السبت، 21 فبراير 2026

انحناءات الضوء

 

انحناءات الضوء

 

"كيف يتعلم الجسد والروح الرؤية"

 


 


لم يُخلق الانكسار بعد، فقط الانحناء كان حاضرًا… كضوء يلتف حول كل عقبة، كروح تتعلم المرور دون أن تنهار. انحناء يشبه حنوّ الضوء حين يقترب من جاذبية كثيفة، فيميل، يغيّر مساره، دون أن يفقد اسمه أو طبيعته. هكذا تتشكّل الروح؛ لا بالاستقامة الصلبة، بل بمرونتها، بتقوّساتها الدقيقة التي تسمح لها أن تمرّ عبر الألم دون أن تتحطّم، وأن تتّسع للفرح دون أن تتبدّد، وأن تدخل الحب كقوسٍ مشدود، يرمي احتمالاته في اتجاه المجهول.

 

في فيزياء الداخل، الانحناء ليس علامة ضعف، بل قدرة نادرة على الاحتمال. أن يكون الكائن مرنًا بما يكفي ليحمل التناقضات، وأن يكون واسعًا بما يكفي ليضمّ النقيضين دون أن يتشقق. القلب، في أقصى حكمته، لا يكون مستقيمًا أبدًا؛ إنه منحني مثل الزمن، مثل الضوء، مثل كل ما يريد أن يستمر.

 

أتأمل انحناءات الجسد الأنثوي، لا بوصفها هيئة، بل كنصٍّ مكتوب بلغة سبقت الحروف. كل تقوّس هو أثر معنى، وكل التفافة سرد غير منطوق، وكل ميلان سؤال يرفض الإجابة المباشرة. الجسد الأنثوي لا يعرف الخطوط المستقيمة؛ هو يتحرّك في دوائر، يلتف ليحتمي، ينفتح ليحتوي، ينحني ليلتقط ما يسقط من الضوء قبل أن يضيع.

 

من هذه الانحناءات تعلّمت أن الاستقامة فكرة هندسية، لا وجودية. وأن الكمال لا يسكن التماثل، بل في ذلك الاعوجاج الجميل الذي يجعل كل امرأة كونًا مستقلًا، له جاذبيته الخاصة، ومداره الذي يبتلع من يقترب منه دون عنف.

 

المرأة مرآة، لكنها ليست مرآة محايدة.

هي مرآة تعيد تشكيل الضوء، تكسره إلى أطيافه الأولى، ثم تعيده إلى العالم بصيغة أخرى. حين تنظر إليها، لا ترى صورتك كما هي، بل كما يمكن أن تكون. تتشظّى في عينيها إلى احتمالات، إلى نسخ مؤجلة، إلى ذوات لم تُولد بعد. في حضورها، لا تعود واحدًا؛ تصير تعددًا، سرب أسئلة، وعيًا مفتوحًا على نفسه.

 

الانعكاس لا يكذب، لكنه لا يمنح الحقيقة كاملة.

إنه يقولها من زاوية، من ميلان، من انحناء. حين تنعكس صورة المرأة على الماء، لا تستقر؛ يتموّجها الهواء، يحرّكها الضوء، فتغدو وجوهًا عديدة، كلها صحيحة، وكلها ناقصة. هكذا تتكشّف الأنوثة: ليست جوهرًا واحدًا، بل حالة سائلة، حضورًا يتبدّل دون أن يضيع.

 

أراها تمشي في طريق لا يبدو جاهزًا قبلها.

كأن الطريق لا يوجد إلا حين تطأه. خطواتها لا تعبر المسافة، بل تستدعيها. ثمة فرق عميق بين من يسير فوق طريق، ومن يخلقه وهو يسير. هذه المرأة لا تصل إلى الأماكن؛ هي تجعلها ممكنة. كل خطوة منها ولادة، وكل توقّف تأمّل، وكل صمت إعادة ترتيب للعالم.

 

المسافة بين الطريق والوصول ليست في الجغرافيا، بل في الوعي.

قد نتحرّك طويلًا دون أن نبلغ شيئًا، وقد نصل ونحن واقفون. الوصول ليس نهاية السير، بل لحظة إدراك أن السير ذاته هو المعنى. حينها يصير الطريق وطنًا، والحركة إقامة، والخطوة لغة.

 

تتشظّى صورتها في مرايا المدينة: زجاج، ماء، عيون عابرة.

كل مرآة تأخذ ومضة، وكل انعكاس يحتفظ بأثر. تنتشر كالنور، لا يمكن الإمساك بها، لكن يستحيل إنكار حضورها. موجودة في كل مكان، وغائبة عن كل مكان في آن واحد. في هذا التعدّد يتحقّق جوهرها الطيفي؛ أن تكون مرئية دون أن تُحاصر.

 

انحناءة الرقبة فوق كتاب، انحناءة الظهر لطفل، انحناءة الذراعين في عناق، انحناءة الشفتين أمام سؤال بلا جواب. هذه ليست حركات عابرة، بل كتابة بالجسد. لغة لا تحتاج إلى صوت، فلسفة تُمارَس قبل أن تُفكَّر. الجسد الذي لا ينحني يتصلّب، والذي يتصلّب ينكسر. أما الجسد الذي يعرف كيف يلين، فهو الذي يبقى.

 

في علاقتي بها، صارت هي مرآتي الأعمق.

في عينيها أعيد ترتيب صورتي، لا لأتعرّف عليها، بل لأتجاوزها. معها أفهم أن الانحناء ليس خضوعًا، بل استقبال. وأن الانكسار ليس نهاية، بل تحوّل شكل. وأن الطريق ليس ما نقطعه، بل الكيفية التي نقطع بها أنفسنا.

 

في هذا الدفتر، دفتر الانحناءات، أدوّن كل يوم تقوّسًا جديدًا للروح. أكتب عن الضوء حين ينحني عند الغروب ليحتضن الأرض، عن القمر حين يقبل أن يكون هلالًا، عن البحر حين يعود في كل موجة إلى الشاطئ دون أن يملّ. الكون كلّه مكتوب بهذه اللغة: لغة الميلان، لا لغة الصلابة.

 

ربما معنى الحياة أن نتعلّم هذا الفن:

أن نكون مثل الضوء، ننحني لكل ثقل دون أن نفقد جوهرنا، نتشظّى دون أن نختفي، نمرّ من أضيق الثقوب ونحن ممتلئون، ونصل قبل أن نبدأ.

وأنا، بين مراياها المتعدّدة، أتعلم كل يوم أن أكون ضوءًا…

ضوءًا ينحني، لكنه لا ينكسر.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

فن استخدام اللغة

 

فن استخدام اللغة

 

"تحويل الكلمات إلى قوة واتجاه"

 




في عمق كل حوار مهني، تتحرك الكلمات كما تتحرك القوات على خريطة استراتيجيات دقيقة، لكل منها وزنها، لكل منها أثر محتمل على مسار الاجتماع وقراراته. أصوات وحروف لا تُطلَق عشوائيًا، بل تُصاغ بحذر، كما يصنع البحّار مساره في مياه متشابكة، يحسب كل موجة وكل تيار، ويعرف أن أي انحراف صغير قد يغير مصير الرحلة.

 

تظهر النزاعات غالبًا حيث تفشل الكلمات في عبور المسافات بين الذوات، حيث تغلق الجمل الباب على النية، أو تترك ثغرة لسوء فهم. بينما يجد القائد أو الاستراتيجي الماهر طريقة ليجعل لغته درعًا قبل أن تكون سيفًا، يحول كل اختلاف إلى فرصة للفهم، وكل اعتراض إلى جسر تفاهم، دون أن يفرض رؤيته بالقوة أو يغلق حوارًا كان يمكن أن ينير الطريق.

 

صياغة الجملة تتطلب إدراكًا كاملًا: مراعاة المتلقي، السياق، الهدف، والزمن. اختيار الكلمة كاختيار الدواء، الصمت كالترياق، التلميح كالضوء الذي يوجه دون أن يحرج، كل هذه التفاصيل تحوّل اللغة من أداة نقل معلومات إلى أداة بناء واقع. حين يُكتب التوجيه، تصبح الجملة خريطة طريق؛ حين يُصاغ الاتفاق، تصبح الكلمات عقدًا ملزمًا، حين يُقال "سأفعل"، تتحول الكلمة إلى التزام ملموس.

 

اللغة الاستراتيجية لا تكشف كل الأوراق، ولا تُعلن جميع النوايا. الصمت جزء من بنيتها، والإيحاء أبلغ أحيانًا من التصريح. فهم هذا يسمح للمرء بأن يقرأ بين السطور، يسمع ما لم يُقل، ويقود الحوار دون أن يسيطر عليه، ويوجه النقاش دون أن يفرضه، ويحقق أهدافه دون إعلانها صراحة.

 

في بيئات العمل المعقدة، حيث تتصادم المصالح وتتقاطع الرؤى، تتحول اللغة إلى المساحة الأكثر أمانًا لبناء جسور بين المتناقضات. بالكلمات يمكن الدفاع عن موقفك دون هجوم، شرح اختلافك دون اتهام، قول "لا" دون جرح، و"نعم" دون إخلال بالذات. هذه المهارة ليست خداعًا، بل ذكاء اجتماعي وأخلاقي، وإدراك كامل بأن الكلمات قد تصنع الجروح بقدر ما تصنع الثقة، وأنها قد تترك أثرًا أبديًا على العلاقات.

 

المعنى لا يُلتقط جاهزًا، بل يُبنى خطوة خطوة، جملة تلو الأخرى، حوارًا تلو الآخر. من يملك القدرة على صياغته يمتلك القدرة على توجيه الرؤية، تشكيل الواقع، وبناء الإجماع. هذه ممارسة للقيادة لا يتحملها إلا من فهم اللغة كقوة، وتعلم كيف تُحوّل النية إلى أثر، والفكرة إلى واقع، والكلمة إلى التزام.

 

الاستراتيجيات الكبرى تحتاج لغة كبرى، خطابًا يجمع ويُلهم، يحلم ويقنع، يفتح أفق المستقبل ويهدئ مخاوف الحاضر. كلمات تشعل حماس المتقدمين، تطمئن المترددين، وتخاطب الشك دون خوف. هذه اللغة تُصقل بالتجربة، تُنمّى بالممارسة، وتُعمّق بالتأمل، لتصبح أداة تصميم للواقع، لا مجرد أداة وصف له.

 

الوعي بأن كل كلمة تترك أثرًا، وأن بعض الجمل تعيش أطول من أصحابها، يحول الحديث من عادة إلى ممارسة مسؤولة، من أداة تلقائية إلى فن متقن، ومن وسيلة تواصل إلى استراتيجية وجود. حين يُدرك المتحدث ذلك، تصبح لغته جسرًا، واستراتيجيته أثرًا، وبصمته اللغوية بصمة تبقى حين يبهت كل شيء آخر.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

ثلاثية العمل الواعي: النية، الدور، والنتيجة

 

ثلاثية العمل الواعي: النية، الدور، والنتيجة

 




في أعماق كل ممارسة مهنية، تتشابك ثلاثة فضاءات خفية، تحكم التجربة كاملة من دون أن تظهر للعين: فضاء النية، وفضاء الدور، وفضاء النتيجة. أحيانًا تتلاقى هذه الآفاق في انسجام، فتمنح النفس طمأنينة، وأحيانًا تتباعد لتخلق حيرة، فتسائل الإنسان ذاته عن حدود السيطرة والمسؤولية. الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الطبقات، بل في محاولة إجبارها على التطابق، وفي الاعتقاد بأن أي فجوة بينها تعني إخفاقًا أو خللًا أخلاقيًا أو فشلًا مهنيًا.

 

الفضاء الداخلي، حيث تنمو النية، هو الأكثر خفاءً. هناك تتشكل الدوافع، يسكن الصدق أو يتوارى، وتُصاغ الرغبة الحقيقية في الخير والإتقان والإحسان. النية الصادقة ليست أداة للسيطرة على العالم الخارجي، بل بوصلة داخلية توجه القلب، دون أن تضمن النتائج أو تحدد استجابات الآخرين. قد تُقابل النية الطيبة بالجفاء، وقد تحمل محاولة الإصلاح آثارًا لم تُحسب، وهذا ليس خللًا فيها، بل طبيعة الواقع المعقد، حيث تتقاطع الإرادات والظروف والصدف.

 

في المستوى الوسيط، يبرز الدور، القالب الاجتماعي الذي نتحرك داخله، ما يُطلب منا أداؤه وما تُقاس به كفاءتنا. يتناغم أحيانًا مع النية، فيولد انسجامًا داخليًا، وأحيانًا يتصادم معها، فيخلق توترًا صامتًا. الدور لا يعرف مشاعرنا ولا دوافعنا، يحكم بما هو ظاهر فقط: أداء يُتقن أو يُهمل، مسؤولية تُنجز أو تُقصَّر.

 

أما النتيجة، فهي الأبعد عن السيطرة، المحصلة النهائية لتشابك أفعالنا مع تصرفات الآخرين، مع السياق والظروف والصدف. قد تجتمع النية الصادقة مع الأداء المتقن، فتأتي النتيجة بما لا نتوقع، فتثير التساؤل: أين الخطأ؟ غالبًا ليس فينا، بل في وهم الاعتقاد بأن النية والدور كافيان لصناعة النتائج. النتائج لا تعترف بالإخلاص وحده، ولا تكافئ الجهد التام تلقائيًا، بل تخضع لقوانين أوسع مما يمكن للعقل استيعابه.

 

أعمق الأزمات المهنية تنشأ حين تختلط هذه الفضاءات. حين يُحمّل الإنسان النية مسؤولية النتائج، تتوالى الخيبات. حين يربط إتقان الدور بصدق النية، يسيء الحكم على ذاته وعلى الآخرين. حين ترتبط كرامته بالنتيجة، يصبح أسيرًا لما لا يملكه. في هذا الخلط يعيش الإنسان في دائرة لوم مستمرة، لوم النفس على ما خرج عن السيطرة، وللآخرين على نوايا مجهولة، وللحياة على عدالة تتجاوز فهمه.

 

لكنه، حين يميز بين ما هو له وما ليس له، ينفتح أمامه فهم عميق. يدرك أن النية شأن داخلي، والدور شأن مهني، والنتيجة شأن كوني مشترك، لا يختزل في جهد فردي مهما بلغ صدقه وإتقانه. هذا الانفصال الواعي يحرر النفس من وهم السيطرة، ويتيح أداء الدور بإتقان لروح العمل نفسها، لا لخوف أو توقع تصفيق، ويجعل استقبال النتائج مسألة حضور واعٍ لا انكسار أو مرارة.

 

في هذا الانسجام، يصبح العمل مساحة حضور، لا ساحة إثبات، وتجربة معنى لا ميدان صراع. يتحول التقييم الداخلي إلى سؤال صامت: هل كنت صادقًا مع نفسي؟ هل أديت ما عليّ؟ هل تركت النتائج تسلك مسارها الطبيعي؟ هذا الميزان الداخلي، لا تقارير الأداء، هو الأصدق.

 

وفي لحظات الوعي، يتضح أن كثيرًا مما اعتبرناه فشلًا، كان مجرد نتيجة لعوامل خارجة عن إرادتنا، وأن ما بدا نجاحًا، كان أحيانًا محض توافق للظروف. الثبات الحقيقي هنا لا يأتي من الخارج، بل من الانسجام الداخلي بين النية والدور، مع التسليم الواعي للنتيجة.

 

الفضاءات الثلاث، وإن لم تتطابق، تتكامل. من خلطها عاش في اضطراب، ومن فصلها عاش في اتزان. ومن استطاع أن ينوي بصدق، ويؤدي دوره بإتقان، ويترك النتائج لما هو أوسع منه، فقد بلغ حرية نادرة: حرية العمل بلا خوف، والعطاء بلا قيد، والسلام بلا شروط.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

فن قول "لا": حدود تمنحك القوة والكرم الناضج

 

فن قول "لا"

 

"حدود تمنحك القوة والكرم الناضج"

 




في قلب كل علاقة مهنية ناضجة، تتكشف لحظة فاصلة، حين يتوقف الإنسان بين بذل المزيد والاكتفاء بما بُذل، بين الانفتاح الكامل على كل الطلبات، والانغلاق خلف حدود الذات. هنا يظهر الرفض كفعل وجودي رصين، لا يقل نبلًا عن العطاء، كحكمة هادئة تدرك أن الكرم الحقيقي لا يكمن في العطاء بلا سقف، بل في العطاء الواعي، العطاء الذي يعرف متى يبدأ ومتى يتوقف، متى يفيض ومتى ينحسر، كما يعرف الضوء متى ينكسر في العدسة ومتى يمر عبر كل عائق دون أن يفقد مساره.

 

يتجلى الاعتذار حين يُصاغ بوعي، كفعل احترام لا إعلان عجز. هو قول واضح يحمل معنى: "أقدّر طلبك وأحترمك، لكنني أعرف حدودي وألتزم بها". في هذا، تتحول "لا" من قطيعة إلى حوار، ومن إغلاق إلى تحديد، ومن نهاية إلى بداية تفاهم أعمق حول الممكن وغير الممكن. الرفض النبيل ليس رفضًا للآخر فحسب، بل حماية للعطاء، للحفاظ على جودته، ولتأمين استمرار القدرة على العطاء الحقيقي.

 

غواية العطاء تكمن في كونه يبدأ غالبًا كفضيلة صادقة، رغبة في المساعدة، رغبة إنسانية نقية. لكنه يتحول، دون وعي، إلى استنزاف خفي، إلى نزف بطيء للطاقة والوقت والإبداع. حين ينسى الإنسان حدود ذاته، يصبح المعطاء رهينة عطائه، ويكتشف أنه من أراد إرضاء الجميع فقد "فقد القدرة" على إرضاء نفسه. الخدمة التي تتحول إلى واجب ثقيّل تحجب الداخل، فتجعل الإنسان يقدم نفسه بلا احتفاظ، ويترك روحه عارية أمام كل طلب، بينما العطاء الواعي يحفظ الداخل حيًا.

 

حين تتراكم الطلبات الصغيرة، المهمات العابرة، المساعدات السريعة، يتحول وزن العطاء إلى حمل ثقيل ينهك الإرادة ويستنزف الروح. تتآكل طاقات الداخل تدريجيًا، ويخفت الشغف، ويصبح الإنسان خادمًا متقنًا لكنه مستنزف. الوعي بالحدود هنا هو ما يحفظ القدرة على الاستمرار، ويمنح العطاء قيمته الحقيقية، دون أن يتحول إلى تبديد مقنع.

 

المساحات التي تُترك دون تنظيم، الأدوار التي تُؤدى بلا تفكير، العطاء الذي لا يُراقب ولا يُعدّل، كلها تولّد فوضى خفية. فوضى في الأولويات، في العلاقات، في التوقعات. حين يُعطى بلا حدود، لا يُستنزف الداخل فقط، بل تتخلخل أيضًا حياة الآخرين، فتُفرض التزامات لم تُرغب، ويختلط الدعم بالتعدي غير المقصود. العطاء الحقيقي يحتاج إلى حدود، كما تحتاج التربة لدعامة تمنع جذور الشجرة من التمدد العشوائي، وكما تحتاج العدسة إلى ضبط لتجمع الضوء دون تشويش.

 

في البيئات التي تقدس العطاء غير المنضبط، يتحول العمل إلى سباق استنزاف، إلى تنافس على من يعطي أكثر، تحت شعارات التفاني والحماس، بينما تختفي الحدود بين العمل والحياة، وبين ما يجب فعله وما يمكن تأجيله أو رفضه. هنا يضيع الإبداع، وتتآكل الجودة، وينهار الإنسان تحت وطأة طلبات لا تنتهي.

 

الرفض النبيل، حين يُمارس بوعي، يصبح الحارس الذي يمنع الانزلاق، ويحمي العطاء من التحول إلى عبء. إنه الميزان الذي يحدد متى يكون العطاء بناءً ومتى يتحول إلى استنزاف، متى يكون إضافة ومتى يصبح نزفًا. من يتقن هذا الرفض، يتقن العطاء الحقيقي، ومن يحمي ذاته بحدود واعية، يحمي الآخرين أيضًا من عطاء مشوه لا يجدي.

 

الاعتذار النبيل لا يتوسل التفهم ولا يطلب الغفران، بل يقدم الاحترام، ويعطي للعلاقات مساحة للحياة. حين يعتذر المرء بصدق، فإنه يقول: "أحترمك بما يكفي لأكون صريحًا، وأقدّر علاقتنا بما يكفي لئلا أفسدها بعطاء لا أستطيع الاستمرار فيه". في هذا الفعل، تتمازج القوة مع الرحمة، والكرم مع الحكمة، وتتحول الكلمة الواعية إلى فعل يحفظ الجميع: الداخل والخارج، الذات والآخرين.

 

العطاء والرفض ليسا ضدين، بل وجهان لنضج واحد. الفضيلة تكمن في الوعي الذي يميّز، في الشجاعة التي تقول "لا" حين يجب أن تُقال، و"نعم" حين يستحق أن تُعطى. من جمع بين هاتين الشجاعتين امتلك مفتاح النضج المهني الحقيقي: أن يعطي ما يحفظه، ويرفض ما يضيّعه، وأن يجعل من حدوده نهرًا يروي الأرض، لا فيضانًا يغرقها.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الأحد، 15 فبراير 2026

هندسة الروح المهنية

 

هندسة الروح المهنية

 

"سيرة ذاتية من ضوء"

 




 

الكتابة ليست فعلًا هامشيًا في حياة المهني، ولا مجرد أداة تسجيل أو وسيلة تواصل عابرة. الكتابة، في جوهرها الأعمق، هي فعل بناء، وهندسة متواصلة للذات، وصناعة واعية للصورة التي نتركها في وعي الآخرين. كما يبني المهندس بيته حجرًا فوق حجر، بحساب ورؤية ودقة، تبني أنت ذاتك المهنية كلمة بعد كلمة، بوعي وإرادة وتبصر. كل رسالة تكتبها هي لبنة في هذا البناء، وكل تقرير تنجزه غرفة جديدة فيه، وكل عرض تقدمه واجهة تعكس للعالم من تكون، لا كما تقول عن نفسك، بل كما تُرى في أثرك.

 

الهوية المهنية لا تُمنح، ولا تُولد جاهزة، ولا تُختصر في مسمى وظيفي أو بطاقة تعريف. إنها بناء تراكمي، هندسة معقدة تتطلب أن تكون في الوقت نفسه المهندس، والبنّاء، والمواد الخام. في كل مرة تكتب، أنت تختار أي جزء منك يظهر، وأي صوت يُسمع، وأي ملامح تُقدَّم. الكلمات التي تنتقيها، والتراكيب التي تصوغها، والنبرة التي تعتمدها، كلها عناصر معمارية تشكل التصور الذي يبنيه الآخرون عنك. من يكتب بوعي، يبني وعيه، ومن يكتب بإهمال، يكرّس هذا الإهمال، ومن يكتب بجمال، يترك أثرًا جميلاً قابلاً للبقاء.

 

وفي زحام المهام اليومية، حيث تتدفق الرسائل بلا توقف، وتتراكم التقارير كما تتساقط أوراق الخريف، تأتي الكتابة الواعية كفعل مقاومة، كطوق نجاة من الغرق في آلية التكرار. حين تكتب بتأنٍ، وتمنح كل كلمة وزنها، وكل جملة مقصدها، فإنك تنتشل نفسك من دوامة الأداء الآلي، وتعيد وصل العمل بالمعنى. الرسالة الواحدة، حين تُكتب بوعي، تتحول من إجراء عابر إلى حدث له أثر، ومن تواصل لحظي إلى بصمة تستقر في ذاكرة المتلقي.

 

الكتابة تحمينا من التحول إلى آلات تؤدي مهامها ثم تنطفئ. في فعل الكتابة نستعيد إنسانيتنا، ونؤكد أننا لسنا مجرد نقاط في شبكة تبادل معلومات، بل كائنات مفكرة، قادرة على التأمل والتحليل والتركيب. حين نكتب، نمنح أنفسنا فرصة للتوقف، للسؤال، لإعادة الترتيب الداخلي: ماذا أريد أن أقول؟ كيف أريد أن أؤثر؟ وما القيمة التي أضيفها بهذه الكلمات؟ هذه الأسئلة وحدها كفيلة بإخراجنا من مستنقع الآلية، وإعادتنا إلى فضاء المعنى، حيث تكون الكتابة فعلًا إنسانيًا مكتملًا.

 

البيان الجيد ليس مجرد صياغة متقنة، بل هو بصمة شخصية، توقيع لا يشبه إلا صاحبه. كما يحمل خط اليد ملامح كاتبه، يحمل البيان المهني ملامح العقل والقيم والخيارات. في بيئات العمل التنافسية، حيث تتشابه الشهادات وتتقارب الخبرات، تصبح الكتابة هي الفارق الحقيقي، ما يجعل اسمك يُتذكر، وصوتك يُستدعى، وحضورك يُختار. الجودة في التعبير ليست ترفًا لغويًا، بل استثمارًا استراتيجيًا في الذات، بناءً طويل الأمد لهوية لا تبهت مع الزمن.

 

العلاقة بين الكتابة وصقل الشخصية علاقة تبادلية عميقة، تشبه علاقة النهر بصخره؛ يحفره فيتشكل مجراه، ويتشكل به فيزداد عمقًا. كلما كتبت بانتباه، صقلت ذاتك المهنية، وكلما نضجت هذه الذات، ازدادت كتابتك كثافة وصدقًا. في هذه الدائرة الحميمة، تذوب الحدود بين الكاتب وما يكتب، ليصير البيان مرآة شفافة تعكس الروح كما هي، بلا أقنعة ولا ادعاء.

 

الكتابة الواعية تمنح أبسط الممارسات المهنية وزنًا فلسفيًا. حين تكتب رسالة إلكترونية بعناية، فأنت لا تنقل معلومة فحسب، بل تعلن فلسفتك في التواصل، واحترامك لوقت الآخر، وإيمانك بالوضوح. حين تكتب تقريرًا بإتقان، فأنت لا تنجز مهمة فقط، بل تقدم رؤيتك للعالم، وتفسيرك للواقع، ومنهجك في الفهم. وحين تصوغ عرضًا مقنعًا، فأنت لا تروج فكرة، بل تشارك في خلق معنى جديد، وفي بناء واقع لم يكن موجودًا من قبل.

 

الكتابة في العمل ليست كمالية، ولا فعلًا يأتي بعد إنجاز "المهم". هي المهمة ذاتها، لأنها الوسيلة التي نصوغ بها تجربتنا، ونحوّل بها الجهد إلى أثر، والعمل إلى معنى. ما لا يُكتب يظل ناقصًا، عابرًا، هشًا، وبلا أثر. وما يُكتب بوعي يصبح مرئيًا، قابلًا للنقاش، حيًّا وقادرًا على الاستمرار. الكتابة ليست توثيقًا للإنجاز، بل اكتماله.

 

من يكتب بإتقان، يبني ذاتًا مهنية قادرة على المنافسة، وعلى الصمود، وعلى التجدد. في عالم سريع التغير، تبقى الكتابة مساحة ثابتة من المعنى، وبوصلة في زمن التشتت، وصوتًا داخليًا يذكرك بمن تكون، حتى في أكثر لحظات العمل ضغطًا واضطرابًا. اكتب بوعي، واجعل من كتابتك بصمتك التي تبقى، ومن حرفك أثرًا لا يزول. فالذات المهنية الحقيقية لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالكلمات التي تمنح هذه الأرقام روحًا، وبالحروف التي تحول العمل اليومي إلى سردية ذات معنى… وربما إلى قصيدة لا تنتهي.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

بقايا المخاض

 

بقايا المخاض

 

"شظايا الخروج الأول"

 




هناك صمت يسبق كل بداية، صمت ليس فراغًا إنما امتلاءً مؤجلًا، يشبه تلك اليد التي تتردد طويلًا قبل أن تلامس سطح الماء، خوفًا من أن تكسر سكونه. في هذا الفضاء المعلّق بين العدم والوجود، لا تبدأ الولادة كضجة، بل كهمس داخلي، كنحت بطيء في صلابة المجهول. كنت أظن أن الولادة صرخة تشق العالم، فإذا بي أكتشف أن الولادات الأعمق تتم في الصمت، في تلك اللحظة التي ينفصل فيها كيان عن كيان، كما تنفصل قطرة ندى عن حافة ورقة، دون شاهد، دون تصفيق، ودون أثر مرئي.

 

الولادة لا تترك آثارها على الجسد وحده، بل تنقش ندوبها الأعمق في الروح. هناك بقايا خفية، تشبه بصمات الماء على الرمل بعد انحسار الموج، لا تُرى لكنها لا تزول. كل إنسان يحمل في داخله شظايا خروجه الأول، ندوبًا روحية لا تُلتقط بالعين، لكنها تحدد اتجاهات حياته كما تحدد الصدوع القديمة مسارات الأنهار. ليست كل الجراح مما يجب أن يلتئم؛ بعضها يلتئم ليصير نافذة، وبعضها يتحول إلى عين ثانية ترى بها الروح ما تعجز عنه الحواس.

 

تخيّل أن الولادة الأولى لا تنتهي أبدًا، وأنها تعود لتتكرر كلما اقتربنا من حافة جديدة. في كل خروج من يقين إلى تساؤل، في كل انتقال من عتمة إلى ضوء، نعيد تمثيل ذلك المخاض القديم. نخلع جلدًا ونرتدي آخر، ونحمل معنا بقايا كل الولادات السابقة، تلك الندوب التي لا تثقلنا إنما تمنحنا عمقًا، كأنها نجوم صغيرة في سماء الذاكرة، تهدينا الطريق في ليالي الخوف والوحدة. ما أبهى أن نكون كائنات لا تكتمل، تولد نفسها مرارًا، وتعيش في مخاض دائم، كما تولد الشمس كل صباح من رحم الليل.

 

الضوء الأول الذي يلامس العينين ليس مجرد انتقال بصري، هو سؤال وجودي يقتحم الروح بلا استئذان. كل ضوء لاحق ليس إلا محاولة متكررة للإجابة عن ذلك السؤال الأول. يدخل النور فجأة، كغريب لا يعرف قوانين البيت، وتبقى الروح طوال العمر مشدودة إلى تلك العتمة الرحمية، إلى ذلك الفضاء السائل حيث كان الوجود ممكنًا دون وعي، ودون فواصل. لعل الحنين، في جوهره الأعمق، ليس حنينًا إلى زمن أو مكان، بل شوقًا إلى تلك الحالة الأولى، إلى أن نكون جزءًا من كلٍّ بلا انفصال.

 

لكن الخروج لا رجعة فيه. ما إن نرى النور حتى تُدفن العتمة في طبقات الذاكرة الجسدية، هناك حيث لا تصل اللغة. الجسد يتذكر ما تنساه الروح، يحتفظ بانحناءاته الأولى، بذلك الوضع الجنيني الذي نعود إليه في النوم والضعف، وكأننا نحاول الرجوع إلى نقطة البداية، إلى اللحظة التي كان فيها العالم كله محصورًا في نبض واحد، وفي أمان مطلق لا سؤال فيه.

 

نحن لا نولد مرة واحدة. نولد في كل قرار مصيري، في كل حب يغيّر شكلنا، في كل موت صغير يسبق بعثًا جديدًا. كل ولادة تحمل أثر ما قبلها، وكل خروج جديد يستدعي مخاضًا قديمًا. هذه الندوب لا تشوهنا، إنها تصنع طبقاتنا، تجعلنا كالصخر الرسوبي، نحمل في أجسادنا وأرواحنا ذاكرة الزمن، ونصير أكثر عمقًا كلما طال الطريق.

 

في صمت المساء، حين تخفت الأصوات وتذوب الأضواء، أعود بتأملي إلى تلك اللحظة الأولى التي لا تُستعاد. أسأل دون انتظار جواب: هل اختارت الروح هذا الجسد؟ أم قُذفت به إلى الوجود كما تُلقى البذرة في تربة لا تعرفها؟ ربما كانت الولادة اتفاقًا صامتًا، تعاقدًا غير مكتوب بين الروح والجسد، على أن يخوضا معًا ثقل الأيام وخفة اللحظات، على أن يبقيا متلازمين حتى يحين موعد الانفصال التالي.

 

يبقى الجسد شاهدًا صامتًا على تلك البداية، في انحناءات العمود الفقري، في إيقاع القلب، في ذاكرة الخلايا. أما الروح، فتحمل بقايا أخرى، لا تظهر إلا في لحظات الصفاء الخالص، حين نسكن إلى أنفسنا ونقترب من أسئلتنا الكبرى. في تلك اللحظات نشعر بخيط دقيق يشدنا إلى حافة العدم والوجود، فنرتجف بين عالمين، كما ارتجفنا أول مرة.

 

الولادة الهادئة لا تعني ولادة بلا ألم، هي ولادة يتحول فيها الألم إلى وعي، والصراخ إلى صمت كثيف. هي ولادة لا يشهدها أحد، تتم في عزلة مقدسة، حيث يواجه الكائن مصيره الأبدي: أن يُلقى في الوجود دون استئذان، ثم يُترك ليجيب وحده عن سؤال الحياة. في هذا الصمت تتشكل البذور الأولى للذات، وتنغرس الجذور العميقة للروح.

 

وما زلت أتأمل تلك البقايا، تلك الندوب التي تشبه أثر الضوء على العين بعد انطفائه. أتأمل كيف صارت جزءًا من هويتي، وكيف تحولت من جراح إلى نوافذ. ربما لم يكن معنى الحياة في تفادي الندوب، بل في تحويلها إلى جمال، وفي أن نجعل من كل ولادة قصة تستحق أن تُروى. أن نظل قادرين على الخروج من عتماتنا المتعددة إلى أنوارنا المتجددة، حاملين معنا بقايا كل تلك الولادات، كما يحمل المسافر كنوزه الخفية في رحلة لا تنتهي.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

بصمة من ضوء

 

بصمة من ضوء

 

"حين يصير البيان أثرًا لا يزول"

 




ليس البيان مجرد كلمات نلقيها في فضاء العمل، ولا هو تواصل عابر بين ذات وأخرى. البيان، في هذا المقام، بصمة روحية في صلادة الواقع، شهادة مكتوبة على أنك كنت هنا، وأنك لم تمر مرور الخفيف، تركت أثرًا يشبه الضوء على الماء، وحاضرًا وإن غاب صاحبه.

 

هو المرآة التي ترى فيها ذاتك المهنية مكتملة. في غيابه، يظل الإنسان ظلًا هلاميًا، حضورًا مشروطًا بتقديرات الآخرين، وجودًا معلقًا لا يستقر. أما به، فيتحول إلى كيان ملموس، فكرة لها حدود، ورؤية لها ملامح. إنه كالنحت في الصخر؛ كل جملة تزيل فائض الغموض، وكل فكرة تكشف طبقة أعمق من اليقين، حتى يظهر الوجه الحقيقي للذات المهنية، وتتشكل هوية لا تخطئها العين.

 

ومن هنا يتجاوز الأمر حدود الوصف إلى ما هو أعمق… ليس وصفًا لما تفعل؛ إنه إعلان عمّا تكون. في بيانك تختصر نفسك دون أن تبتذلها، تضع خلاصة تجربتك بين يدي الآخرين، لا لتطلب اعترافهم، بل لتمنحهم مفتاح الفهم. وكما يرى النحات أن تمثاله روح متحررة من فائض المادة، ترى أنت أن كلماتك ذات متجلية في حروفها. كل رسالة تكتبها امتداد لك، وكل تقرير تنجزه جزء من هويتك، ومن يقرأ ما تكتب بإنصات، يقرأك أنت: تاريخك المهني، فلسفتك في العمل، طريقتك في رؤية العالم.

 

في صخب المهام اليومية، حيث تتراكم الأرقام كالرمل وتزدحم التفاصيل كأوراق الخريف، يأتي البيان ليصنع فسحة للمعنى. يذكرنا بأن العمل ليس تنفيذًا آليًا للمطلوب، وإنما تجسيد للذات، وإعلان هادئ عن الوجود. حين تكتب كلمة واضحة، أنت لا تنقل معلومات فحسب، تنقل جزءًا من روحك، تمنح المتلقي فرصة أن يرى العالم بعينيك، ويفهم منطقك، ويقترب من طريقتك في التفكير. في هذا الانتقال، يتحول العمل من علاقة وظيفية باردة إلى حوار وجودي دافئ، ومن أداء منفصل إلى بناء مشترك للمعنى.

 

سلطة الكلمة في العمل ليست سلطة الأمر، إنما هي سلطة البيان والوضوح. حين تصوغ فكرتك بدقة، وتعرض رؤيتك بثبات، تمارس أعمق أشكال السلطة: سلطة الإقناع، سلطة الحضور الذهني، سلطة الوضوح الذي لا يترك فراغًا للتأويل. هذه السلطة لا تُمنح بقرار إداري، بل تُكتسب بالبيان، وتُبنى كلمة بعد كلمة، كما يبني النور طريقه في العتمة، خطوة بعد خطوة، بثبات لا يحتاج إلى صخب.

 

البيان القوي لا يحتاج إلى مبالغة. قوته في وضوحه، وعمقه في دقته، وأثره في صدقه. يترك أثره في القارئ كما تترك البصمة في الرمل، بهدوء، بثقة، بيقين أنها ستبقى ولو بعد حين. هنا تتحقق مفارقة البيان: أن تكون قويًا دون أن ترفع صوتك، أن تكون حاضرًا دون أن تزاحم، أن تكون مؤثرًا دون أن تتسلط. إنها قوة الضوء؛ لا يعلن عن نفسه، لكنه يكشف كل شيء.

 

في بيئات العمل التي تقدّس الأرقام، يأتي البيان ليذكرنا بالبعد النوعي للوجود المهني. الأرقام تخبرنا بكم أنجزنا، والبيان يخبرنا من كنا ونحن ننجز. الأرقام تقيس الكم، والبيان يكشف الكيف. الأرقام تسجل النتائج، والبيان يروي القصة. وبين هذا وذاك، يتشكل الإنسان المهني ككائن متكامل، لا يكتفي بالإنتاج، ويسائل معناه: ماذا يعني ما أنجزه؟ كيف يعبر عني؟ كيف يساهم في بناء معنى جماعي أوسع؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها جدول بيانات، البيان وحده من يجيب.

 

أن تجعل من البيان فعل وجود يعني ألا تترك أثرك للمصادفة، بل تصنعه بوعي وإرادة. لا تنتظر أن يكتشف الآخرون قيمتك، بل تقدمها بوضوح، تضعها حيث يمكن رؤيتها. هذا ليس غرورًا؛ إنه أمانة المهنة، مسؤولية من يملك رؤية. فالصمت في غير موضعه ليس تواضعًا، وإنما تقصير في حق الفكرة. والقائد الحقيقي من يعرف متى يتكلم، وكيف يصوغ كلمته، ليكون بيانه كالمنارة، لا تصخب لكنها تهدي السفن في عتمة البحر.

 

ليس هامشًا فكريًا، هو مركز الثقل في العمل. به تتجلى الذات، وبه ينتقل العمل من الأداء الآلي إلى الإبداع الواعي. من أتقن بيانه، أتقن وجوده المهني، ومن أهمله ظل حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه، موجودًا في المكان، مفقودًا في المعنى.

 

فليكن بيانك كالنقش في الحجر، لا تمحوه الأيام، وكالضوء في الماء، يبقى أثره بعد أن يغيب صاحبه. فبعض الحضور لا يحتاج إلى جسد، يكفيه بيان… وبعض الخلود لا يحتاج إلى عمر، يكفيه كلمة. 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

السبت، 14 فبراير 2026

سكينة لا تستسلم

 

سكينة لا تستسلم

 

"قوة لا تصرخ ولا تنكسر"

 


 


في زمن يقدس الضجيج ويعبد الصخب، تظهر السكينة كفضيلة منسية، كجوهرة في قاع بحر هائج. لكن السكينة التي أعنيها ليست سكينة المستسلمين، ليست هدوء المنهزمين الذين ألقوا أسلحتهم واكتفوا بالتفرج على الحياة من نوافذ العجز. إنها سكينة مختلفة، سكينة تحمل في أحشائها صرامة الجبال، سكينة تشبه المحيط الهادئ ظاهريًا، لكن في أعماقه تيارات جارفة، طاقة هائلة لا ترى بالعين المجردة. هذا هو بارادوكس القوة الحقيقية: أن تكون هادئًا كبحيرة وأن تحمل في داخلك شلالات من الإرادة، أن تصمت وفي صمتك أعظم الكلمات.

 

السكينة الواعية ليست فراغًا، ليست غيابًا، ليست انعدامًا. إنها حضور بكيفية أخرى، حضور يتجاوز حدود الكلام والحواس. هي الفراغ الذي يمتلئ بالمعنى، الصمت الذي يصير أبلغ من أي خطاب. في هذا الفراغ الممتلئ، تتسع الروح لاستيعاب الأضداد، تجمع بين القوة واللين، بين الثبات والمرونة، بين الصمود والانحناءة الواعية. الفراغ هنا ليس نقصًا، بل هو سعة، هو المساحة التي تتيح للوجود أن يتمدد، هو الرحم الذي يولد فيه المعنى من جديد كل لحظة. حين يمتلئ الفراغ بهذا النوع من السكينة، يصير كل شيء فيه ناطقًا، الجدران تتكلم، الصخور تهمس، الظلال تروي حكاياتها القديمة.

 

أتأمل تلك المرأة التي تجلس وحدها في مقهى مزدحم، لا تنظر إلى أحد، لا تتحدث مع أحد، لكن حضورها يملأ المكان. من حولها ضجيج الأصوات، صخب الأكواب، ثرثرة الناس، وهي في وسط هذا كله، جزيرة هادئة، محيط ساكن. ليست منعزلة عن العالم، بل هي في العالم بطريقة أخرى، تحمل صمتها كدرع، تحمل هدوئها كسيف، ترفض أن تساهم في ضجيج العصر، ترفض أن تصبح جزءًا من الطنين الكوني الذي يخفي الفراغ الحقيقي تحت ستار الامتلاء الزائف. في رفضها هذا قوة هائلة، قوة لا تحتاج إلى إعلان، قوة تكتفي بأن تكون، تكتفي بأن توجد، تكتفي بأن تمارس فعل الوجود الأعمق.

 

السكينة التي لا تستسلم هي فعل مقاومة بامتياز. إنها مقاومة لا تحتاج إلى منشورات ولا خطابات، مقاومة تتحقق في الصمت كما تتحقق الثورة في العقول قبل الشوارع. في عصر يريدك أن تصرخ لتثبت وجودك، أن تعلن لتثبت انتماءك، أن تشارك في الضجيج الجماعي لتكون جزءًا من الجماعة، يأتي فعل الصمت كتمرد وجودي، كرفض عميق لكل أشكال الاستلاب. هذه السكينة تقول: لن أكون كما تريدون، لن أتكلم لأن الكلام صار مبتذلًا، لن أصرخ لأن الصراخ صار موضة، سأبقى هنا، هادئة، ممتلئة، حاضرة، وسيكون حضوري وحده كافيًا لإرباك كل حساباتكم.

 

في تاريخ البشرية، كانت أعظم القوى هي الأكثر صمتًا. الجبال لا تصرخ لتدل على عظمتها، المحيطات لا تعلن عن عمقها، النجوم لا تذيع أخبار وجودها. الوجود العظيم يكتفي بأن يكون، وفي كونه هذا أكبر رسالة، أبلغ كلام، أعظم إعلان. كذلك هي السكينة التي لا تستسلم، تكتفي بأن تكون، وفي كونها هذا تزلزل أركان الضجيج المزيف، تكشف هشاشة الصخب، تفضح فراغ الامتلاءات الوهمية. حين تمر العاصفة، تبقى الجبال صامتة، لا تعلق على ما فعلته بها الريح، لا تشكو ما أحدثته فيها الأمطار، تبقى هناك، صامدة، تصمت، وفي صمتها تنتصر.

 

الصلابة الداخلية لا تعني الجمود، لا تعني التحجر، لا تعني فقدان القدرة على التأثر والتأثير. إنها صلابة تشبه صلابة الخيزران، ينحني للريح لكنه لا ينكسر، يلامس الأرض لكنه لا يفقد اتزانه، يهتز مع العاصفة لكن جذوره في العمق ثابتة. هذه الصلابة تجعل السكينة ممكنة، تجعل الصمت محتملًا، تجعل الهدوء فعلًا لا استسلامًا. حين تمتلك هذه الصلابة، يمكنك أن تصمت وأعداؤك يظنونك ضعيفًا، ثم يكتشفون أن صمتك كان أقوى من كل صراخهم، أن هدوءك كان أشد من كل جنونهم، أن سكينتك كانت الجدار الذي تحطمت عليه كل موجات ضجيجهم.

 

الفراغ الممتلئ يشبه الليل، يبدو فارغًا لمن لا يعرف القراءة في النجوم، لكن العارفين يجدون فيه ألف كتاب مكتوب بنور. السكينة كذلك، تبدو لمن لا يفهمها مجرد غياب، مجرد انقطاع، مجرد لاشيء. لكن لمن يعيشها، لمن يسكنها، لمن يصير هي، هي الامتلاء الأقصى، هي الحضور الأكمل، هي الوجود في أسمى تجلياته. في هذه السكينة، تسمع صوت ذاتك بوضوح لم تسمعه من قبل، ترى العالم كما لم تره، تدرك المعاني التي كانت تختبئ خلف ضجيج الحياة اليومية. تصير مثل البحيرة التي تعكس السماء، هادئة لكنها تحمل في أعماقها كل النجوم، ساكنة لكنها تحتضن كل الحركة الكونية.

 

أتعلم من هذه السكينة أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إثبات. من يمتلك القوة الحقيقية لا يهدرها في صراخ، لا يبذرها في جدال، لا يضيعها في محاولات إقناع الآخرين بوجوده. القوة الحقيقية تكتفي بأن تظهر في اللحظة المناسبة، كما يظهر القمر في ليلة مظلمة، بلا ضجة، بلا إنذار، فقط يكون هناك، فيملأ الكون نورًا. هكذا هي السكينة التي لا تستسلم، تظهر حين تظن الأصوات الصاخبة أنها انتصرت، لتقول إن الصمت أبقى من كل صوت، إن الهدوء أعمق من كل ضجيج، إن السكون أبلغ من كل حركة.

 

في زمن الخوف، تختار هذه السكينة ألا تخاف.

في زمن القلق، تختار ألا تقلق.

في زمن التشتت، تختار أن تتمركز حول ذاتها.

ليس هذا هروبًا من الواقع، بل مواجهة بطريقة أخرى، مواجهة من الداخل، مواجهة لا تحتاج إلى سلاح إلا الوعي، لا تحتاج إلى درع إلا الصفاء، لا تحتاج إلى معسكر إلا الروح. إنها مقاومة لا تراها العيون لكنها تترك آثارها في عمق الوجود، كما تترك الريح آثارها في تشكيل الجبال، ببطء، بصبر، بصمت، لكن بيقين لا يخطئ.

 

السكينة الواعية تمارس فعل الرفض الهادئ كل يوم. ترفض أن تجري وراء السراب، ترفض أن تلهث خلف الأوهام، ترفض أن تبيع نفسها بثمن بخس. في هذا الرفض اليومي، تتجلى عظمتها، تتجلى حريتها، تتجلى إنسانيتها. هي حرة لأنها لا تحتاج إلى ما يملأ فراغها، قوية لأنها لا تخاف من الوحدة، غنية لأنها اكتشفت أن أغنى كنوز العالم هو هذا الصمت الداخلي، هذه السكينة التي لا تُشترى ولا تُباع، هذه الهبة التي لا تمنح إلا لمن يستحقها بصبره وتأمله وإيمانه العميق بالوجود.

 

وأخيرًا، أكتشف أن السكينة التي لا تستسلم هي الوجه الآخر للحب.

الحب الحقيقي لا يصخب، لا يصرخ، لا يعلن عن نفسه في الميادين.

الحب الحقيقي يسكن في الصمت، ينمو في الهدوء، يزدهر في السكينة. حين تحب حقًا، لا تحتاج إلى أن تقول، يكفي أن تكون، يكفي أن تحمل هذا الحب في داخلك كجوهرة ثمينة، تضيء بها ظلمة وجودك، تدفئ بها برودة أيامك. في هذا الحب الصامت، تتحقق السكينة التي لا تستسلم، تتحقق القوة التي لا تحتاج إلى عضلات، تتحقق المقاومة التي لا تحتاج إلى أسلحة. إنها سكينة تشبه سكينة الأرض وهي تحتضن البذور في شتاء طويل، تعرف أن الربيع آتٍ، تعرف أن الاخضرار قادم، فتصبر، وتصمت، ولا تستسلم.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

كرامة الخدمة

 

كرامة الخدمة

 

"كيف يحفظ العطاء كرامة الذات"

 




تنهض الخدمة كعلاقة وجودية معقدة بين الإنسان ودوره، بين ما يُنتظر منه وما يختار أن يكونه، بين ما يمنحه العالم وما يمنحه هو لنفسه. ككل علاقة عميقة، تحمل احتمالين متناقضين: أن توسع الروح أو أن تستهلكها بصمت. الفارق لا تحدده الخدمة نفسها، بل الوعي المصاحب لها، والمسافة التي يحسن ضبطها بين الهوية الإنسانية والدور، والقدرة الدقيقة على أن يُقدّم الإنسان دون أن يُستعبد.

 

في البداية، يبدو العطاء مجرد تفانٍ صادق ورغبة في الخير، لكنه يخفي فخًّا خفيفًا: غياب السؤال الجوهري عن الذات خارج الدور. حين لا يُطرح هذا السؤال، يبدأ الذوبان البطيء، ويصبح الإنسان ما يؤديه لا ما هو عليه، مرآة لتوقعات الآخرين، بلا وجه يميزه. تتحول الخدمة من فعل إنساني حر إلى ثوب يُلبس على الجسد، ثقيل لكنه شفاف، يثقل الروح أكثر من أي قيد ظاهر.

 

الضريبة تُستقطع يومًا بعد يوم من رصيد الداخل، تتسلل بصمت حتى يخف الحماس، ويتآكل الشغف. يكتشف المرء أنه أعطى أكثر مما يملك، واستنزف موارده دون تعويض، فصار خادمًا متقنًا لكنه مُنهك. الخدمة بلا وعي لا تُنمّي، بل تُفرغ، لا تُغني، بل تُفقِر.

 

الوعي بالمسافة بين الدور والذات هو ما يمنح الخدمة شكلها الناضج. كالممثل الذي يغوص في شخصيته دون أن يزرعها في جلده، يعرف متى يرتدي القناع ومتى يخلعه، ويعي أن العرض مهما بلغ العمق، له نهاية يعود بعدها إلى ذاته. هكذا تكون الخدمة المهنية: حضور كامل، أداء صادق، التزام عميق، مع إدراك دائم أن الدور أداة تُستخدم ولا يُسلم لها زمام الهوية.

 

في هذا الفضاء، تتحرر الخدمة من الإكراه إلى اختيار واعٍ، تتحول من واجب ثقيل إلى عطاء مقصود، ومن دور يختزل الإنسان إلى دور يعبر عنه دون أن يلتهمه. شجاعة الانسحاب من الأدوار التي لا تثري هي من أندر أشكال الشجاعة، ليس هروبًا ولا ضعفًا، بل وعيًا بأن بعض الأدوار تستهلك أكثر مما تمنح، وأن بعض الخدمات تشوه الداخل بدل أن تبنيه.

 

التمييز بين الدور المغذي والدور المستنزف لا يُقاس بمعايير خارجية، بل ببوصلة داخلية دقيقة: ما يوسع الأفق ويوقظ الطاقات ويمنح شعورًا بالامتلاء رغم التعب، هو الدور المغذي؛ وما يتركك فارغًا ومنهكًا رغم النجاح الظاهر، هو الدور المستنزف. كرامة التخصص تكمن في القدرة على الاختيار، على أن تعرف أين تضع طاقتك، وأين تقول "لا"، وأي خدمة تنسجم مع قيمك وهويتك المهنية. حماية هذه الكرامة ليست ترفًا، بل ضرورة تحمي جودة العطاء وتحفظ احترام الذات وتضمن الاستدامة.

 

حين يستقر المرء في هذه المسافة الواعية، يظهر السؤال الفاصل: من أكون خارج هذه الأدوار؟ إن كانت الإجابة امتلاءً حقيقيًا، فهناك النجاة؛ وإن كانت خواءً، فالذوبان قد بدأ. الخدمة الواعية تنبع من ذات مستقرة، تمنح الدور معناه من دون أن تتسلمه، تعطي من ملكتها الداخلية، لا من فراغها. ومن بلغ هذه المرتبة، أدرك أن أعظم خدمة يقدمها للآخرين هي الحفاظ على ذاته حية، لأن الذات المستنزفة لا تُنقذ أحدًا، والروح الفارغة لا تمنح إلا الفراغ.

 

فليكن عطاؤك كالنهر، يمنح الحياة دون أن يجف، ويبقى نهرًا بعد أن يرتوي الجميع. فالخدمة التي تحفظ كرامتك هي وحدها التي تستحق أن تُسمى عطاء.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

مرايا المعنى

 

مرايا المعنى

 

"كيف نحمي المعنى ونظل إنسانيين"

 




المعنى في العمل ليس زينة على الجدران، ولا شعارًا نردده في الاجتماعات، ولا قيمة نظرية تُدرج في أدلة المؤسسات ثم تُنسى عند أول اختبار حقيقي. إنه النبض الخفي الذي يمنح الفعل المهني روحه، ما يجعل ما ننجزه حيًّا لا آليًا، وما نؤديه طقسًا إنسانيًا لا مجرد حركة متكررة. لكن المفارقة تظهر حين نقرر حماية هذا المعنى بشدة، حين نبنيه بأسوار ونقبض عليه بصرامة، فنكتشف أننا في محاولتنا لحراسته بدأنا نفقده، وأن الدفاع عنه قد يحوّلنا تدريجيًا إلى نسخ جامدة منه بدل أن نجسده حيًا.

 

التحدي الحقيقي ليس امتلاك القيم فحسب، بل معرفة كيفية حملها. بين المبادئ والروح مسافة دقيقة يصعب السير فيها دون تعثر: فالمبادئ تمنح الاتجاه والثبات، لكنها إن تُركت بلا روح تحولت إلى صخور باردة، والروح تمنح الدفء والمرونة، لكنها إن انفصلت عن المبادئ ضاعت في الضباب. المهني الواعي يمشي على هذا الحد الفاصل، يعرف أن التصلب باسم القيم يسلبه إنسانيته، وأن الانصهار باسم التعاطف قد يضيّع بوصلته، فيسعى إلى النقطة النادرة التي تتقاطع فيها الصلابة الداخلية مع الليونة الخارجية، حيث تكون المبادئ حاضرة بلا قسوة، والإنسانية قائمة بلا تسيب.

 

المعنى غالبًا لا يتآكل في البيئات المعادية صراحة، بل في تلك التي تضغط عليه باستمرار، فتتحول حراسته إلى استنزاف يومي، إلى معركة طويلة تستنزف الروح. ومع الوقت، يبدأ حامل المعنى بالتشبه بما يقاومه: يصير قاسيًا لحماية القيم، باردًا ليمنع الاختراق، صامتًا ليصمد. وهنا تقع الخسارة الكبرى: أن نفقد إنسانيتنا ونحن نرفع راية القيم الإنسانية، وأن نصبح نسخًا جامدة من ما نحميه.

 

القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الجمع بين الثبات والمرونة، لا في الصلابة المجردة. المرونة الواعية هي ما يجعل حماية الجوهر ممكنة: انحناءٌ يحمي الجوهر بدل أن يفرغه، ليونةٌ ذكية تحافظ على معنى العمل حيًا بدل أن تجعله مجرد احتفاظ شكلي بالمبادئ. الدفاع عن المعنى ليس فعلًا قتاليًا أو عدوانيًا، بل ممارسة وجودية يومية، تبدأ من الداخل قبل الخارج، من مساحة صمت يتصل فيها الإنسان بجذوره، يستعيد سبب انخراطه في العمل ويجدد اتصاله بروحه قبل أي معركة خارجية.

 

اللين مع الآخرين لا يعني التنازل عن المبادئ، بل اختبارها الحقيقي. المبادئ الميتة تتحول إلى أدوات إقصاء وجدران عازلة، أما المبادئ الحية فهي ما يتحول إلى فهم وتعاطف، وقدرة على الإصغاء دون الذوبان. رؤية العالم بعيون الآخرين لا تزيل رؤيتك، بل توسعها. احترام معاني غيرك لا يقلل من معناك، بل يعرّفك على وجوه مختلفة للمعنى نفسه.

 

البقاء إنسانيًا في بيئات العمل القاسية يتطلب وعيًا متقدمًا، معرفة متى تصمد ومتى تتكيف، متى تقترب ومتى تبتعد. إنسانية العمل ليست حالة ثابتة نبلغها ثم نرتاح، بل ممارسة يومية متجددة، اختيار متكرر، جهد صغير لكنه حاسم. الحفاظ على الإنسانية يصبح هنا أعلى المعايير، القيمة التي تُقاس بها كل القيم الأخرى.

 

حماية المعنى دون فقدان الإنسانية تعني القدرة على الشعور أثناء الدفاع، وعلى الرحمة أثناء الحماية، وعلى الحب أثناء خوض الصراعات. تعني ألا نصبح نسخة من خصومنا، ولا نبيع روحنا مقابل انتصار شكلي للمبادئ. المعنى الحقيقي ليس شيئًا نملكه فنحرسه، بل حالة نعيشها فنصبح بها أكثر اتساعًا، وأكثر قربًا، وأكثر إنسانية.

 

تبقى الحقيقة الأوضح: المعنى الذي يقتل الإنسانية لا يستحق الحماية، والقيم التي تعزلنا عن البشر تحتاج إلى مراجعة، لا إلى تحصين. الانتصار الحقيقي ليس في أن تنتصر مبادئنا على الناس، بل أن تنتصر إنسانيتنا على كل ما يحاول تجفيفها، حتى وإن جاء ذلك باسم القيم نفسها.

 

فليكن معناك... شمسٌ تمنح الدفء دون أن تحرق، وتنير الدروب دون أن تفنى. فالقيم التي تبقى إنسانية هي وحدها التي تستحق أن تُحرس.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

انحناءات الضوء

  انحناءات الضوء   "كيف يتعلم الجسد والروح الرؤية"     لم يُخلق الانكسار بعد، فقط الانحناء كان حاضرًا… كضوء يلتف حول كل عق...