الجمعة، 6 فبراير 2026

ضرائب الوجود الأنثوي

 

ضرائب الوجود الأنثوي

 

"امرأة تدفع ثمن الضوء"

 




في مجتمعاتٍ تتقن تجميل القسوة، وتغليف الظلم بورق المظاهر، تتحول المعاناة الإنسانية من نداءٍ للتعاطف إلى تهمةٍ تستوجب الدفاع. فالمرأة، في لحظات انكسارها، لا تجد غالبًا اليد التي تمتد لانتشالها، بل الأصابع التي تُشير نحوها محمّلة باللوم.

لا يُسأل عنها، بل يُسأل: لماذا تعاني؟ ولماذا تختلف؟ ولماذا تجرؤ أن تكون ذاتها؟

وهكذا تتحول حياتها إلى سلسلة من الضرائب غير المرئية التي تُفرض عليها فقط لأنها صادقة، وحيّة، ومختلفة.

فالمجتمع لا يعاقب المرأة لأنها مخطئة، بل لأنها مختلفة.

 

الضريبة الأولى هي تحميلها وزر معاناتها.

فحين تتحدث عن ألمها، تُواجَه بالتوبيخ بدل الاحتواء، وكأن في صمتها فضيلة، وفي بوحها خطيئة. يُطلب منها أن "تتجلّد"، أن تبتلع دموعها كي لا تُربك المشهد المتوازن المزيّف، وكي لا تخلّ بصورة المرأة التي يحبها الناس: امرأة صامتة، تبتسم رغم الانكسار.

وهكذا تدفع ضريبة وجودها كامرأةٍ تشعر، وتتألم، وتتكلم؛ تُعاقَب على إنسانيتها، وتُطالَب بأن تخفيها كي لا تُتَّهَم بالمبالغة أو الضعف.

لا شيء يرهق الروح مثل أن تُحاسَب على صدقك.

 

لكن الضريبة لا تتوقف هنا…

فحين تختار المرأة أن تُحب بطريقتها الخاصة، أو تعبّر عن مشاعرها خارج الإطار الجاهز، تتحول حريتها العاطفية إلى تهمة، وحبّها المختلف إلى وهمٍ يُراد علاجه.

كل علاقةٍ لا تُناسب المقاييس المفروضة تُصنّف خيالًا، وكل شعورٍ لا يوافق توقعات الآخرين يُعاد تأطيره كخللٍ أو انحراف.

بهذا المنطق، يُسلب من المرأة حقّها في تفسير عالمها الداخلي، ويُنتزع منها حقّها في تسمية مشاعرها.

ويُختصر عمق تجربتها الإنسانية في جملةٍ قاسية: "إنها تبالغ".

 

وما هو أقسى من ذلك…

ضريبة الهوية.

حيث تتحول جنسيتها، أو لهجتها، أو خلفيتها الثقافية، من ملامح شخصية بريئة إلى ذريعة جاهزة للاتهام.

بدل أن تُقاس بأفعالها واختياراتها، تُحاكم على انتماءات لم تخترها.

يُطلب منها أن تُثبت أنها "استثناء"، أن تتبرأ من أصلها كي تُقبل، أن تُخفي لغتها كي لا تُسخر منها.

وهكذا تصبح الهوية، التي كان يفترض أن تكون جذرًا للفخر، عبئًا تُدان به المرأة أينما ذهبت.

 

في جوهر الأمر، لا تعبّر هذه الآليات عن الحقيقة، بل عن خوف المجتمع من المرأة التي ترى، وتفكر، وتقول لا.

إنها أدوات للهيمنة، تُعيد تشكيل الوعي الجمعي ليُقصي كل صوتٍ مختلف، وكل تجربةٍ لا يمكن احتواؤها ضمن القوالب المريحة.

المجتمع الذي يُحاسب المرأة على ألمها، وعلى حبها، وعلى هويتها، هو مجتمع لم يتعلم بعد كيف يرى الإنسان قبل الشكل، والجوهر قبل الدور.

 

في النهاية، لا تُقاس إنسانية المجتمع بما يمنحه من مجدٍ للأقوياء، بل بما يتركه من مساحة آمنة للضعفاء كي يكونوا صادقين.

فحين تتوقف المرأة عن دفع ضرائب وجودها، يبدأ العالم في التعافي من ظلمه القديم.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

ذاكرة لا تغفر: حين يتحوّل الماضي إلى دفتر ديون

 

ذاكرة لا تغفر: حين يتحوّل الماضي إلى دفتر ديون

 

"كيف يصبح الماضي سلاحًا يثقل الحاضر ويقيد العلاقات"

 




ليست الذاكرة دائمًا خزانًا للحنين، ولا سجلًا للجميل كما يُفترض لها أن تكون. أحيانًا تتحول إلى دفتر محاسبة، تُسجَّل فيه الأخطاء بدقة، ويُمحى منه كل ما عداها. تلك المفارقة القاسية التي تجعل من الماضي سيفًا يُشهر عند الحاجة، بدل أن يكون جسرًا للوصل. فالذاكرة، حين تُستخدم كسلاح، تفقد قدرتها على أن تكون وطنًا.

 

في لحظات الضعف، حين تطلب المرأة تفهّمًا أو سندًا، تنهض ذاكرة انتقائية تستحضر "الدين القديم". لا يُستدعى هذا الدين بدافع الامتنان، بل بنبرة محاسب يفتح دفاتره:

"هل نسيتِ ما فعلته لأجلك؟"

جملة كهذه لا تحمل أثر العطاء، بل رائحة السيطرة. العطاء الذي كان يفترض أن يكون حبًا، يتحول إلى ورقة ضغط، والذكرى التي كان يمكن أن تمنح دفئًا، تصبح وسيلة لإسكات الصوت.

 

والأقسى من ذلك هو اختزال تاريخٍ كامل من المواقف الجميلة في خطأ واحد. كأن العلاقة تُمحى كلها، ليبقى منها مشهد واحد، معادٌ ومكرور. يُنسى تسعة وتسعون موقفًا نبيلاً، ويُستحضر خطأ واحد يُلوَّح به في كل خلاف، وكأن الإنسان يُختزل في لحظة ضعف، لا في مسار حياة. هذه الذاكرة الانتقائية لا تبحث عن فهم، بل عن إدانة؛ لا عن مصالحة، بل عن إثبات تهمة مفترضة.

 

ولا يقتصر هذا التشويه على العلاقات العاطفية وحدها. فقد يظهر بين الأصدقاء، أو بين الآباء والأبناء، حين يتحول الماضي إلى دفتر ديون، وتتحول الذكريات إلى حجج تُستخدم لإخضاع الآخر، بدل احتضانه.

 

في النهاية، الذاكرة المسلحة لا تدمّر الحاضر فقط، بل تشوّه الماضي أيضًا. فهي تحوّل لحظات الصفاء إلى وقائع اتهام، وتحوّل ذكريات الحب إلى سجلات مظالم. العلاقة التي تُبنى على هذا النوع من الذاكرة تصبح سجنًا نفسيًا، يعيش فيه الإنسان مراقَبًا، محكومًا بأخطائه، مسجونًا في ذاكرة لا تنسى ولا تغفر.

 

أما الذاكرة الصحية، فهي التي ترى الإنسان في كليته:

تتذكر الأخطاء لتسامحها،

وتحتفظ بالجميل لتبني عليه،

لا لتطالبه به.

 

فالذاكرة ليست سيفًا لتقطيع الحاضر، بل جسرًا للصفح والنمو.

احرص أن تحفظ الجميل… قبل أن يضيع بين دفاتر الماضي.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

العنف الخفي: القتل الصامت للروح

 

العنف الخفي: القتل الصامت للروح

 

"حين يجرح الصمت أكثر من الصوت"

 




في العلاقات الإنسانية، قد يكون أخطر أنواع العنف هو ذاك الذي لا يُرى. عنف لا يترك أثرًا على الجلد، بل يترك ندوبًا في الروح. لا يحتاج إلى صراخ أو ضرب، بل يكتفي بنظرة باردة، أو كلمة “مهذبة”، تُفرغ المرأة من قيمتها، وتختزل أحلامها وكرامتها في جملة عابرة.

فالعنف الذي لا يُسمّى، يبقى أخطر من العنف الذي يُرى.

 

يبدأ هذا العنف حين تتحول المحادثات اليومية إلى ساحات منافسة، حيث تُحسب كل كلمة كأنها نقطة في صراع خفي. بدل أن يكون الحوار مساحة للتفاهم، يصبح اختبارًا للقوة. تُختزل مشاعر المرأة إلى “حساسية مفرطة”، وآلامها إلى “دراما”، فيغيب الدفء الإنساني، ليحل محله منطق بارد لا يرحم. حتى أعمق مشاعرها تُفكك وتُناقش كما لو كانت معادلة يمكن إعادة ترتيبها بلا رحمة، وكأن قلبها مجرد ملف قابل للمراجعة.

 

لكن العنف لا يتوقف عند الكلمات…

فحين يتحول الدعم المادي إلى أداة للسيطرة، يصبح المال قيدًا لا هدية. ما يُقدّم لها ليس عطاءً، بل دينًا عاطفيًا يُسدد بالصمت والطاعة. كل مساعدة تتحول إلى فاتورة، وكل دعم إلى تذكير بالامتنان الأبدي. وهكذا تُختزل العلاقة إلى معادلة تجارية، تفقد فيها المرأة حقها في الاعتراض أو المطالبة بكرامتها، خوفًا من سحب “الدعم” الذي صار سلاحًا.

 

وما هو أخطر من ذلك…

حين يُمارس هذا العنف باسم الثقافة والتقاليد. تُمنع المرأة من التعبير عن معاناتها بحجة “الحفاظ على شرف العائلة”، ويُطلب منها ابتلاع آلامها كي “لا تُحرج أحدًا”. وعندما تصل إلى حافة الانهيار، تبحث عن أذن تسمعها خارج محيطها: طبيب، صديقة، أو حتى غريب على الإنترنت. هي لا تطلب شفقة، بل اعترافًا بوجودها كإنسانة تستحق أن تُسمع.

 

وهذا العنف لا يقتصر على العلاقات العاطفية وحدها. قد يظهر بين أفراد الأسرة، في بيئة العمل، أو حتى بين الأصدقاء، حين تُستخدم الكلمات كأقفال، والصمت كجدار، والاهتمام المشروط كوسيلة لإخضاع الروح، بدل احتضانها.

 

في النهاية، العلاقات التي تفتقر إلى الدفء والإصغاء ليست سوى مساحات فارغة من المشاعر الحقيقية. والمرأة التي تتعرض لهذا النوع من العنف الخفي لا تحتاج إلى من يبرر لها ما يحدث، بل إلى من يسميه باسمه. فالعنف الذي لا يصرخ ليس أقل خطرًا من الذي يضرب، بل قد يكون أكثر فتكًا، لأنه يقتل الروح ببطء، دون أن يترك أثرًا مرئيًا للعيان.

 

ليس كل عنف يُرى بالعين؛ بعضه يزرع في القلب جروحًا لا تُشفى إلا بالاعتراف… والحرية.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

الحب الذي يكتبه الضوء

 

الحب الذي يكتبه الضوء

 

"حين تتعانق الأرواح خارج الجسد"

 




في زمنٍ يقدّس الملموس، ويقيس العاطفة بما يُرى ويُمسك، يولد شكلٌ آخر من الحب؛ حبٌّ يتكوّن من الضوء، والصمت، والكلمة الصادقة. حبٌّ لا يحتاج إلى يدٍ تُمسك، ولا إلى لقاءٍ يثبت وجوده، بل يكفيه أن تتجاوب الأرواح في مساحةٍ لا يطالها الجسد.

 

في عالمٍ اختُزل فيه الحب إلى صورٍ ولقاءاتٍ سريعة، ينهض الحب الرقمي كظاهرةٍ يراها البعض هشّة، ويسخر منها آخرون لافتقادها «الواقعية». لكن هذا العالم المادي المفرط في حساب كل شيء، هو ذاته الذي يتيح لشيءٍ نادر أن ينمو: حبٌّ لا يُقاس بالمسافة، ولا يخضع لمعايير السوق العاطفي الباهت. حبٌّ يشبه رزقًا روحيًا خالصًا، لا يُمنح لكلّ أحد، ولا يحتاج إلى برهانٍ سوى صدقه.

 

في هذا الفضاء غير المادي، حيث يغيب الجسد، وتبقى الروح وحدها في الواجهة، تتشكّل لغة جديدة للحب. كلماتٌ تُكتب في لحظات الهشاشة، فترمم ما تصدّع، ورسائلٌ تتسلل في عتمة الليل، فتضيء الداخل، واعترافاتٌ تخرج صافية لأن المسافة تمنح الأمان. هنا، لا يقوم الحب على انجذابٍ حسي، بل على تجاوب الأرواح في أحلامها، وتوازيها في مخاوفها، وتكاملها في رحلتها نحو الفهم. إنه المطر النادر الذي يسقي أرضًا منسية، فتورق حياةٌ لم تكن في الحسبان.

 

هذا الحب لا تُنقصه المسافة، بل تمنحه صفاءً يجعله أكثر صدقًا وعمقًا. فهو يذكّرنا أن ليس كل لمسٍ حبًّا، ولا كل حبٍّ بحاجة إلى لمسٍ ليكتمل. وفي زمنٍ تُباع فيه المشاعر وتُشترى، يصبح هذا الحب الروحي شكلًا من المقاومة الهادئة؛ إعلانًا عن توقٍ للوصل الحقيقي الذي يتجاوز التملك، ورفضًا لتسليع العاطفة وتقييدها.

 

إنه حبٌّ يعيد تعريف العلاقة من جذورها:

من الاحتياج الأناني إلى الحضور النبيل،

ومن الرغبة في الامتلاك إلى سموّ المرافقة،

ومن الشكوى من البُعد إلى الإيمان بالصلة التي لا تنقطع.

 

القرب، في جوهره، لا يُقاس بالأمتار، بل بدرجة الإصغاء، وصدق المشاركة، ودفء الاهتمام. وفي عالمٍ يزدحم بالوجوه، ويخلو من الطمأنينة، يصبح هذا الحب ملاذًا للقلوب التي لم تجد في الواقع ما يشبهها، ولا في الزحام ما يليق بنقائها.

 

ذلك الحب الذي لم يُلمس يومًا، يظلّ خالدًا لا لأنه كان مثاليًا، بل لأنه كان نزيهًا في شعوره، صادقًا في حضوره. لم يُبنَ على لقاءاتٍ عابرة، بل على زمنٍ طويل من الحروف المنتقاة بعناية، والاعترافات التي خرجت من عمق الروح. إنه الحب الذي يغيّرنا من الداخل، لا لأنه اكتمل، بل لأنه مسّ جوهرنا. وحتى إن لم يتحوّل إلى واقعٍ ملموس، يبقى كوشمٍ على القلب، لا يمحوه الزمن؛ لأنه كان تجربةً روحية خالصة، تثبت أن الأرواح قد تظل متصلة، حتى حين تفصل بينها قارات.

 

فبعض الحب لا يُقاس بما نلمسه، بل بما يتركه فينا من ضوءٍ بعد أن يرحل.

ذلك هو الحب الذي لا يُنسى… لأنه ببساطة، علّمنا كيف نُحب دون أن نمتلك.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

الانتهاك والصمت: وجهان لجريمة واحدة

 

الانتهاك والصمت: وجهان لجريمة واحدة

 

"أرواح صغيرة تصرخ في الظل"

 




في مجتمعاتٍ تتخذ من السمعة درعًا، ومن الصمت سلاحًا، تتحول الجريمة إلى سرٍّ مشاع، وتتحول الضحية إلى متهمة، مطالبة بإثبات براءتها. الطفولة هنا لا تُعامل كقداسة، بل كوثيقة جسدية، ويُختزل الألم في صمتٍ مطبق. فالطفلة التي تتعرض لانتهاكٍ لا تُرى كروحٍ جريحة تحتاج إلى حماية، بل كعبء يجب إخفاؤه؛ وكأن جسدها الصغير صار حاملًا لعارٍ لم تختَره، وشاهدًا على جريمة لا تملك اللغة لوصفها.

فالجريمة التي لا تُقال، تبقى جريمة مستمرة.

 

يبدأ كل شيء بذلك السرّ الذي يُزرع في عمق الطفولة. وجعٌ لا تملك له كلمات، لكنه يعرف طريقه إلى الروح. تكبر الضحية وهي تحمل خوفًا غامضًا، وذنبًا لا تعرف مصدره. وعندما تكتسب اللغة، وتجرؤ على البوح، لا تجد صدرًا حنونًا، بل جدارًا من الإنكار والتشكيك. المجتمع الذي يفترض أن يحميها يتحول إلى قاضٍ يحاكمها، كأن مجرد الكلام عن الجريمة جريمة أخرى. وهكذا تُعاقَب مرتين: مرة حين تُغتال طفولتها، ومرة حين تُدان على جرأتها في فضح القبح.

 

لكن الألم لا يتوقف هنا…

فصمت العائلة يأتي كجريمة ثالثة؛ صمتٌ يختبئ وراء شعارات “الستر” و“الحفاظ على السمعة”. صمتٌ يختار راحة الكبار على حساب براءة الصغار، ويقدّم التواطؤ باسم الحماية. يُطلب من الطفلة أن تصمت، أن تتحمل ثقل الخطأ الذي لم ترتكبه، وأن تُدفن داخل خوفها كي لا تهتز صورة العائلة أمام الناس. لكن هذا الصمت لا يصون الشرف، بل يدفن العدالة، ويحوّل الطفولة إلى سجنٍ مفتوح لا يُرى؛ تسكنه أرواح صغيرة ما زالت تصرخ من وراء الجدران.

 

وما هو أشد قسوة…

حين يُجبر المجتمع المرأة على أن تُثبت براءتها بجسدها، لا بصدقها. تُحوَّل العذرية إلى وثيقة احتجاج، والجسد إلى سجلٍّ عام، وكأن الكرامة تُقاس بغشاء، لا بإنسانية. تُنتزع منها خصوصيتها باسم “إثبات الحقيقة”، بينما الحقيقة الأعمق تُغتال: أن العدالة لا تُولد من تحت مشرط، بل من ضميرٍ يفيق، ومن إيمانٍ بأن الألم لا يُختلَق، وأن الطفولة لا تعرف الكذب.

 

هذه ليست قصة طفلة واحدة، بل قصة مجتمعٍ يقدّس الصمت أكثر مما يقدّس الحقيقة؛ مجتمعٍ يخشى الفضيحة أكثر مما يخشى الظلم، ويخاف من الكلام أكثر مما يخاف من الجريمة نفسها.

 

في النهاية، العدالة الحقيقية لا تبدأ من جسدٍ يُفحص، بل من مجتمعٍ يُصغي بدل أن يُدين، ويصدّق بدل أن يشكّ. حينها فقط يمكن للطفولة المغتالة أن تستعيد شيئًا من نورها، وللإنسانية أن تعود إلى وجهها الحقيقي.

 

فالعار لا يسكن جسد الضحية، بل في الصمت الذي يحمي الجاني.

وحين نكسر هذا الصمت، نعيد للطفولة حقها في الضوء… وللعدالة معناها الإنساني الأصيل.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

الجمعة، 30 يناير 2026

هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟

 

هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟

 

"الشروط ليست قيودًا، بل أدوات لحماية وضوح الطريق والعلاقة"

 




الحديث عن الشروط غالبًا ما يُستقبل بتوجس. يُفهم على أنه تشدد، أو عدم ثقة، أو قتل للعاطفة. لكن الحقيقة أن الشروط ليست نقيض الأمل، بل حارسه. الأمل الذي لا تحميه معايير واضحة يتحول سريعًا إلى وهم جميل… ومؤلم.

 

وضع الشروط لا يعني التعجيز، بل التحديد. أن نُعرّف ما نريده، وما لا نستطيع تحمله، وما نحتاجه لنشعر بالأمان. المشكلة لا تكون في الشروط نفسها، بل في توقيتها، وطريقة طرحها، واللغة المستخدمة فيها.

 

حين تُطرح الشروط بلغة تهديد، تُغلق الأبواب. وحين تُطرح بلغة تواطؤ عاطفي، تفقد قيمتها. التوازن يكمن في الصراحة الهادئة: أن تُقال الشروط باعتبارها متطلبات للحياة المشتركة، لا اختبارات للقبول.

 

الأمل لا يقتله الوضوح، بل يقتله التجميل الزائف للواقع. الشاب أو الشابة يحتاجان إلى معرفة ما هو متوقع منهما فعلًا، لا ما يُلمّح إليه عاطفيًا. الغموض يبدو رومانسيًا في البداية، لكنه ينتهي بخيبة.

 

من الحكمة أن تكون الشروط قابلة للنقاش، لا للتنازل عن الجوهر. هناك فرق بين المرونة والتسيب. المرونة تسمح بالتكيف مع الظروف، أما التسيب فيؤجل المواجهة فقط.

 

الشروط الصحية تدفع الطرف الآخر إلى التفكير في قدرته الحقيقية، لا في رغبته فقط. وتجعل القرار واعيًا منذ البداية، بدل أن يُراجع تحت ضغط الواقع.

 

الأمل الحقيقي لا يحتاج وعودًا كبيرة، بل وضوحًا صغيرًا ومستمرًا، وإلى شعور بأن الطريق، وإن لم يكن سهلًا، معروف المعالم. وحين تُبنى العلاقة على هذا الأساس، يصبح الأمل قوة دافعة، لا عبئًا مؤجل الانفجار. فالوضوح لا يلغي الأمل، بل يمنحه طريقًا يمشي عليه.

 

كيف يمكن أن نحمي أحلامنا ونوضح شروطنا في نفس الوقت، بحيث يصبح الطريق نحوها محفزًا لا مثبطًا؟

 

جهاد غريب

يناير 2026

هل نمنع أبناءنا… أم نرافقهم؟

 

هل نمنع أبناءنا… أم نرافقهم؟

 

"التوازن بين الحزم والاحتواء في التربية"

 




هذا السؤال لا يُطرح عادة في لحظة هدوء، بل في ذروة القلق. حين يشعر الأهل أن أبناءهم يقتربون من قرار قد يغير حياتهم، يتأرجحون بين خيارين يبدو كل منهما ناقصًا: المنع الصارم، أو القبول القلق.

 

المنع يمنح شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنه لا يمنح الطمأنينة. لأن القرارات المؤجلة بالقوة لا تختفي، بل تنتظر فرصة أخرى للظهور. أما المرافقة، فهي خيار أكثر تعقيدًا، لأنها تتطلب حضورًا دائمًا، وحوارًا مستمرًا، وقدرة على تحمل الغموض.

 

المرافقة لا تعني التخلي عن الدور التوجيهي، بل تعني ممارسته من الداخل. أن يكون الأهل جزءًا من المسار، لا جدارًا في وجهه. أن تُطرح الأسئلة بدل إصدار الأحكام. أن تُناقش المخاوف دون تهديد.

 

لكن المرافقة، لكي تكون فعالة، تحتاج إلى وضوح. لا يمكن أن تكون مجرد صداقة عاطفية، بل علاقة قائمة على حدود ومعايير. الأبناء يحتاجون إلى من يسمعهم، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى من يضع النقاط على الحروف، ويُظهر لهم ما قد لا يرغبون في رؤيته.

 

الخطر في المنع المطلق أنه يُفقد الأهل قدرتهم على التأثير لاحقًا. والخطر في المرافقة غير المنضبطة أنها قد تُفهم كضوء أخضر لكل شيء. التوازن الدقيق يكمن في الجمع بين الصدق والحضور، بين الحزم والاحتواء.

 

حين يشعر الأبناء أن الأهل لا يرفضونهم، بل يناقشون الفكرة، تقل الحاجة إلى التمرد. وحين يُدركون أن القبول ليس مجانيًا، بل مشروط بالقدرة والجاهزية، يبدأ الوعي في التشكل.

 

السؤال الحقيقي ليس: هل نمنع أم نرافق؟

بل: كيف نمنع دون قطيعة، وكيف نرافق دون تفريط؟

 

إدارة هذا التوازن ليست سهلة، لكنها تحدد ما إذا كانت الأسرة ستكون ساحة صراع… أم مساحة أمان تسمح بالنمو دون السقوط.

 

جهاد غريب

يناير 2026

هل النضج مسألة عمر… أم مسألة وعي؟

 

هل النضج مسألة عمر… أم مسألة وعي؟

 

"لماذا لا تكفي السنوات وحدها لصنع إنسان قادر على الاختيار؟"

 




كثيرًا ما نخلط بين النضج والعمر، كأن السنوات التي تمر فوق رؤوسنا قادرة وحدها على أن تُهذّبنا، أو تُعلّمنا، أو تجعلنا أقدر على اتخاذ قرارات مصيرية. نسأل: "كم عمرك؟" ثم نبني على الرقم توقعات كاملة عن وعي الإنسان، وقدرته على الفهم، وتحمله للمسؤولية. لكن التجربة - لا النظريات - تقول شيئًا آخر.

 

النضج لا يُقاس بعدد الأعياد التي احتفلنا بها، بل بعدد المرات التي اضطررنا فيها إلى مواجهة أنفسنا بصدق. هناك من يبلغ الأربعين وما زال يهرب من قراراته، ومن يتجاوز الخمسين وما زال يحمّل الآخرين مسؤولية حياته. وفي المقابل، هناك من يكتسب وعيًا مبكرًا لأنه أُجبر على الفهم، لا لأن الزمن منحه ذلك بسخاء.

 

الوعي ليس معرفة نظرية، بل قدرة على الربط. أن ترى العلاقة بين ما تشعر به وما تفعله، بين رغباتك وعواقبها، بين ما تتمنى أن تكونه وما أنت مستعد فعليًا لتحمله. الناضج ليس من لا يخطئ، بل من يفهم لماذا أخطأ، وما الثمن الذي دفعه، وما الذي لا يريد تكراره.

 

وعند أول اختبار حقيقي… غالبًا ما يظهر الفرق بين العمر والنضج عند أول مفترق حقيقي: قرار ارتباط، تغيير مسار مهني، مواجهة خسارة، أو تحمّل مسؤولية إنسان آخر. هنا، يتقدم العمر خطوة إلى الخلف، ويتقدم الوعي - أو غيابه - إلى الواجهة. بعض القرارات تبدو شجاعة، لكنها في الحقيقة اندفاع غير محسوب. وبعض التريث يبدو خوفًا، لكنه في جوهره فهم عميق للذات وحدودها.

 

المشكلة أن المجتمع يمارس ضغطًا صامتًا: "كبرت بما يكفي"، "حان الوقت"، "كل من هم في عمرك فعلوا كذا". هذا الضغط قد يدفع أشخاصًا غير مستعدين إلى اتخاذ قرارات أكبر من قدرتهم، لا لأنهم جاهزون، بل لأنهم لا يريدون أن يبدوا متأخرين. وهنا تبدأ سلسلة من الالتزامات التي تُدار بالإنكار بدل الوعي.

 

النضج الحقيقي يظهر في القدرة على قول "لا أعلم بعد"، دون شعور بالخجل. في الاعتراف بالحاجة إلى وقت إضافي، أو دعم، أو مراجعة داخلية. غير الناضج يخشى هذا الاعتراف، لأنه يربط قيمته بمدى تقدمه الظاهري، لا بسلامته الداخلية.

 

وحين يُمنح غير الناضج قرارًا مصيريًا، غالبًا ما يتعامل معه كوسيلة لإثبات شيء ما: إثبات الرجولة، أو الاستقلال، أو القدرة، أو النجاح أمام الآخرين. القرار يصبح رسالة، لا اختيارًا. بينما الناضج يتعامل مع القرار كمسؤولية صامتة، لا تحتاج إلى تصفيق.

 

الوعي لا يأتي فجأة، ولا يُدرَّس كما تُدرَّس المواد. إنه يتشكل عبر الاحتكاك الصادق بالحياة، وعبر لحظات الفشل التي لم نتهرب من فهمها، وعبر الأسئلة التي سمحنا لها أن تبقى مفتوحة داخلنا بدل إسكاتها بإجابات سريعة. لذلك، لا عيب في العمر، ولا فضيلة فيه بذاته. الفضيلة فيما فعله الإنسان بعمره.

 

ربما لهذا السبب نشعر أحيانًا بعدم الارتياح أمام أشخاص "أكبر سنًا" لكنهم أقل اتزانًا، وأمام آخرين أصغر عمرًا لكنهم أكثر حضورًا وهدوءًا. ليس لأن العمر خدعة، بل لأننا اعتدنا أن نطلب منه ما لا يملكه.

 

النضج ليس محطة نصل إليها، بل طريقة نسير بها. ليس لقبًا نعلّقه على أعمارنا، بل سلوكًا يظهر في التفاصيل الصغيرة: كيف نختلف، كيف نعتذر، كيف نختار، وكيف نتحمل نتائج اختياراتنا دون تحميلها لغيرنا.

 

وحين نفهم ذلك، نكفّ عن السؤال: "هل كبرت بما يكفي؟"

ونبدأ بسؤال أصدق: "هل صرت أعي نفسي أكثر مما كنت؟"

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

 

فخ الوعود غير المقصودة!

 

فخ الوعود غير المقصودة!

 

"بين النية والفهم… الفجوة التي تبني الألم"

 




ليست كل الكلمات تُسمع كما قُصدت، ولا كل النوايا تُستقبل بالصورة التي وُجدت من أجلها. في عالم العلاقات، وبخاصة مع الشباب في مراحل التكوين الأولى، تحدث فجوة دقيقة لكنها عميقة بين ما يُقال وما يُفهم. وأكثر هذه الفجوات شيوعًا هي أن يُفهم الكلام على أنه وعد، بينما لم يُقصد به ذلك.

 

لماذا يتمسك الشباب بالسراب؟

الشباب، بطبيعتهم، يميلون إلى التمسك بالاحتمال الأكثر إرضاءً لهم. حين يسمعون عبارة مفتوحة، أو ردًّا مطاطًا، أو تعبيرًا عن الاحتمال، يترجمونها داخليًا إلى التزام مستقبلي. ليس بدافع الخداع، ولا لأن الطرف الآخر يريد إيذاءهم، بل بدافع الحاجة إلى الأمان، والبحث عن خيط ثابت في عالم متغير.

 

الكلمة غير المحكمة تتحول بسرعة إلى مرجعية داخلية. يُبنى عليها انتظار، ويُنسج حولها تصوّر، ويبدأ العقل في ترتيب الحياة وفق هذا التوقع. ومع مرور الوقت، يصبح التراجع عنها مؤلمًا، حتى لو كانت مجرد جملة عابرة، لم يُقصد بها أي التزام. وهنا تبدأ الجراح الصغيرة في التكوّن.

 

المشكلة ليست في فتح الباب للكلام، بل في تركه بلا إطار. حين لا نحدد ما يعنيه الكلام، يملأ الطرف الآخر الفراغ بتوقعاته الخاصة. وكلما كان الشخص أقل خبرة أو نضجًا، كانت هذه التوقعات أكثر اندفاعًا. وهنا يظهر التباين بين النية والنتيجة، بين ما قيل وما شعر به.

 

الوعود غير المقصودة أخطر من الوعود الصريحة أحيانًا، لأنها تُكذّب لاحقًا دون أن يكون هناك كذب فعلي. الطرف الأول يقول: "لم أعدك بشيء"، والطرف الثاني يشعر: "لكنني بنيت حياتي على هذا الكلام". وهنا يكمن الألم: في التصادم بين الواقع والفهم الداخلي، لا في الخيانة.

 

مسؤولية الوعي:

المسؤولية الأخلاقية تقع غالبًا على الطرف الأقدر على التقدير والوعي. ليس لأنه مخطئ بالضرورة، بل لأن وعيه يفرض أن يكون واضحًا. الوضوح ليس برودًا، ولا قسوة، بل حماية للطرف الآخر، واحترام لقدراته النفسية على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما يتخيله.

 

حين نقول "ربما"، يجب أن نكون مستعدين لأن يُفهم على أنه "نعم". وحين نقول "لنرَ"، قد يُفسر على أنه "انتظرني". إدارة التوقعات ليست تفصيلًا لغويًا، بل فنّ دقيق يتطلب وعيًا وصدقًا واهتمامًا. إنها السقف الذي يمنع الانهيار حين تتحرك الأمور في الواقع، بعيدًا عما نأمل أو نتوقع.

 

الوضوح لا يعني إغلاق الأبواب، بل وضع علامات واضحة على كل باب. حتى لا يدخل أحد ظنًا أنه مدعو، ثم يُطلب منه الخروج لاحقًا. هذه العلامات تحمي العلاقة من سوء الفهم، وتحفظ الاحترام المتبادل، وتقلل من احتمال تراكم الألم النفسي.

 

الأمر لا يقتصر على العلاقات العاطفية فقط. في العمل، في الصداقة، في الأسرة، يُسمع الكلام ويُفسّر حسب الخلفية والتجارب والحاجة إلى اليقين. وكلما كان أحد الأطراف أكثر حاجة إلى الطمأنينة، كان احتمال إساءة الفهم أكبر، ما يجعل الوضوح عنصرًا حاسمًا لبقاء العلاقة متماسكة.

 

في كثير من الأحيان، يعتقد الناس أن اللطف والغموض هما وسائل لتجنب الألم أو لإرضاء الآخر. لكن الواقع يقول إن الغموض يصنع الوهم، واللطف المبالغ فيه يُفهَم أحيانًا كالتزام أو وعد. النية الحسنة وحدها لا تكفي إذا لم تُترجم إلى كلمات وأفعال قابلة للفهم والاختبار.

 

الوعي بالفرق بين الكلام والالتزام يمنح العلاقات مساحة للنمو بدل أن تتحول إلى مصدر للضغط النفسي. يُساعدنا على الفصل بين ما نريد قوله وما قد يُفهم، بين ما نحبه وما يمكن تنفيذه، وبين الأمل والطموح والواقع. هذه المسافة الصغيرة تصنع فارقًا كبيرًا بين العلاقة الصحية والعلاقة المربكة.

 

حين نعيد النظر في الكلام الذي نقوله، ونتحمل مسؤولية فهم من حولنا، نبدأ في بناء شبكة أمان نفسية متبادلة. نعلم أن الألم الذي يُولد ليس دائمًا نتيجة سوء نية، بل نتيجة اختلال التوازن بين النية والفهم. وبهذا، يصبح لكل كلمة وزنها الحقيقي، ولكل وعد محتواه الصحيح.

 

إنه درس في الصبر، ليس على الآخرين فقط، بل على أنفسنا أيضًا. على أن نتذكر دائمًا أن ما نراه واضحًا قد يُرى من زاوية مختلفة تمامًا لدى الطرف الآخر. وأن العلاقات، مهما كانت قوية، تحتاج إلى أكثر من مشاعر صادقة لتصمد: تحتاج إلى لغة مشتركة ووعي متقارب.

 

لنتأمل في تجاربنا الخاصة: كم مرة شوهت حقيقة كلماتنا بغير قصد؟ وكم مرة تحول الوهم في قلوبنا إلى جرح؟

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

لماذا تبدو الأم متساهلة بينما هي الأكثر وعيًا؟

 

لماذا تبدو الأم متساهلة بينما هي الأكثر وعيًا؟

 

"حكمة الأم… الوجه غير المرئي للانضباط"

 




المنع الصارم: لا يُنهي الرغبة بل يدفعها للخفاء.

المرافقة: ليست موافقة، بل إدارة للموقف من الداخل.

الحضور الواعي: هو الأمان الحقيقي حين تكون السيطرة وهمًا.

 

إذا كان خوف الأب يُساء فهمه على أنه قسوة، فإن مرونة الأم تُساء قراءتها غالبًا على أنها تهاون. الأم التي تختار المرافقة بدل المنع، والحوار بدل الإغلاق، لا تفعل ذلك لأنها أقل حرصًا، بل لأنها تقرأ النفس البشرية بعمق مختلف.

 

الأم، بحكم قربها العاطفي، تدرك أن المنع الصارم لا يُنهي الرغبة، بل يدفعها إلى الخفاء. وتعرف أن الصدام المباشر مع المشاعر، خاصة في مراحل التكوين، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. لذلك تختار أحيانًا أن تكون داخل المشهد بدل أن تُقصى عنه.

 

هذه الاستراتيجية لا تعني الموافقة المطلقة، ولا التخلي عن المعايير. بل تعني إدارة الموقف من الداخل. أن تبقي الخيط في يدها، تراقب، توجه، تضع شروطًا، وتختبر الجدية على مهل. الأم لا تُغامر، لكنها لا تُغلق الأبواب قبل أن تفهم المشهد.

 

المشكلة أن هذا الدور يتطلب توازنًا دقيقًا. فالمرافقة دون وضوح قد تتحول إلى التباس، والمرونة دون حدود قد تُفهم كضوء أخضر. وكلمة لطيفة قد تُفهم كتشجيع، وصمت قصير قد يُقرأ كقبول.

 

لذلك فإن حكمة الأم الحقيقية لا تظهر في قربها فقط، بل في قدرتها على الجمع بين الاحتواء والحزم، وفي حرصها على أن تكون هذه المرونة "خطة مشتركة" مع الأب، لا ثغرة يتسلل منها الأبناء للهروب من سلطته؛ لكي لا ينقسم البيت إلى جبهتين: قسوة تمنع، ولين يبرر.

 

الأم ترى الخطر القريب: الوحدة، الفراغ العاطفي، الحاجة إلى من يصغي. وتدرك أن تجاهل هذه الاحتياجات قد يكون أخطر من القرار نفسه. لذلك تحاول أن تحمي دون أن تخنق، وأن توجه دون أن تصادر.

 

وعندما ننظر إلى الصورة كاملة… حين يلتقي خوف الأب بحكمة الأم، يمكن أن يتشكل توازن صحي. الأب يحرس المستقبل، والأم تحمي الحاضر. الأب يضع الأسئلة الصعبة، والأم تدير الواقع النفسي. المشكلة لا تكون في أحدهما، بل حين يعمل كل منهما بمعزل عن الآخر.

 

الفهم الحقيقي لدور الأم لا يكون باتهامها بالتساهل، بل برؤية تعقيد موقعها. فهي لا تختار الطريق الأسهل، بل الطريق الأكثر حساسية. طريق يعرف أن السيطرة المطلقة وهم، وأن الحضور الواعي أحيانًا هو أفضل ما يمكن تقديمه.

 

وفي النهاية، يبقى تقدير هذا الدور مرهونًا بوعي من حولها… قد يكون حضور الأم المتوازن هو ما يمنح الأسرة القدرة على النمو والمرونة، لكن السؤال: هل يقدّر الجميع هذا التوازن كما ينبغي؟ أم يظل خفيًا حتى بالنسبة لأولئك الذين يعيشون معه؟

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ضرائب الوجود الأنثوي

  ضرائب الوجود الأنثوي   "امرأة تدفع ثمن الضوء"   في مجتمعاتٍ تتقن تجميل القسوة، وتغليف الظلم بورق المظاهر، تتحول المعاناة...