نشيد الظل والنور
"تأملات في قدسية العطاء ومحرقة السؤال"
تتباينُ مساراتُ النفس البشرية في فهم
العطاء، مثلما تتباينُ اللغاتُ في وصف المشاعر؛ فما يراه أحدهم جسرًا للوفاء، قد
يراه الآخرُ بابًا لتقصّي الأثر. إنّ أسمى مراتب المروءة هي تلك التي تترفع عن السؤال،
وتكتفي بجميل المبادرة، غير أن إشكالية "الفضول المتجاوز" تبرز حينما
يظن الوسيط أن نقل الأمانة يمنحه حقّ الوصاية على الأسرار، فيتحول فعل الخير من
سكينة صامتة إلى ضجيج من الأسئلة التي تخدش حياء النفس المتعففة، وتضع الروابط
الإنسانية العميقة تحت مجهر الشك الذي لا يرحم.
إن المتأمل في خرائط الروح البشرية ليدهشه
ذلك التباين العميق في تأويل معاني المعونة؛ فثمّة من يرى في العطاء فعلًا وجوديًا
خالصًا، هبةً تتطهر من الغايات كما يتطهر النهر من أدران الضفاف، وثمّة من يختزله
في معادلة حسابية باردة، مدخلًا لتقييم العلاقات وميزانًا للولاء والبراء.
هكذا، وبين هذين القطبين، تضيع قدسية
المبادرة الإنسانية حين تعبر حدود الثقافات والعقليات المغايرة؛ فما ينبع من الرقي
والشهامة في أرض، قد يُفهم في أرض أخرى على أنه دينٌ يُستوثق، أو التزامٌ يُسأل عن
دواعيه، أو حتى ضعفٌ يُستغل. والنفس النبيلة التي تمد يدها بالخير لا تفقه هذه
اللغة المشوهة، لأنها ببساطة لم تتعلم غير لغة السماء: عطاء بلا مقابل، ويدٌ تزرع
ولا تنتظر الحصاد.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في سوء الفهم
بين المرسل والمتلقي فحسب، بل في ذلك الكائن الثالث الذي يقف بينهما، في تلك
القناة التي يُفترض بها أن تكون شفيفة كالهواء، فإذا بها تتحول إلى بوابة تفتش،
وإلى عين تثقب حجب الأسرار. إن الوسيط، ليس سوى أنبوب من نور، ليس له من الدور إلا
أن يكون تقنيًا محضًا، ناقلًا للأمانة بلا زيادة أو نقصان. لكنه أحيانًا يتوهم أن
دوره يتجاوز النقل إلى الوصاية الأخلاقية، فينصبّ نفسه قيّمًا على دوافع العطاء،
ويسأل ما لا يحق له: من أين جاء هذا؟ ولماذا جاء الآن؟ وما الروابط الخفية بين
المُعطي والمُعطى؟
تلك الأسئلة الاستقصائية ليست بريئة، إنها
تخترق منظومة الثقة كسهم مسموم، وتحوّل الفعل الإنساني النبيل إلى ملف يحتاج
تبريرًا، إلى قضية تحتاج محامين، إلى تهمة تبحث عن براءة.
وهنا، في هذه اللحظة الحرجة، حيث يتحول
العطاء من فيض صامت إلى استجواب صاخب، تقع المأساة الوجودية الحقيقية في قلب
المتلقي. كم هو مهيب ذلك الصمت الذي يلف المتلقي حين يواجه السؤال المتجاوز! إنه
ليس صمت العجز، بل هو صمت الكرامة الجريحة. صمتٌ يحمي جوهر العطاء من تدنيس
التبرير، صمتٌ يشبه صمت المعابد حين تُدنس. في أعماق ذلك الصمت، يحدث انقلاب عظيم:
تتحول فرحة العطاء إلى وجع السؤال، وتنقلب اليد الممدودة بالخير إلى مرآة يرى فيها
المتلقي انعكاسًا مشوهًا لوجوده، لا كإنسان تصان كرامته، بل كحالة إنسانية
تُستقصى، كجرح يُفحص، كضعف يُوثق.
إن المتلقي في هذه اللحظة لا يشعر بالامتنان
وحده، بل يشعر بقشعريرة باردة تتسلل إلى روحه، بتلك الغصة التي تعلق في الحلق حين
يتحول الكرم من جناح يحلق به إلى قيد يُطوق عنقه. ولعل أقسى ما في الأمر أن يشعر
المتلقي بأن الخيار قد صار مطروحًا أمامه: إما أن يجيب على أسئلة لا تمت للكرامة
بصلة، وإما أن يرفض العطاء برمته دفاعًا عن حياض النفس.
وهنا تشرق الثورة الحقيقية من رحم الألم،
ثورة لا تُحمل فيها السيوف، بل يُحمل فيها الصبر الملحمي. أي بطولة تلك التي يعلن
فيها الإنسان، بصمت أو بحرف، أن للجوع النظيف طعمًا لا يعرفه الشبع المسموم
بالأسئلة؟ أي ثورة تلك التي يختار فيها المرء أن يظل في عراء الحاجة، على أن يظلل
نفسه بغيمة من المنّة المثقوبة بفضول المتطفلين؟ إنها قمة الكبرياء الإنساني، حين
يرفض الإنسان أن يكون موضوعًا للتحقيق، ويصر على أن يظل ذاتًا فاعلة، حتى في
حرمانه.
وإذا تجاوزنا ألم الذات المفردة إلى أفق
الفلسفة الأوسع، وجدنا أنفسنا أمام سرٍ وجودي عميق: ما هو العطاء في جوهره؟ إنه
ليس مجرد انتقال شيء من يد إلى يد، بل هو تجلٍ لفيض الوجود نفسه. العطاء الحق هو
إعلان عن وفرة الروح، عن ذلك النبع الداخلي الذي لا ينضب، عن تلك الثقة العظمى في
الكون التي تجعل المال والجهد مجرد رموز لحقيقة أبعد. حين يقدم الإنسان، فإنه يقدم
قطعة من روحه، وليس مجرد رقم في حساب.
لهذا، حين يسأل الوسيط "لماذا؟"،
فإن سؤاله ليس مجرد فضول اجتماعي، بل هو إعلان فقر وجودي مدوٍ، لأنه يختزل
اللانهاية في معادلة سبب ونتيجة، ويحاول أن يزن المحيط بملعقة، وأن يقيس النور
بالمتر. وفي عمق هذا الفعل يقبع جوهر أقدس: النية. تلك الكعبة الداخلية التي لا
يجوز لأحد الطواف حولها بأسئلته، تلك الغرفة المغلقة في قلب الإنسان التي لا
يدخلها إلا خالقه. حين يدنسها الفضول المتجاوز، يحدث ما يمكن تسميته بـ
"محرقة المعنى": يحترق الفعل الجميل بكل أبعاده، ويتبقى منه رماد لا
قيمة له، مجرد معاملة باردة، مجرد دَيْنٍ يُسدد، مجرد بند في دفتر الحسابات.
ألسنا هنا أمام صدى قديم لتلك الخطيئة الأولى:
خطيئة الأكل من شجرة المعرفة المحرمة؟ الساعي خلف "لماذا" يكرر الخطيئة
الأسطورية ذاتها، يريد أن يعرف ما لا شأن لروحه به، يريد أن يصير إلهًا صغيرًا
يحيط بكل الدوافع، ظانًا أنه يمتلك الحق في هذه المعرفة، فإذا به يُطرد من جنة
الود والإخاء، ويُحكم عليه بالتيه في صحراء الشكوك.
لكن، هل نقف عند حد التحليل والتشريح؟ كلا،
فالنص الذي يكتفي بالجرح لا يستحق صفة "الملحمي". الملحمة الحقة هي التي
تبني من الرماد وطنًا جديدًا للمعنى، هي التي تقدم رؤية بديلة، ثورة على المفاهيم ذاتها
لا على الأشخاص فحسب. إن البديل الذي ننشده يبدأ من ثورة على مفهوم التواصل نفسه.
لقد تعودنا أن نقدس الحوار، أن نرفع الكلام
منزلة عليا، ولكن أليس هناك ما هو أرفع؟ الفعل. الفعل الصامت. أن يكون العطاء
"مونولوجًا" مقدسًا لا ينتظر "ديالوجًا" تبريريًا، أن يكون
كالدعاء، يهمس به المرء في محرابه ثم ينصرف، تاركًا السماء تستجيب بصمتها المهيب.
تلك هي اللغة العليا التي يجب أن نتعلم أبجديتها: لغة الفعل التي لا تطلب شرحًا،
لغة العطاء التي تنطق بذاتها وتصمت عن دوافعها. وفي قلب هذه اللغة، يسطع معنى عميق
يجب أن نحتفي به: جماليات "عدم المعرفة"، و"الجهل النبيل".
إن جهل الوسيط بدوافع العطاء ليس نقصًا، بل
هو أرقى مراتب الأدب الوجودي. إنه جهل يحمي الجمال، جهل من يعرف أن بعض الأسرار
خُلقت لتبقى أسرارًا، تمامًا كما أن الزهرة تموت إذا اقتُلعت لفحص جذورها، وكما أن
النهر يتلوث إذا نبشنا منبعه. أن يجهل الإنسان هذه التفاصيل فهذا يعني أنه بلغ من
الرقي مبلغًا يعترف فيه بحدوده، ويعترف بأن للآخرين حياة داخلية لا تعنيه، وبأن
الاحترام هو أن تقف على العتبة لا أن تقتحم الغرفة.
وهكذا نصل إلى الخلاصة التي تشبه انبلاج
الفجر بعد ليل طويل من السؤال. العطاء الأعظم هو ما مُحي أثره، هو ما ذهب في
الخفاء كما جاء في الخفاء. وأنبل وسيط هو من يمحو ذاته في عملية النقل، فيصير
شفيفًا كالهواء: ضروري للحياة، لكنه لا يُرى ولا يُسأل عن مصدره ولا عن وجهته. هذه
هي الثورة الأخيرة والأعمق: الثورة على "الأنا" التي تريد أن ترى نفسها
بطلًا حتى في توسطها، الثورة على الرغبة في أن نكون مرئيين حتى في فضائلنا.
ليتنا نتعلم من النهر وهو يروي الضفتين دون
أن يدري أي الحبات أثمرت، ومن الغيمة وهي تمطر على الطيب والخبيث دون أن تميز، ومن
النور وهو يمنح الدفء دون أن يسأل من يستحق. ذلكم هو الأفق الذي ينبغي أن نسعى
إليه: أفق من العطاء الصامت، والوساطة الشفيفة، والتلقي العفيف. أفق لا يصبح فيه
الفضول وصاية، ولا المساعدة مِنّة، ولا السؤال تحقيقًا، بل تكون النفس الإنسانية
فيه حرة، طليقة، معطاءة، تزرع الخير في أرض الله ثم تمضي في صمت الملائكة، تاركةً
الحب وحده، ذلك الكائن الأقدس، يعمل في الخفاء.
جهاد غريب
مايو 2026



