فخ
الوعود غير المقصودة!
"بين
النية والفهم… الفجوة التي تبني الألم"
ليست
كل الكلمات تُسمع كما قُصدت، ولا كل النوايا تُستقبل بالصورة التي وُجدت من أجلها.
في عالم العلاقات، وبخاصة مع الشباب في مراحل التكوين الأولى، تحدث فجوة دقيقة
لكنها عميقة بين ما يُقال وما يُفهم. وأكثر هذه الفجوات شيوعًا هي أن يُفهم الكلام
على أنه وعد، بينما لم يُقصد به ذلك.
لماذا
يتمسك الشباب بالسراب؟
الشباب،
بطبيعتهم، يميلون إلى التمسك بالاحتمال الأكثر إرضاءً لهم. حين يسمعون عبارة
مفتوحة، أو ردًّا مطاطًا، أو تعبيرًا عن الاحتمال، يترجمونها داخليًا إلى التزام
مستقبلي. ليس بدافع الخداع، ولا لأن الطرف الآخر يريد إيذاءهم، بل بدافع الحاجة
إلى الأمان، والبحث عن خيط ثابت في عالم متغير.
الكلمة
غير المحكمة تتحول بسرعة إلى مرجعية داخلية. يُبنى عليها انتظار، ويُنسج حولها
تصوّر، ويبدأ العقل في ترتيب الحياة وفق هذا التوقع. ومع مرور الوقت، يصبح التراجع
عنها مؤلمًا، حتى لو كانت مجرد جملة عابرة، لم يُقصد بها أي التزام. وهنا تبدأ
الجراح الصغيرة في التكوّن.
المشكلة
ليست في فتح الباب للكلام، بل في تركه بلا إطار. حين لا نحدد ما يعنيه الكلام، يملأ الطرف الآخر الفراغ
بتوقعاته الخاصة. وكلما كان الشخص أقل خبرة أو نضجًا، كانت هذه
التوقعات أكثر اندفاعًا. وهنا يظهر التباين بين النية والنتيجة، بين ما قيل وما
شعر به.
الوعود
غير المقصودة أخطر من الوعود الصريحة أحيانًا، لأنها تُكذّب لاحقًا دون أن يكون
هناك كذب فعلي. الطرف الأول يقول: "لم أعدك بشيء"، والطرف الثاني يشعر:
"لكنني بنيت حياتي على هذا الكلام". وهنا يكمن الألم: في التصادم بين
الواقع والفهم الداخلي، لا في الخيانة.
مسؤولية
الوعي:
المسؤولية
الأخلاقية تقع غالبًا على الطرف الأقدر على التقدير والوعي. ليس لأنه مخطئ
بالضرورة، بل لأن وعيه يفرض أن يكون واضحًا. الوضوح ليس برودًا، ولا قسوة، بل
حماية للطرف الآخر، واحترام لقدراته النفسية على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما
يتخيله.
حين
نقول "ربما"، يجب أن نكون مستعدين لأن يُفهم على أنه "نعم".
وحين نقول "لنرَ"، قد يُفسر على أنه "انتظرني". إدارة
التوقعات ليست تفصيلًا لغويًا، بل فنّ دقيق يتطلب وعيًا وصدقًا واهتمامًا. إنها
السقف الذي يمنع الانهيار حين تتحرك الأمور في الواقع، بعيدًا عما نأمل أو نتوقع.
الوضوح
لا يعني إغلاق الأبواب، بل وضع علامات واضحة على كل باب. حتى لا يدخل أحد ظنًا أنه
مدعو، ثم يُطلب منه الخروج لاحقًا. هذه العلامات تحمي العلاقة من سوء الفهم، وتحفظ
الاحترام المتبادل، وتقلل من احتمال تراكم الألم النفسي.
الأمر
لا يقتصر على العلاقات العاطفية فقط. في العمل، في الصداقة، في الأسرة، يُسمع
الكلام ويُفسّر حسب الخلفية والتجارب والحاجة إلى اليقين. وكلما كان أحد الأطراف
أكثر حاجة إلى الطمأنينة، كان احتمال إساءة الفهم أكبر، ما يجعل الوضوح عنصرًا
حاسمًا لبقاء العلاقة متماسكة.
في
كثير من الأحيان، يعتقد الناس أن اللطف والغموض هما وسائل لتجنب الألم أو لإرضاء
الآخر. لكن الواقع يقول إن الغموض يصنع
الوهم، واللطف المبالغ فيه يُفهَم أحيانًا كالتزام أو وعد. النية
الحسنة وحدها لا تكفي إذا لم تُترجم إلى كلمات وأفعال قابلة للفهم والاختبار.
الوعي
بالفرق بين الكلام والالتزام يمنح العلاقات مساحة للنمو بدل أن تتحول إلى مصدر
للضغط النفسي. يُساعدنا على الفصل بين ما نريد قوله وما قد يُفهم، بين ما نحبه وما
يمكن تنفيذه، وبين الأمل والطموح والواقع. هذه المسافة الصغيرة تصنع فارقًا كبيرًا
بين العلاقة الصحية والعلاقة المربكة.
حين
نعيد النظر في الكلام الذي نقوله، ونتحمل مسؤولية فهم من حولنا، نبدأ في بناء شبكة
أمان نفسية متبادلة. نعلم أن الألم الذي يُولد ليس دائمًا نتيجة سوء نية، بل نتيجة
اختلال التوازن بين النية والفهم. وبهذا، يصبح لكل كلمة وزنها الحقيقي، ولكل وعد
محتواه الصحيح.
إنه
درس في الصبر، ليس على الآخرين فقط، بل على أنفسنا أيضًا. على أن نتذكر دائمًا أن
ما نراه واضحًا قد يُرى من زاوية مختلفة تمامًا لدى الطرف الآخر. وأن العلاقات،
مهما كانت قوية، تحتاج إلى أكثر من مشاعر صادقة لتصمد: تحتاج إلى لغة مشتركة ووعي
متقارب.
لنتأمل في تجاربنا الخاصة: كم مرة
شوهت حقيقة كلماتنا بغير قصد؟ وكم مرة تحول الوهم في قلوبنا إلى جرح؟
جهاد غريب
يناير 2026