافعِ:
لن يعودوا،
إلّا على صَهيلِ المَوتِ 
في مَوكِبِ الخَيلِ الأَبيضِ! 

بينَ عِناقِ الجبَالِ وصلابَةِ الحجَرِ... 
يَسيرُ سِرٌّ أَزَلِيٌّ 
منْ قَلبِ نَابُلْسَ إِلَى صَدرِ الخَلِيلِ!
تَتهامسُ المُدنُ بِاللَّيْلِ:
هَل يَعلمُ الْغُزَاةُ أَنَّ الْحجارةَ، 
تَحْفَظُ أَسْمَاءَنَا في دفترِ الشَمسِ؟ 

نابلسُ، يا جَبَلَ العسلِ والنارِ. 
أزِقَّتُكِ سُجونٌ من حلاوةٍ... 
تُذيبُ أحلامَ الغُزاةِ.
والخليلُ؟ يا حِجارةً تتكلمُ بدمعِ الزَّيتونِ. 
أسمعُكِ تَهمِسينَ: 
مَن سَيَحمِلُ أطفالَنا 
أجبالٌ أم أكتافُ الأعداءِ؟ 

وإِذا عَجِزتْ عُيونُ الأَطفالِ! 
عن حَملِ الأَسئلةِ، 
تَنهَضُ غَزَّةُ إِصْبَعًا مِن لَظى. 
يَخطَفُ البَرقَ مِن جُفُونِ السَّماءِ!
لن يَخبو الضِّياءُ...
ما دَامَ هذا الإصْبَعُ، 
يَرسُمُ مَسَالِكَ العَودةِ بِالدُموعِ!

غَزَّةُ؟
ليستْ مدينةً،
غَزَّةُ الإصبعُ الذي يُنيرُ الكَونَ،
ويَنقُرُ على قَلبِ الشمسِ،
حتى تُفتَحَ أبوابُ النَّهارِ!
فلو قَطَعوا الأصابعَ،  
سيُضيءُ قنديلُ الفجرِ من جُرحِها! 

بَحرُها، 
يَحفَظُ أسماءَ الأطفالِ في قاعِهِ. 
ويَحملُ أنينَ القِبابِ 
إلى شواطِئِ العالمِ الأصمِّ.
ليسَ الحِصارُ إلّا خُطوةً أخيرةً لِلسُّلَّمِ، 
فَما أسهَلَ اِصعادَكِ إلى القِمَّةِ! 

سأقولُ للرَّصاصِ:
لا تَأخُذْ مِن غَزَّةَ إلّا جُثَثًا 
تُنبِتُ زيتونًا في حُقُولِ العَتَبِ!
وأقولُ للطُّغاةِ:
أطفالُها يَلعَبونَ بالقَنابِلِ، 
فَإمّا تَذهَبُوا، 
وإمّا تَصيرُوا غُبارًا تَدُوسُهُ أقدامُهُم! 

أنا الغُصنُ المَقطوعُ، 
لكنَّ جُذوري تَشرَبُ 
من غَيماتِ الوَطنِ البَعيدِ.
نَسَجتُ مِن أسلاكِ الحُدودِ قَلائِدَ، 
فصارتْ حِبالًا تَدُورُ حَولَ أعناقِ الغُزاةِ!
حَملتُ بيوتَنا في صُرَّةِ تُرابٍ، 
فالوَطنُ حِكايةٌ تَملأُ جيوبي! 

وإذا صارَ المَنفى قَبرًا بلا نَجمٍ، 
فَكَرَامَتي خريطةٌ تُولدُ من جُرْحِ البُرجِ!
وبوصلةٌ تَنبِضُ بِحُروفِ القَصائِدِ!
أنا كوكبٌ بلا مَدارٍ...
في المخيماتِ أزرعُ أقمارًا 
تَحمِلُ أطفالَنا على أجنحةِ الضَّوءِ!
أنا صَوتُ اللَّاجِئينَ، 
وفي سُجونِ التِّيهِ،  
أَنحُتُ شُموسًا 
تَفتحُ دُروبَ العائدينَ، 
كأنَّ المَنفى صُعودٌ نحو النجومِ! 

كُلَّما احترقنا اِنبعثنا كالعناقيدِ 
طُيورًا تَحمِلُ فِلسطينَ على أجنحةِ الغَضَبِ.
فقد جعلنا عُروقَنا دَرَجاتٍ للوُصولِ،
لستُ تُربةً تُسرَقُ، 
بل قلبًا تَحوَّلَ إلى شَفرةٍ. 
ويدًا تَخْطَفُ البرقَ، 
ونَصْلًا يَقطَعُ الظلامَ،
وترمي بشُهْبِ الحقِّ... 
في وجهِ الزَّمنِ الجائرِ! 

زَرَعُوا لنا ياسرًا،  
فأنبتنا جَيشًا من الأضلاعِ!
وإنْ عَطِشتُ، 
أَرتَوِي بدمِ العُصفورِ في الحِصارِ، 
وأسقي زيتونةً... 
تَنبُتُ من عينِ البُندقيّةِ! 

يا نِساءَنا، 
استقبلنَ الشُّهداءَ بالزَّغاريدِ!
يا شُيوخَنا، 
اِرفعوا عصاكم عن الأرضِ.  
فالعَصا لا تتكئُ على اليأسِ،
بل تَرسُمُ على التُّرابِ:
هذهِ حَكايا ليست للانتقامِ، 
بل لِتَذكيرِكم: كيفَ صَمَدتم، 
حين كان على الأرضِ أن تَتَكلّمَ! 

حكايتي؟
فِلسطينٌ تَخرُجُ من ضُلوعي! 
أنا مِرآةُ الأرضِ والقَيدُ الذي يُحرِّرُها!
فإذا مَزَّقوكِ خريطةً، 
فقد جَعلوا طريقَهم سَبيلًا للحُريةِ. 
تَبقى البُوصلةُ تَنبِضُ في عُروقي:
النَّصرُ له سُبُلٌ من نارٍ،
وإليكِ يَعودُ الدَّمُ طريقًا.


أبناءُ العواصفِ

يا شُيوخَنا، 
لم تَسقُطوا على الأعتابِ،
بل حَفرتم بِالعِصيِّ خَنادِقَ الذَّاكِرةِ، 
حتى التُّرابُ يُحافِظُ على دَمعِهِ،
كالقُنبُلةِ التي تَنتَظِرُ اِنفِجارَ السَّماءِ!
ويُخرِجُ مِن جُيوبِهِ 
حَبّاتٍ مِن رَملِ يافا.
تَعرِفُ طريقَها إلى البَحرِ، كالطُّيورِ المُهاجرةِ! 

يا نِساءَنا، 
لم تَكُن زَغاريدُكُنَّ وَداعًا،
بل مَغازِلَ تَنسُجُ أكفانَ العارِ 
مِن صَمتِ العالمينَ! 
إذا صَرخنَ:
يا زَيتونَ القُدسِ، 
اِنزِلي عن جَبينِ السَّماءِ!
تَتَحَوَّلُ ضَفائِرُكُنَّ إلى جُسورٍ، 
يَعبُرُ عليها الأَحفادُ، 
وهُم يَحمِلونَ مَفاتيحَ الغَيمِ! 

يا أطفالَ المُخَيَّماتِ، 
الذينَ يَتَربَّصونَ خَلفَ سُحُبِ الغازِ،
فإذا اِنقَشَعَ الغُبارُ، 
رَأيتَ ألعابَهُم قد نَبَتتْ غاباتٍ مِن شَظايا!
وإذا اِنكَسَرَ جِدارُ الجُوعِ، 
يَنبُتُ الرَّغيفُ سَنابِلَ مِن حَناجِرِهِم!
سَيَقولونَ لِلغَريبِ:
هذه الأرضُ حِذاؤنا ضَيِّقٌ عليها...
فَاخلَعْ نَعلَكَ قَبلَ الدُّخولِ! 

سَيكبُرُ الأطفالُ، 
فتصيرُ أحلامُهُم جسورًا...
مِن عَمَدِ نابلسَ إلى أَحْضانِ الخليلِ!
تَعبُرُ الثورةُ عليها بِأَقْدَامٍ لا تَعْرِفُ إلا 
خُطُواتِ الوَعدِ الأخيرِ! 

وبينَ نابُلسَ وحِجارةِ الخَليلِ، 
تَمتَدُّ القُدسُ، كَشَريطِ دَمٍ يُضيءُ!
نابلسُ...
جَبَلٌ يَنزِفُ صابونًا وزَيتونةَ القَصيدِ. 
حينَ يَدوسُ المحتلُّ شُرفاتِها، 
تَتَحَوَّلُ أزِقَّتُها  
إلى نارٍ تُشعلُ لَهيبَ الثَّورةِ. 
تُذيبُ أحلامَ المُحتَلِّ في رِحلتِهِ الأخيرةِ!
وحينَ يَظُنُّكِ الغازلُ نَومةَ لَيلٍ، 
تَنهَضينَ جِدارًا يَقذِفُ بِالحِجارةِ نُجومًا!
وَوَراءَ جِبالِ نابُلسَ...
تَشرَئِبُّ القُدسُ، كَطِفلٍ يَخطَفُ نَجمةً. 

يا قُدسُ، 
مِن جِراحِنا تَخرُجُ وَمَضاتٌ مِن نورٍ!
يا كِتابَ الذَّهَبِ المَفتوحَ... 
على جِراحِ الأَقصى،
كَلِماتُكِ المُذَهَّبةُ على حَجَرٍ، 
أَصبَحنَ شَظايا، 
لكنَّ القُبَّةَ تُنبِتُ كُلَّ فَجرٍ سَطرًا جَديدًا، 
فإذا ما أَمطَرَهُ الرَّصاصُ، 
تَفَتَّحَ يَاسمينًا مِن جُروحِ الحَرفِ!
وإذا جَنَّ اللَّيلُ، 
ناديتِ:
مَن يَشتَري صَوتَ المُؤَذِّنِ بِخَرَزِ الدَّمارِ؟
وإذا صَرختِ، 
تَعودُ حَمائِمُ القُدسِ إلى أَعشاشِها. 
ويَتَهَشَّمُ جِدارُ الصَّمتِ، كَزُجاجِ العارِ! 

يا خَليلَ الرَّحمنِ، 
حِجارتُكِ التي تَئِنُّ،  
هي أجراسٌ تَدعو الصَّباحَ، 
لِيَكونَ مَجزَرةً لِلغُزاةِ. 
تَحمِلُ سُجِلّاتٍ مِن عِطرِ المِسكِ،
وآثارَ السُّيوفِ، 
فَلا تَسأَلي: مَن يَحمِلُ أطفالَنا؟ 
أطفالُكِ الآنَ، 
يَحمِلونَ أَسلِحةَ الحِجارةِ. 
ويَحمِلونَ الجِبالَ... على أكتافِ دُماهمْ! 

لِلأَبطالِ... لِلأَطفالِ:
صُمودي جُوعٌ لا يَشبَعُ!
ولِلطُّغاةِ: 
أنا العِزَّةُ التي 
اِنتَزَعتُها مِن أَنيابِ الذِّئابِ. 
فَصِرتُ السَّيفَ والمِنجَلَ، 
مِن أَيدينا تَخرُجُ بُروقُ الثَّأْرِ. 
والرَّغيفُ الذي يُنبِتُ سَنابِلَ الثَّورةِ 
مِن لُعابِ الجِياعِ! 

لاجِئٌ؟
بل أنا سَيفٌ طَعَنَ جَوفَ البَحرِ، 
فَانشَقَّ الماءُ. 
وصارَ طريقًا إلى بَيّاراتِ يافا! 
نَصَبوا لي خَيمَةً في المَنفَى،
أنا لا أَسكُنُ الخِيامَ، 
أنا أُعَلِّمُ النُّجومَ: كيفَ تُضيءُ بلا وَطَنٍ!
حتى رَغيفُ الخُبزِ، 
لم يَعُدْ يُكسَرُ على مَذبَحِ الجُوعِ. 
بل صارَ قُبَّعةَ ساحِرٍ 
تَخرُجُ مِنها أَفعى الثَّورةِ!
إذا مَسَّتهُ يَدُ الظُّلمِ، 
يُطلِقُ سَمًّا في كَفِّ الغاصِبِ! 

والقَيدُ؟
هو خاتَمُ عَهدٍ نَذَرناهُ لِلعاصِفةِ. 
فَلا تَحسَبوا أغلالَ الحُدودِ إلّا 
إِبرةً تُخيطُ جِراحَ المُدُنِ بِأَوتارِ العُودِ! 

يا دَمي، 
لا تَجِفَّ على تُرابِ المُخَيَّماتِ، 
اِصعَدْ إلى جَبينِ الزَّمنِ، 
واقرَأْ لِلعالمينَ:
مَن يَسرِقُ شَمسًا مِن غَزَّةَ، 
يُصبِحُ ظِلَّهُ حَبَّةَ رَملٍ في نَعلِ طِفلِنا! 


الزيتونُ يَضمُّ الثورةَ

جِئتُكِ يا زَيتونُ، 
لِأحفَظَ في جُذورِكِ سِرَّ القُدسِ الجريحِ،
ولِأعَلِّقَ على أغصانِكِ قَطَراتِ الرَّصاصِ، 
فإذا الغُصنُ اِنحَنى، 
لم يَكُن لِثِقَلِ العَناقيدِ. 
بل لِيَحضُنَ الأرضَ على صَدرِهِ، 
كَأُمٍّ تُهَدِّئُ رُعشةَ المَدافِعِ. 

تَحفَظُ أحشاءُ الأرضِ أسرارًا،
وَتَرى، 
هذهِ الجُذورُ تحتَ التُّرابِ، 
ليستْ عُروقًا، بل سِجلٌّ يُدوِّنُ:
هذا جَبَلٌ، وهذا وادٍ، وهذهِ دِماءُ الأَحفادِ! 

فإذا مَرَّ الغازي بِظِلِّكِ، 
تَتَحَوَّلُ أوراقُكِ إلى سِكّينٍ. 
يَقطَعُ حِبالَ الهُوِيَّةِ،
ويَفصِلُ الحُبَّ عنِ الحُدودِ. 
وَيَصرُخُ:
هذا ليسَ شَجَرًا، 
هذا جِسرٌ مِن أضلاعي إلى عكّا! 

يا شَجَرَةَ الوَرَقِ المُقَدَّسِ، 
كم يَحمِلُ العُصفورُ في حَنجَرَتِهِ...
مِن ذَرّاتِ رَملِ غَزَّةَ ودَمِ الشُّهداءِ؟
إذا غنّى، 
تَنسابُ الأنهارُ دَمًا. 
وتُصبِحُ القُبَّةُ مِطرَقَةً تَدُقُّ زَيتونَنا. 
حتى يَخرُجَ زَيتُ الحَقِّ 
في قَناديلِ المَساجِدِ، 
وفي جِباهِ المُصَلِّينَ! 

ولِلطُّيورِ العابِرةِ...
حِكايةٌ مَكتوبةٌ بزيتِ الجِراحِ:
كُلَّما مَرَّتْ على الحُدودِ، 
ألقَتْ ريشَها نُجومًا على سُورِ الفُصَيلَةِ!
فَتَحَوَّلَ الحارِسُ المُسَلَّحُ   
إلى طاووسٍ يَرقُصُ على ألعابِ المَوتى.

وإذا اسوَدَّتِ اللَّيالي...
واختَنَقَتْ غَزَّةُ بِدُخانِ القَذائِفِ، 
تَنامُ الثَّورةُ في حِضنِكِ. 
كَطِفلٍ يَرضَعُ مِن جُرحِ أُمِّهِ، 
رائِحَةَ الأَرغِفَةِ المُتَحَلِّلةِ. 
فَتَبكي الزَّيتونةُ دَمًا، وتُنشِدُ:
اِصبري، 
فكُلُّ جذعٍ مَقطوعٍ، 
سَيُصبِحُ جَيشًا مِن الْأَغْصَانِ الخُضرِ. 
وكُلُّ قَطرَةِ زَيتٍ، 
سَتَكتُبُ اسمًا في سِجلِّ العائدينَ! 

ومتى يَأتي الفَجرُ؟
حينَ تَنزِعُ الرّيحُ الأقنِعَةَ عنِ الجِراحِ، 
فَتَجري الحمائمُ إلى القُدسِ. 
حامِلاتٍ في مَناقيرِها:
زَيتونةً، وصَوتَ مُؤَذِّنٍ 
يَخرُجُ مِن بَينِ أضلاعِ المآذِنِ المُنحَنِيةِ!
وحينَ تَثُبُّ الثَّورةُ مِن الحِضنِ، 
تَصرُخُ السَّماءُ:
هَيّا، 
اِقفِزي مَعَ العاصِفةِ إلى الفَصلِ الأخيرِ! 



مَطَرُ السُّيوفِ

يا أرضي، 
يا أرضَ الجُروحِ المُزهِرةِ، 
لم يَعُدِ الرَّصاصُ يَكفي لِحَصادِكِ. 
فالسَّماءُ تَقطُرُ سُيوفًا مِن ضُلوعِ الغُيومِ!
كُلُّ سَيفٍ، 
جِذعُ زيتونٍ يَحمِلُ في لُبِّهِ:
رَمادَ الشُّهداءِ،
وغُصنٌ يَنبُتُ 
في أَكُفِّ الأطفالِ بُوصلةً للفَجرِ!
واسمَ طِفلٍ يَكبُرُ في كَفِّ العاصِفةِ! 

واسمَعْ:
حينَ يَمُرُّ المَطَرُ على حِيطانِ الخَليلِ،
تَنفَتِحُ الحِجارةُ كأفاهٍ صارِخةٍ. 
مَن يُنَقِّبُ عنّا في بِحارِ الوَرَقِ؟ 
فَتَغرِسُ السُّيوفُ أَظافيرَها في التُّرابِ،
وتَصنَعُ مَصْعَدًا إلى عكّا 
مِن أضلاعِ المَساجِدِ المَقْصوفةِ! 

وإِذا أنزَلَتِ السمَاءُ 
سُيُوفَها مِن ضُلُوعِ الغُيُومِ، 
فَإنَّ بَنَاتِ غَزَّةَ 
سَتَقْبِضُ عَلَى بَرَاقِعِهَا 
بِأَكُفٍّ تَحمِلُ الْعَاصِفَةَ وَالزَّيْتُونَ!
لَن يَسقُطَ السَيفُ 
ما دَامَتِ الأَيدي تَعرِفُ كيفَ تَحكي بِالرَّعْدِ!

يا بَناتِ غَزَّةَ، 
هاتينَ أَكُفَّكُنَّ العاريةَ،
لِتَجمَعنَ صَواعِقَ السَّماءِ. 
فقَطَراتُها ليستْ ماءً، 
بل إِبَرٌ تُخيطُ بها أكفانَ الغُزاةِ 
مِن شَعْرِكُنَّ المَبلولِ بالزَّيتِ والدَّمِ!
وإذا انحَنَيتُنَّ لِتَلتَقِطْنَ سُيوفًا، 
يَتَحَوَّلُ شَعرُكُنَّ إلى أَسلِحةٍ سِرِّيَّةٍ 
تَنسُجُ خَرائِطَ العَودةِ!
ويَصيرُ خُصلةُ شَعرٍ واحِدةٍ 
مَعبَرًا إلى بَيتِ المَقدِسِ! 

أيُّها الكِبارُ على الجِبالِ، 
اِرموا أحمالَكم إلى خالق السَّحابِ!
فالهِمَمُ اليَومَ ستَكسِرُ ظَهرَ الجُوعِ. 
وتَسحَبُ مِن غُيومِ الرّاحِلينَ 
قَوافِلَ مِن عِطرٍ وعَنبَرٍ. 

الطُّهرُ اليومَ مِغزَلٌ...
يَنسُجُ مِن دُموعِ المُهَجَّرينَ 
خُيوطًا تَسحَبُ القَمرَ إلى نابلسَ!
حتى إذا انسكَبَ الوَمَضُ على الشَّوارِعِ، 
صارَتِ الأرضُ مِرْجَلًا 
يَطبُخُ أحلامَ الطُّغاةِ بِمِلْحِ البَحرِ! 

ولِلصَّمتِ أيُّها الأَعداءُ حِكايةٌ:
كُلَّما أَغلَقتُم أَفواهَنا، 
صِرْنا نَتَكَلَّمُ بالرَّصاصِ الذي 
يَنبُتُ في حُلوقِنا كالزَّعتَرِ!
وحينَ تَسقُطُ أوَّلُ قَطرةٍ 
مِن مَطَرِ السُّيوفِ، 
تَعلَمونَ أنَّنا:
لم نَعُدْ لاجِئينَ، 
بل سُحُبًا تَحمِلُ مَصاعِبَ العالَمِ إلى مَقابِرِكم! 

فإذا انجلَتِ العاصِفةُ، 
ورأيتُمُ القُدسَ تَرتَدي ثَوبَها البِلَّورِيَّ، 
اِعلَموا:
أنَّ السُّيوفَ التي أنزَلَتها السَّماءُ 
ليستْ لِقَتلِكم. 
بل لِتَحفُروا بها قُبورَكم بأَيديكم 
قَبلَ أن يَغسِلَ المَطَرُ عن أَحجارِ المَساجِدِ 
آثارَ أَقدامِكم! 

وعلى حافَّةِ المَوتِ...
لن نَرفَعَ أيديَنا إلى السَّماءِ، 
بل سنَرفَعُ السَّماءَ نَفسَها على أكُفِّنا. 
كَي لا تَسقُطَ أبدًا على دِيارِ الأَبرِياءِ! 

هذهِ أرضي...
تَرفَعُ صَدرَها للرَّعدِ:
لا تَقُلْ: السَّماءُ تَبكي! 
قُلْ: السَّماءُ تَلِدُ بَرقَ الحُرِّيَّةِ!
وتُمطِرُ علينا غَضبًا يُزهِرُ في أَراضينا!
فإذا انشقَّ الغَمامُ! 
فَاعلَموا أنَّ رَصاصَكم 
قد صارَ سَمْنًا لِخُبزِ الأطفالِ، 
وأنَّنا سنَبقى نَحمِلُ السَّماءَ على أكُفِّنا 
حتى تَكسِرَ العاصِفةُ أَقفاصَ السُّجونِ!
نَهُزُّ جَوفَ الغَيمِ، 
فَتسقُطُ مَفاتيحُ العَودةِ!
ورُعُودُنا 
سَتُحَطِّمُ أقفالَ كُلِّ سَرمَدٍ! 


***

إهداءٌ:
"إلى حَجَرٍ يُشبِهُ وَجهَ أُمّي، 
يَحمِلُ في ثَنياتِهِ  
كُلَّ حُروفِ الغُبارِ التي لم يَقرأها العالَمُ. 
وإلى طِفلٍ يَلعَقُ السَّماءَ كالعَسَلِ في غَزَّةَ، 
لِيَشهَدَ الكَونُ:
حتى الجِياعُ إذا رَفَعوا أصابعَهم، 
تَتَدَفَّقُ مِنها الشَّمسُ دُعاءً!" 


جهاد غريب 
أغسطس 2025 


العتب الأخير قبل الصمت

  العتب الأخير قبل الصمت   حين يعاتبك صديق، فلا تنزعج من كلماته.   انظر إلى ما وراءها.   إنه لا يهاجمك، بل يحاول إنقاذ ما ...