"كيف يتعلم الجسد والروح
الرؤية"
لم
يُخلق الانكسار بعد، فقط الانحناء كان حاضرًا… كضوء يلتف حول كل عقبة، كروح تتعلم
المرور دون أن تنهار. انحناء يشبه حنوّ الضوء حين يقترب من جاذبية كثيفة، فيميل،
يغيّر مساره، دون أن يفقد اسمه أو طبيعته. هكذا تتشكّل الروح؛ لا بالاستقامة
الصلبة، بل بمرونتها، بتقوّساتها الدقيقة التي تسمح لها أن تمرّ عبر الألم دون أن
تتحطّم، وأن تتّسع للفرح دون أن تتبدّد، وأن تدخل الحب كقوسٍ مشدود، يرمي
احتمالاته في اتجاه المجهول.
في
فيزياء الداخل، الانحناء ليس علامة ضعف، بل قدرة نادرة على الاحتمال. أن يكون
الكائن مرنًا بما يكفي ليحمل التناقضات، وأن يكون واسعًا بما يكفي ليضمّ النقيضين
دون أن يتشقق. القلب، في أقصى حكمته، لا يكون مستقيمًا أبدًا؛ إنه منحني مثل
الزمن، مثل الضوء، مثل كل ما يريد أن يستمر.
أتأمل انحناءات
الجسد الأنثوي، لا بوصفها هيئة، بل كنصٍّ مكتوب بلغة سبقت الحروف. كل تقوّس هو أثر
معنى، وكل التفافة سرد غير منطوق، وكل ميلان سؤال يرفض الإجابة المباشرة. الجسد
الأنثوي لا يعرف الخطوط المستقيمة؛ هو يتحرّك في دوائر، يلتف ليحتمي، ينفتح
ليحتوي، ينحني ليلتقط ما يسقط من الضوء قبل أن يضيع.
من هذه
الانحناءات تعلّمت أن الاستقامة فكرة هندسية، لا وجودية. وأن الكمال لا يسكن
التماثل، بل في ذلك الاعوجاج الجميل الذي يجعل كل امرأة كونًا مستقلًا، له جاذبيته
الخاصة، ومداره الذي يبتلع من يقترب منه دون عنف.
المرأة مرآة،
لكنها ليست مرآة محايدة.
هي مرآة تعيد
تشكيل الضوء، تكسره إلى أطيافه الأولى، ثم تعيده إلى العالم بصيغة أخرى. حين تنظر
إليها، لا ترى صورتك كما هي، بل كما يمكن أن تكون. تتشظّى في عينيها إلى احتمالات،
إلى نسخ مؤجلة، إلى ذوات لم تُولد بعد. في حضورها، لا تعود واحدًا؛ تصير تعددًا،
سرب أسئلة، وعيًا مفتوحًا على نفسه.
الانعكاس لا
يكذب، لكنه لا يمنح الحقيقة كاملة.
إنه يقولها من
زاوية، من ميلان، من انحناء. حين تنعكس صورة المرأة على الماء، لا تستقر؛ يتموّجها
الهواء، يحرّكها الضوء، فتغدو وجوهًا عديدة، كلها صحيحة، وكلها ناقصة. هكذا تتكشّف
الأنوثة: ليست جوهرًا واحدًا، بل حالة سائلة، حضورًا يتبدّل دون أن يضيع.
أراها تمشي في
طريق لا يبدو جاهزًا قبلها.
كأن الطريق لا
يوجد إلا حين تطأه. خطواتها لا تعبر المسافة، بل تستدعيها. ثمة فرق عميق بين من
يسير فوق طريق، ومن يخلقه وهو يسير. هذه المرأة لا تصل إلى الأماكن؛ هي تجعلها
ممكنة. كل خطوة منها ولادة، وكل توقّف تأمّل، وكل صمت إعادة ترتيب للعالم.
المسافة بين
الطريق والوصول ليست في الجغرافيا، بل في الوعي.
قد نتحرّك طويلًا
دون أن نبلغ شيئًا، وقد نصل ونحن واقفون. الوصول ليس نهاية السير، بل لحظة إدراك
أن السير ذاته هو المعنى. حينها يصير الطريق وطنًا، والحركة إقامة، والخطوة لغة.
تتشظّى صورتها في
مرايا المدينة: زجاج، ماء، عيون عابرة.
كل مرآة تأخذ
ومضة، وكل انعكاس يحتفظ بأثر. تنتشر كالنور، لا يمكن الإمساك بها، لكن يستحيل
إنكار حضورها. موجودة في كل مكان، وغائبة عن كل مكان في آن واحد. في هذا التعدّد
يتحقّق جوهرها الطيفي؛ أن تكون مرئية دون أن تُحاصر.
انحناءة الرقبة
فوق كتاب، انحناءة الظهر لطفل، انحناءة الذراعين في عناق، انحناءة الشفتين أمام
سؤال بلا جواب. هذه ليست حركات عابرة، بل كتابة بالجسد. لغة لا تحتاج إلى صوت، فلسفة
تُمارَس قبل أن تُفكَّر. الجسد الذي لا ينحني يتصلّب، والذي يتصلّب ينكسر. أما
الجسد الذي يعرف كيف يلين، فهو الذي يبقى.
في علاقتي بها،
صارت هي مرآتي الأعمق.
في عينيها أعيد
ترتيب صورتي، لا لأتعرّف عليها، بل لأتجاوزها. معها أفهم أن الانحناء ليس خضوعًا،
بل استقبال. وأن الانكسار ليس نهاية، بل تحوّل شكل. وأن الطريق ليس ما نقطعه، بل
الكيفية التي نقطع بها أنفسنا.
في هذا الدفتر،
دفتر الانحناءات، أدوّن كل يوم تقوّسًا جديدًا للروح. أكتب عن الضوء حين ينحني عند
الغروب ليحتضن الأرض، عن القمر حين يقبل أن يكون هلالًا، عن البحر حين يعود في كل
موجة إلى الشاطئ دون أن يملّ. الكون كلّه مكتوب بهذه اللغة: لغة الميلان، لا لغة
الصلابة.
ربما معنى الحياة
أن نتعلّم هذا الفن:
أن نكون مثل
الضوء، ننحني لكل ثقل دون أن نفقد جوهرنا، نتشظّى دون أن نختفي، نمرّ من أضيق
الثقوب ونحن ممتلئون، ونصل قبل أن نبدأ.
وأنا، بين
مراياها المتعدّدة، أتعلم كل يوم أن أكون ضوءًا…
ضوءًا ينحني،
لكنه لا ينكسر.
جهاد غريب
فبراير 2026









