حين
لا يكون هناك أحد
"وهم
صنعناه… ثم خفنا منه"
لم يخبرني أحد أن هناك عينًا تراقبني.
أنا من اخترعها.
في البداية كانت صغيرة؛
إحساسًا عابرًا بأن هناك من قد يلاحظ،
من قد يعلّق،
من قد يفسّر ما أفعل بطريقته.
لم يكن الأمر واضحًا،
لكنه كان كافيًا لأعدّل حركة،
أؤجل كلمة،
أختار نسخة “أكثر قبولًا” مما أردت قوله.
ثم كبرت.
لم تعد احتمالًا،
بل حضورًا دائمًا.
عين بلا وجه، بلا اسم، بلا ملامح…
لكنها موجودة في كل زاوية.
في صمتي، في كلامي، في اختياراتي الصغيرة قبل الكبيرة.
عين لا تنام،
لأنني أنا من يبقيها مستيقظة.
شيئًا فشيئًا،
لم أعد أفعل الأشياء لأنني أريدها،
بل لأنني أستطيع تبريرها أمام تلك العين.
أصبحت حياتي عرضًا متواصلًا،
حتى في اللحظات التي لا يوجد فيها أحد.
والغريب أنني لم أتأكد يومًا من وجودها.
لم ألتفت لأرى من يراقب فعلًا.
كنت أكتفي بالشعور…
وكأن الشعور دليل.
هكذا يُبنى الخوف:
ليس من حدث، بل من تخمين.
ليس من حكم قيل، بل من حكم نتوقع أنه قد يُقال.
نحن لا نخاف من الناس،
بل من النسخ التي اخترعناها لهم داخل رؤوسنا.
نسخ أكثر قسوة،
أكثر حضورًا،
أكثر انشغالًا بنا مما هم عليه في الحقيقة.
وفي خضم هذا الوهم،
يحدث انقسام هادئ:
جزء يريد أن يكون صادقًا،
وجزء آخر يذكّره: “ماذا سيقولون؟”
هذا السؤال لا يحتاج إلى إجابة.
يكفي أن يُطرح…
حتى يبدأ التراجع.
نتنازل قليلًا، ثم أكثر.
نؤجل ما نريده،
نخفّف حدّته،
نعيد صياغته،
حتى يصبح مقبولًا…
لكنه لم يعد لنا بالكامل.
ومع كل مرة نفعل ذلك،
تكبر تلك العين.
لا لأنها تزداد قوة،
بل لأننا نغذّيها بانتباهنا.
إلى أن تأتي لحظة غير متوقعة.
ليست شجاعة،
ولا قرارًا بطوليًا،
بل تعبًا**.
تعب من الحساب المستمر،
من المراجعة قبل كل خطوة،
من العيش داخل رأس لا يتوقف عن توقع ردود الفعل.
لحظة يتأخر فيها الخوف نصف ثانية…
وهذه النصف ثانية تكفي.
تكفي لنفعل شيئًا
دون أن نعرضه على تلك العين أولًا.
تكفي لنكتشف—بدهشة—أن شيئًا لم يحدث.
لا تعليق.
لا حكم.
لا انهيار في العالم كما توقعنا.
تمر اللحظة…
وكأنها لم تُر.
وهنا يتسرّب الشك:
ماذا لو لم يكن هناك جمهور أصلًا؟
ليس لأن الناس غير موجودين،
بل لأنهم ليسوا منشغلين بنا كما نتخيل.
كل واحد يحمل عينه الخاصة،
يراقب نفسه،
ويخاف من نسخته الخاصة من “الآخرين”.
ندرك أننا كنا جزءًا من مسرح وهمي،
نؤدي دورًا أمام جمهور
يؤدي الدور نفسه في مسرح آخر.
هذا الاكتشاف لا يحررنا فورًا،
لكنه يغيّر قواعد اللعبة.
نبدأ بتجربة أشياء صغيرة خارج العرض:
كلمة لا نحسب أثرها،
اختيار لا نشرحه،
تصرف لا نبرره.
في البداية نشعر بانكشاف غريب،
وكأننا خالفنا قانونًا غير مكتوب.
لكن شيئًا لا يحدث.
ومع كل مرة لا يحدث فيها شيء،
تخفت تلك العين قليلًا.
لا تختفي،
لكنها تفقد حدّتها،
تصبح أقل حضورًا،
أقل إلحاحًا،
أقل قدرة على تعطيلنا.
إلى أن نصل إلى تحول لا يُرى من الخارج:
أن نفعل الشيء لأنه الشيء الذي نريد فعله.
لا لأنه سيُفهم،
ولا لأنه سيُعجب،
ولا لأنه سيمرّ دون نقد.
أن يتحول الفعل من **عرض… إلى تعبير.
في هذه النقطة،
لا نكون قد انتصرنا على العالم،
بل انسحبنا من وهم كنا نظنه العالم.
لم يعد السؤال: “كيف أبدو؟”
بل: “هل هذا صادق؟”
وللمرة الأولى،
لا ننتظر تصفيقًا،
ولا نخاف من صمت.
لأننا ببساطة…
لم نعد نقف على مسرح.
جهاد
غريب
أبريل
2026


