الأربعاء، 11 فبراير 2026

غواية الحرف

 

غواية الحرف

 

"هندسة المعنى في فضاء الأعمال"

 




في زحام مدينة لا تنام، حيث تتعانق أضواء الأبراج مع ظلال الطموحات، فيما يهرع الناس كأنهم يطاردون أفضل نسخة من أنفسهم، وُلد سؤال لم يكن على جدول الأعمال. خلف باب لقاء مهني عابر، في قلب حديث عن التوسع والانتشار والاستراتيجيات، انفتح باب آخر أكثر عمقًا: باب الكلمة. لم يكن السؤال عن الأرقام ولا عن نسب النمو، بل عن تلك القوة الخفية التي تمنح الفكرة حياتها، وتجعلها قادرة على العبور من عقلٍ إلى عقل، ومن روحٍ إلى روح.

 

هناك أدركت أن كل انتشار يبدأ بجملة، وأن كل مشروع عظيم كان في لحظته الأولى معنىً يبحث عمّن يصوغه بصدق. فالكلمة ليست ظلّ الفكرة، بل جسدها المرئي. وإذا عجزنا عن التعبير، بقينا سجناء أفكارنا، نراها واضحة في داخلنا لكنها عاجزة عن أن ترى النور في الخارج. من هنا تبدأ الحكاية: من معضلة التعبير التي رافقتنا طويلًا، حتى ظنناها قدرًا لا يُراجع.

 

لقد تعلّمنا "الإنشاء" بوصفه واجبًا ثقيلًا، حصةً مدرسية تُؤدّى ثم تُنسى، غايتها القصوى عبور الاختبار بنجاح باهت. جُرّدت الكلمة من دفئها، وحُوِّلت الكتابة إلى تمرين آلي، إلى قوالب جاهزة تُملأ كما تُملأ الاستمارات. تعلمنا أن نكتب كي ننجو من سؤال المصحح، لا كي ننجو من صمتنا الداخلي. فخرجت الحروف مرتبة لكنها باردة، أنيقة لكنها بلا روح، كجنود يؤدون التحية بلا انفعال، أو كطيورٍ تعلّمت شكل السماء من الصور ولم تختبر اتساعها يومًا.

 

في تلك اللحظة التربوية المبكرة، حدث الانفصال الكبير بين العلامة والمهارة. صار الهدف لحظةً عابرة، لا عادةً متجذرة. حين يتعلم الإنسان لأجل الامتحان، فإنه يؤجل المصالحة الحقيقية مع المعرفة. يتحول العقل إلى مخزن مؤقت، وتتحول الكتابة إلى أداء موسمي. أما الديمومة المعرفية فهي شيء آخر؛ هي مهارة تسكن في الداخل، تنمو بصمت، وتكبر مع كل قراءة عميقة، وكل تجربة صادقة، وكل محاولة لقول ما لم يُقل من قبل.

 

المشكلة لم تكن يومًا في شح المفردات، بل في غياب المنهج الذي يحرر الذات من الخوف. خوف الخطأ، خوف الحكم، خوف ألا نبدو "جيدين بما يكفي". الكتابة الصادقة فعل شجاعة؛ لأنها تكشف صاحبها قبل أن تُقنع قارئها. حين نكتب بصدق، نحن لا نصوغ فكرة فحسب، بل نعلن حضورنا. نضع جزءًا منا في السطر، ونخاطر بأن يُرى كما هو، بلا أقنعة بلاغية زائفة.

 

فلسفيًا، التعبير هو التجسد الأسمى للوجود الإنساني. نحن لا نوجد فقط بما نفعل، بل بما نقول عمّا نفعل. اللغة ليست أداة نقل محايدة، بل فضاء تتشكل فيه الهوية. من لا يستطيع صياغة فكرته، يبقى حبيس شعورٍ غامض، كأن في داخله بحرًا لا يجد مجراه. والكتابة، حين تُفهم بهذا المعنى، ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية؛ بها نعيد ترتيب فوضى الداخل، وبها نمنح تجاربنا معنىً يتجاوز لحظتها العابرة.

 

في عالم الأعمال، يبدو الحديث عن البيان كأنه شأن أدبي منفصل عن لغة السوق، لكن الحقيقة أن كل نجاح مستدام يبدأ بوضوح السرد. المشروع الذي لا يُحكى جيدًا لا يُفهم جيدًا، والذي لا يُفهم لا يُدعم ولا ينتشر. خلف كل عرض تقديمي ناجح قصة مُحكمة، وخلف كل علامة تجارية راسخة حكاية قادرة على لمس وجدان الناس. الأرقام تقنع العقل، لكن السرد يُحرّك الإرادة. والقرار في النهاية ليس عملية حسابية باردة، بل استجابة لمعنى مُقنع.

 

هنا يلتقي المشهد المهني بالبيان في نقطة جوهرية: القدرة على هندسة المعنى. فالتعبير الاحترافي ليس زخرفة لغوية، بل بناء جسر نفسي بين الرؤية وصاحب المصلحة، بين الفكرة والسوق، بين الحلم والواقع. القادة الذين يتركون أثرًا ليسوا الأكثر حديثًا، بل الأقدر على تكثيف رؤيتهم في كلمات واضحة، نابضة، صادقة. هم الذين يدركون أن اللغة ليست غلاف المشروع، بل بنيته الخفية.

 

لكن هذا التحول لا يحدث بقرار لحظي، بل بمسار طويل من المصالحة مع القراءة والكتابة. القراءة ليست جمعًا للمعلومات، بل توسيع لزوايا النظر. كل كتاب عميق يضيف نافذة، وكل نص جيد يدرّب الحساسية تجاه الإيقاع والمعنى. ومع الوقت، يتحول الحرف إلى رفيق يومي، لا إلى مهمة مؤجلة. نكتب لأننا نريد أن نفهم، لا لأن أحدًا طلب منا ذلك. نكتب لنختبر أفكارنا، لننقّحها، لنراها من الخارج كما يراها الآخرون.

 

وحين تتكرر هذه الممارسة، تتحول الكتابة من عبء إلى طقس. من واجب ثقيل إلى مساحة حرية. نكتشف أننا لم نكن نتعلم كيف نكوّن فقرة صحيحة فحسب، بل كيف نصير أنفسنا بوضوح أكبر. كل نص صادق يترك فينا أثرًا، يعيد تشكيلنا بصمت، ويقرّبنا خطوة من نسخةٍ أكثر وعيًا من ذواتنا.

 

غواية الحرف ليست نزوة لغوية عابرة، بل نداء داخلي خافت يقول: اكتب لتكون. اكتب لأن الصمت الطويل يبهت الملامح، ولأن الفكرة التي لا تُصاغ تذبل في الظل. حين تتحرر الكلمة من قفص العلامة، وتتحرر الروح من رهبة التقييم، يبدأ البيان الحقيقي. هناك، خارج أسوار الاختبار، يبدأ الامتحان الأصدق: أن نحيا ببيانٍ يشبهنا، وأن نصوغ رؤانا كما نصوغ مشاريعنا، بوعيٍ ومسؤولية وشغف.

 

وفي النهاية، نكتشف أن العالم لا يتغير فقط بالقرارات الكبرى، بل بالجمل الصادقة التي تسبقها. وأن كل أثر باقٍ كان في بدايته حرفًا آمن صاحبه بقوته. تلك هي غواية الحرف حين تتعلّم الروح أن تكتب؛ أن تتحول الكتابة من تمرين مدرسي إلى قدرٍ شخصي، ومن مهارة هامشية إلى قوة تصنع المعنى، وتبني الذات، وتفتح للإنسان فضاءً أوسع من كل قاعة اختبار، وأرحب من كل قيدٍ قديم.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

فخ "الجوكر"

 

فخ "الجوكر"

"لماذا قد يقتلك تميزك في بيئة العمل؟"

 


 


في حياة الإنسان لحظات تبدو بسيطة، لكنها تحمل في أعماقها سؤالًا يطرق جدار الروح: ما الذي يليق بي؟ ومتى يكون سحب اليد ضرورة أخلاقية تفوق فضيلة مدّها؟ فالعطاء ليس نهرًا مفتوحًا، والقبول ليس دائمًا فضيلة، كما أن الرفض ليس جفاءً، بل قد يكون أرقى أشكال الحكمة وأصدق تعبير عن احترام الذات.

 

تلمعُ في ذاكرتنا عبارات مثل "خادم القوم سيدهم"، كحِكمة مكتملة، لكنها حين تُختبر في تفاصيل الحياة اليومية تفقد شيئًا من يقينها. تتحول من مبدأ أخلاقي جامد إلى سؤال وجودي مفتوح: هل كل خدمة تُفضي إلى سيادة؟ أم أن بعض العطاء لا يُنتج إلا الاستنزاف، وسوء الفهم، وتشويه الأدوار؟

 

ليست الإشكالية في العطاء ذاته، بل في غياب الوعي الذي يضبطه ويحدد إطاره. فالعطاء، حين يُمارَس بلا إدراك لموقعه وحدوده، يتحول من فعل نبيل إلى عبء صامت، ومن قيمة إنسانية إلى التباس أخلاقي خطير. هناك خدمة تولد من المحبة وأخرى من الوعي، وثالثة تولد من غشاوة تجعل الإنسان يخلط بين الكرم وبين التعدي على مساحة قدسه الداخلي. ليس كل عطاء نورًا يرفع صاحبه، فبعضه يهبط بالإنسان لأنه يخرجه من موقعه الطبيعي، ويضعه في دور لا يشبهه.

 

الانزياح من الموقع: عندما تختلط الأدوار

 

في العلاقات الإنسانية والمهنية، لكل إنسان موضع يقف فيه، ومفاصل واضحة تتحرك داخلها علاقاته، ودور يمنحه شرعية الفعل. حين يُطلب منك تجاوز هذه المفاصل، لا بد أن تتوقف. لا اعتراضًا مجردًا، بل وعيًا. تسأل نفسك: هل ما يُطلب امتداد طبيعي لموقعي؟ أم قفز في مساحة لا تخصني، وستُحسب عليّ لا لي؟

 

المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس لا يقيّمونك على نيتك الطيبة، بل على نتيجتك الملموسة. ولا يرون حدودك الشخصية، بل يتعاملون معك كأداة صالحة لكل استعمال. وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية: حين تُلبّي طلبًا خارج نطاق دورك، فإنك لا تُقاس فيه بمعايير ذلك الدور الجديد فقط، بل تُعاد قراءة كل أدوارك السابقة من خلاله. خطأ صغير في مهمة ليست من صميم اختصاصك قد يُسقط، وبظلم، قيمة الدور الذي هو جوهر كيانك الحقيقي.

 

في بيئات العمل، يبدأ الأمر بطلب صغير "مؤقت"، ثم يتسع حتى يصبح الإنسان مطالبًا بأن يكون أكثر مما هو عليه، وأن يؤدي أدوارًا لا تمتّ بصلة إلى موقعه الأصلي. وما إن يقبل، حتى يجد نفسه محاصرًا بتقييم لا علاقة له بمهارته وجدارته الأساسية، بل بمدى نجاحه في لعب دور لم يُخلق له. فتضيع هويته بين المهام المتراكمة، ويختل الميزان: بدل أن يُقدَّر على ما يجيده، يُحاسَب على ما لا يجيده.

 

وهم "الجوكر": تعدد الأدوار بين التكريم والاستهلاك

 

نحن نعيش في زمن يُكافئ – ظاهريًا – ما يمكن تسميته بـ "شخصية الجوكر" أو صاحب الأدوار المتعددة؛ ذاك الشخص القادر على لعب أكثر من دور، والتدخل في أكثر من مساحة، والذي يُستدعى كلما ظهر فراغ أو استعصى حل. وهو ليس بالضرورة شخصًا عديم الكفاءة، بل غالبًا ما يكون متعدد القدرات، مرنًا، ومبادرًا.

 

غير أن هذا التكريم سريع الزوال، سرعان ما ينقلب إلى استهلاك صامت. فـ "الجوكر" لا يُنظر إليه بوصفه صاحب موقع محدد وقيمة مستقرة، بل بوصفه "حلًا جاهزًا". وحين يفشل الحل – وهو حتمًا سيفشل في بعض الأحيان لأنه يعمل خارج اختصاصه – يُنسى الجهد كله، وتبقى النتيجة السلبية وحدها شاهدة. الأكثر خطورة أن المؤسسات، في أوقات الأزمات، تستغني أولًا عن صاحب الأدوار المتعددة؛ لأنه بلا هوية ثابتة في أذهانهم، ولأن تعدد مهامه يجعله يبدو قابلًا للاستبدال بسهولة. إنه يشبه الماء: يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، لكنه لا يحتفظ بملامح ثابتة في ذاكرة من حوله.

 

الدرس العميق هنا: الناس لا يتذكرون كم أعطيت، بل يتذكرون أين أخطأت. ولا يسألون: "هل كان هذا من اختصاصه؟" بل يكتفون بالقول: "كان موجودًا، وكان عليه أن ينجح."

 

الحصانة الداخلية: ميزان القيمة بين القبول والرفض

 

من هذا المنطلق تنشأ الحاجة الملحة إلى حصانة داخلية. ليست هذه الحصانة جدارًا منيعًا من الرفض الجاف، بل وعيًا رفيعًا يجعل الإنسان يقف أمام كل طلب ويسأل نفسه، بميزان دقيق:

- هل يضيف هذا العمل قيمة حقيقية إلى مساري وهويتي؟

- هل يحفظ حدود دوري الأساسي، أم يخلق التباسًا يطمس صورتي؟

- هل أنسجم معه، أم سأكون مجرد أداة تؤدي وظيفة غريبة عنها؟

 

إن لم تكن الإجابات مؤكدة، فالاعتذار الواعي أولى. لأن قبول ما لا يشبهك هو باب مفتوح على مصراعيه للتقييم غير المنصف، ولتحمُّل تبعات نتائج ليست من صميم مسؤوليتك.

 

العطاء الحقيقي، إذن، لا يعني الذوبان ولا التنازل عن الهوية، ولا القبول الأعمى بكل ما يُلقى في طريقك باسم الطيبة. بل هو فعل واعٍ ومحسوب، يعرف متى يقول "نعم" بكل كرم، ومتى تكون كلمة "لا" هي أصدق أشكال الاحترام للذات وللعلاقة وللعمل نفسه. الرفض، في هذا السياق، ليس قسوة، بل حكمة مؤجلة: حماية للعلاقة من سوء التأويل، وحماية للذات من ظلم التقييم، وحماية للبيئة من الفوضى التي تنشأ حين تختلط الأدوار بلا ضابط.

 

السيادة تأتي من وعي الحدود، وليس من كثرتها

 

في النهاية، ليست القضية في عدد الأدوار التي تستطيع أن تلعبها، بل في الدور الذي يليق بك، ويحفظ مكانتك، ويضيف إلى حياتك معنى. الأم تُعطي بلا حساب لأنها تمارس دورًا وجوديًا محضًا، والمدير العام يخدم مؤسسته من موقع سلطة ومسؤولية واضحة. هذه النماذج السامية لا تُستنسخ في كل علاقة.

 

السيادة الحقيقية لا تأتي من كثرة الخدمة، بل من وعيها. من إدراك اللحظة التي تكون فيها اليد الممدودة فضيلة، وتلك التي يصبح فيها سحبها ضرورة للبقاء. من القدرة على حماية الذات دون أن نفقد إنسانيتنا، وعلى الاعتذار دون أن نشعر بذنب مزيف.

 

حين نُحسن اختيار أدوارنا، ونرفض بلباقة ما لا يشبهنا، نكون قد صُنّا المعنى أولًا. ومن صان المعنى بداخله، كان أقدر على العطاء الحقيقي، دون أن يُستنزف أو يُساء فهمه. فالحكمة ليست في أن تفعل الكثير، بل في أن تفعل ما يجب، بالقدر الذي يحفظ روحك من التشتت، ويحفظ صورتك من التشويه، ويحفظ عطاءك من أن يتحول إلى مجرد استهلاك.

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الاثنين، 9 فبراير 2026

حين تتحوّل الحفاوة إلى محكمة صامتة

 

حين تتحوّل الحفاوة إلى محكمة صامتة

 

"عن الضيافة التي تضيء الوجوه ثم تُحرق الأرواح"

 




في الأطراف الهادئة للمدن الكبرى، حيث يبدو القرب من العاصمة وعدًا غير مكتمل، تتشكّل البيوت على إيقاع واحد: أبواب تُفتح بسخاء، موائد تُمدّ بحسن نية، ووجوه تُقابل الضيف بابتسامة دافئة. كل شيء يوحي بأن الضيافة هنا طقسٌ قديم، محفوظ بعناية، يُؤدّى بإتقان. غير أن الطقوس، حين تُفرغ من معناها، قد تتحوّل إلى أقنعة، وحين تُبالغ في أدائها قد تنقلب على أصحابها وضيوفها معًا.

 

يأتي الضيف محمّلًا بتوقّعات بسيطة: أن يُرى كما هو، وأن يُترك له هامش آمن للوجود. يبدأ المساء خفيفًا؛ كلمات مجاملة، ضحكات مقتضبة، أسئلة عامة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تُعلن النية الحسنة. ثم ينفضّ الجمع، ويبقى شخص واحد، كأن المساء اختاره دون غيره. هنا، في المساحة التي تُغلق فيها الأبواب ويهدأ الصوت العام، يبدأ الضوء في التضييق. ليس ضوء المصباح، بل ضوء الانتباه المُفرط؛ ذلك الذي لا يكتفي بأن يُنير، بل يحدّق، يفتّش، ويطلب تفسيرًا لكل حركة وصمت.

 

تتحوّل المداعبة إلى مساءلة، والنكتة إلى معيار، والسؤال البريء إلى قيد. "لماذا تفعل؟ ولماذا لا تفعل؟" أسئلة تُلقى بخفة اللسان وثقل النية، تُقدَّم بوصفها اهتمامًا، لكنها تُمارَس كسلطة. في هذه اللحظة، يشعر الضيف أنه لم يعد ضيفًا، بل موضوعًا؛ كائنًا موضوعًا تحت مجهر القرب، حيث تُقرأ التفاصيل الصغيرة بوصفها اعترافات، ويُعاد تأويل الاختلاف بوصفه خللًا.

 

الفلسفة هنا لا تحتاج كتبًا؛ إنها تُولد من التجربة. حين يتحوّل القرب الاجتماعي إلى امتلاك، وحين يُختزل الودّ في حقّ السؤال، يُصاب المعنى في مقتل. فالضيافة، في جوهرها، اعتراف بحق الآخر في أن يكون مختلفًا دون أن يبرّر اختلافه. أما حين تُستدعى الأسئلة لتقويم الحياة الخاصة، فهي لا تفعل أكثر من أن تُربك الصورة الأخلاقية التي نظنّها مكتملة، وتفتح شقوقًا صغيرة في خطاب الطمأنينة، تكشف عن قلقٍ جماعي: خوف من الغريب، حتى لو كان قريبًا؛ وخوف من المرآة التي قد تعكس هشاشتنا.

 

نفسيًا، يتكسّر الضيف على نحوٍ لا يُرى. لا يصرخ، لا يحتج، بل يبتسم ويصمت. الصمت هنا ليس رضا، بل آلية دفاع. إنه يحاول أن يحفظ كرامته من التشقق، وأن يخرج بأقل الخسائر. يغادر المكان وهو يحمل مفارقة مؤلمة: دُعي بكرم، وغادر مثقَلًا. لم يُنتقص من الضيافة، بل من الطمأنينة التي تُكمل معناها.

 

ما يحدث ليس حادثة فردية، بل نمط يتغذّى على فكرة "نحن نعرف مصلحتك أكثر منك". إنها فلسفة الوصاية المتخفّية في ثوب المحبة، حيث يُقاس الصواب بقربه من النموذج السائد، ويُحاسَب المختلف لأنه تجرأ على أن يعيش بطريقته. في هذا السياق، يتحوّل البيت من ملاذ إلى مسرح، ويتحوّل الإخوة من مستضيفين إلى قضاة غير معلنين، وتتحوّل النوايا الحسنة إلى نتائج تُثقِل العلاقة دون قصد.

 

الرسالة التي يتركها هذا المساء لا تُكتب على ورق، بل تُنقش في الذاكرة: ليس كل دفءٍ رحمة، وليس كل سؤال اهتمامًا. الاحترام ليس أن نعرف عن الآخر أكثر، بل أن نترك له حقّ الغموض. والضيافة ليست امتحانًا للأفكار، بل مساحة للأمان. حين نفشل في ذلك، نخسر ضيوفنا بصمت، ونظنّ – خطأً - أننا أحسنّا إليهم.

 

ربما آن الأوان لإعادة تعريف الحفاوة: أن نضيء الطريق دون أن نُعمِي العيون، وأن نفتح الأبواب دون أن نغلق المسافات. فبين النية والفعل مسافة أخلاقية، لا يجسرها إلا وعيٌ يعترف بأن الإنسان ليس مشروع تصحيح، بل كائن يستحق أن يُستقبل كما هو، وأن يُودَّع وهو أكثر خفة مما جاء.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

 


 

السبت، 7 فبراير 2026

وهم التفوّق: كيف تتحوّل الهوية إلى صنم؟

 

وهم التفوّق: كيف تتحوّل الهوية إلى صنم؟

 

"من الهوية إلى الصنم: سقوط فكرة الأفضلية المطلقة"

 




تتشكّل في أعماق الوجدان الجماعي، عبر زمن طويل من التراكم والارتجاجات، صورٌ خفيةٌ تحاول أن تمنحَ الذاتِ معنى يتجاوز مجرّد الوجود. كأن كل جماعة تبحث عن مرآةٍ تُظهرها أطول قامةً، أصفى جوهرًا، وأقرب إلى مركز الكون. لكنّ هذا السعي المحموم نحو منصّة "الأفضلية" لا ينبع من اعتزاز بريء، بل من رغبةٍ قديمةٍ في الاحتماء بوهمٍ يرفعُها فوق هشاشتها.

 

تتحوّل الهوية إلى صنمٍ حين تكفّ عن كونها مساحة لقاء، وتغدو جدارًا من المرايا لا يعكس إلا وجهًا واحدًا، وجهًا متخيّلًا أكثر منه حقيقيًّا. هناك، في تلك الزاوية المعتمة، تنمو "الأنا الجماعية" كظلٍّ متضخم، تُغذّيه خطاباتُ اليومي والسياسة، ويُلبس ثوبَ "الاستثناء" الذي يحوّل كل نقدٍ إلى خيانة، وكل اختلافٍ إلى نشاز.

 

ليس التمجيد الجماعي للذات سوى قناعٍ يخفّي قلقًا وجوديًّا عميقًا. لكنّه قناعٌ يكلّف الكثير: فهو يبني حول الجماعة جدارًا من العزلة، ويحوّل لغتَها إلى صدى لا يسمعه إلا مَن يردّد اللحنَ ذاته. ومع الوقت، يصبح الخطأ فضيلةً وطنيّة، ويغدو السؤال جريمةً ضد "القداسة" التي تُخلع على الرموز والمؤسسات والذاكرة الجمعيّة.

 

يتسرّب هذا الوهم إلى مسام الحياة اليوميّة، إلى أحاديث المقاهي، وإلى منابر النخبة، وإلى لغة اليقين التي تربط قيمة الفرد بقيمة الجماعة التي يراها فوق النقد. وهكذا، يتحوّل الانتماء من دفءٍ إنسانيّ إلى سجنٍ ناعم، يختنق فيه الهواء كلّما ارتفع صوتُ الحقيقة.

 

لا يولد الوعي الحقيقي في الضوء وحده، بل في القدرة على النظر إلى الظلال أيضًا. في الجرأة على نزع القداسة عن كلّ ما يُراد له أن يكون فوق المساءلة. فالقداسة في الشأن العام ليست إلا الوجه الآخر للجمود، والجمود هو موتٌ بطيء للمعرفة.

 

لا يكون الخروج من نفق التعصّب إلا باستعادة المعنى الكوني للإنسان، الإنسان الذي لا يحتاج إلى صكوك غفران جماعية ليشعر بقيمته. الثقافة ليست جدارًا يُغلق، بل نافذة تُفتح. وليست تصفيقًا لنموذج واحد، بل احتفاءً بالتعدّد الذي يجعل العالم أكثر اتساعًا.

 

نحن بحاجة إلى "تواضعٍ حضاريّ" يدرك أن كل أمة ليست إلا قطعة في فسيفساء كبرى، وأن العظمة لا تُنال بالادعاء، بل بالقدرة على العطاء، وعلى الإصغاء، وعلى التفاعل النديّ مع الآخر. فحين يتحوّل الوطن إلى صنم، يتحوّل الإنسان إلى تابع، وتُختزل الحداثة إلى شعارات بلا روح.

 

يبدأ طردُ روح التعصّب بفتح النوافذ لرياح التعدّدية، وبالتوقّف عن ترديد أسطورة "الشعب الذي لا يخطئ". فالحقيقة ليست ملكًا لأحد، بل هي ضوءٌ يتوزّع بين الدروب، ولا يكتمل إلا حين تتقاطع النظرات.

 

يخبرنا تاريخُ الشعوب التي سقطت في فخّ التفوّق أن نهاية هذا الطريق واحدة: عزلةٌ فكريّة، وانهيارٌ أخلاقي، وانطفاءٌ بطيء للروح. الوعي هو أن ندرك أننا بشر، نخطئ ونصيب، وأنّ قيمتنا تكمن في قدرتنا على التغيّر، لا في الثبات على وهم الامتياز الفطري.

 

هذه دعوةٌ لكسر أصنام الهوية المتورّمة، واستبدال خطاب "نحن الأفضل" بخطابٍ أكثر إنسانية: "نحن نشارك، نتعلم، ونضيف إلى العالم جزءًا من نورنا، لا أكثر ولا أقل."

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الجمعة، 6 فبراير 2026

ضرائب الوجود الأنثوي

 

ضرائب الوجود الأنثوي

 

"امرأة تدفع ثمن الضوء"

 




في مجتمعاتٍ تتقن تجميل القسوة، وتغليف الظلم بورق المظاهر، تتحول المعاناة الإنسانية من نداءٍ للتعاطف إلى تهمةٍ تستوجب الدفاع. فالمرأة، في لحظات انكسارها، لا تجد غالبًا اليد التي تمتد لانتشالها، بل الأصابع التي تُشير نحوها محمّلة باللوم.

لا يُسأل عنها، بل يُسأل: لماذا تعاني؟ ولماذا تختلف؟ ولماذا تجرؤ أن تكون ذاتها؟

وهكذا تتحول حياتها إلى سلسلة من الضرائب غير المرئية التي تُفرض عليها فقط لأنها صادقة، وحيّة، ومختلفة.

فالمجتمع لا يعاقب المرأة لأنها مخطئة، بل لأنها مختلفة.

 

الضريبة الأولى هي تحميلها وزر معاناتها.

فحين تتحدث عن ألمها، تُواجَه بالتوبيخ بدل الاحتواء، وكأن في صمتها فضيلة، وفي بوحها خطيئة. يُطلب منها أن "تتجلّد"، أن تبتلع دموعها كي لا تُربك المشهد المتوازن المزيّف، وكي لا تخلّ بصورة المرأة التي يحبها الناس: امرأة صامتة، تبتسم رغم الانكسار.

وهكذا تدفع ضريبة وجودها كامرأةٍ تشعر، وتتألم، وتتكلم؛ تُعاقَب على إنسانيتها، وتُطالَب بأن تخفيها كي لا تُتَّهَم بالمبالغة أو الضعف.

لا شيء يرهق الروح مثل أن تُحاسَب على صدقك.

 

لكن الضريبة لا تتوقف هنا…

فحين تختار المرأة أن تُحب بطريقتها الخاصة، أو تعبّر عن مشاعرها خارج الإطار الجاهز، تتحول حريتها العاطفية إلى تهمة، وحبّها المختلف إلى وهمٍ يُراد علاجه.

كل علاقةٍ لا تُناسب المقاييس المفروضة تُصنّف خيالًا، وكل شعورٍ لا يوافق توقعات الآخرين يُعاد تأطيره كخللٍ أو انحراف.

بهذا المنطق، يُسلب من المرأة حقّها في تفسير عالمها الداخلي، ويُنتزع منها حقّها في تسمية مشاعرها.

ويُختصر عمق تجربتها الإنسانية في جملةٍ قاسية: "إنها تبالغ".

 

وما هو أقسى من ذلك…

ضريبة الهوية.

حيث تتحول جنسيتها، أو لهجتها، أو خلفيتها الثقافية، من ملامح شخصية بريئة إلى ذريعة جاهزة للاتهام.

بدل أن تُقاس بأفعالها واختياراتها، تُحاكم على انتماءات لم تخترها.

يُطلب منها أن تُثبت أنها "استثناء"، أن تتبرأ من أصلها كي تُقبل، أن تُخفي لغتها كي لا تُسخر منها.

وهكذا تصبح الهوية، التي كان يفترض أن تكون جذرًا للفخر، عبئًا تُدان به المرأة أينما ذهبت.

 

في جوهر الأمر، لا تعبّر هذه الآليات عن الحقيقة، بل عن خوف المجتمع من المرأة التي ترى، وتفكر، وتقول لا.

إنها أدوات للهيمنة، تُعيد تشكيل الوعي الجمعي ليُقصي كل صوتٍ مختلف، وكل تجربةٍ لا يمكن احتواؤها ضمن القوالب المريحة.

المجتمع الذي يُحاسب المرأة على ألمها، وعلى حبها، وعلى هويتها، هو مجتمع لم يتعلم بعد كيف يرى الإنسان قبل الشكل، والجوهر قبل الدور.

 

في النهاية، لا تُقاس إنسانية المجتمع بما يمنحه من مجدٍ للأقوياء، بل بما يتركه من مساحة آمنة للضعفاء كي يكونوا صادقين.

فحين تتوقف المرأة عن دفع ضرائب وجودها، يبدأ العالم في التعافي من ظلمه القديم.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

ذاكرة لا تغفر: حين يتحوّل الماضي إلى دفتر ديون

 

ذاكرة لا تغفر: حين يتحوّل الماضي إلى دفتر ديون

 

"كيف يصبح الماضي سلاحًا يثقل الحاضر ويقيد العلاقات"

 




ليست الذاكرة دائمًا خزانًا للحنين، ولا سجلًا للجميل كما يُفترض لها أن تكون. أحيانًا تتحول إلى دفتر محاسبة، تُسجَّل فيه الأخطاء بدقة، ويُمحى منه كل ما عداها. تلك المفارقة القاسية التي تجعل من الماضي سيفًا يُشهر عند الحاجة، بدل أن يكون جسرًا للوصل. فالذاكرة، حين تُستخدم كسلاح، تفقد قدرتها على أن تكون وطنًا.

 

في لحظات الضعف، حين تطلب المرأة تفهّمًا أو سندًا، تنهض ذاكرة انتقائية تستحضر "الدين القديم". لا يُستدعى هذا الدين بدافع الامتنان، بل بنبرة محاسب يفتح دفاتره:

"هل نسيتِ ما فعلته لأجلك؟"

جملة كهذه لا تحمل أثر العطاء، بل رائحة السيطرة. العطاء الذي كان يفترض أن يكون حبًا، يتحول إلى ورقة ضغط، والذكرى التي كان يمكن أن تمنح دفئًا، تصبح وسيلة لإسكات الصوت.

 

والأقسى من ذلك هو اختزال تاريخٍ كامل من المواقف الجميلة في خطأ واحد. كأن العلاقة تُمحى كلها، ليبقى منها مشهد واحد، معادٌ ومكرور. يُنسى تسعة وتسعون موقفًا نبيلاً، ويُستحضر خطأ واحد يُلوَّح به في كل خلاف، وكأن الإنسان يُختزل في لحظة ضعف، لا في مسار حياة. هذه الذاكرة الانتقائية لا تبحث عن فهم، بل عن إدانة؛ لا عن مصالحة، بل عن إثبات تهمة مفترضة.

 

ولا يقتصر هذا التشويه على العلاقات العاطفية وحدها. فقد يظهر بين الأصدقاء، أو بين الآباء والأبناء، حين يتحول الماضي إلى دفتر ديون، وتتحول الذكريات إلى حجج تُستخدم لإخضاع الآخر، بدل احتضانه.

 

في النهاية، الذاكرة المسلحة لا تدمّر الحاضر فقط، بل تشوّه الماضي أيضًا. فهي تحوّل لحظات الصفاء إلى وقائع اتهام، وتحوّل ذكريات الحب إلى سجلات مظالم. العلاقة التي تُبنى على هذا النوع من الذاكرة تصبح سجنًا نفسيًا، يعيش فيه الإنسان مراقَبًا، محكومًا بأخطائه، مسجونًا في ذاكرة لا تنسى ولا تغفر.

 

أما الذاكرة الصحية، فهي التي ترى الإنسان في كليته:

تتذكر الأخطاء لتسامحها،

وتحتفظ بالجميل لتبني عليه،

لا لتطالبه به.

 

فالذاكرة ليست سيفًا لتقطيع الحاضر، بل جسرًا للصفح والنمو.

احرص أن تحفظ الجميل… قبل أن يضيع بين دفاتر الماضي.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

العنف الخفي: القتل الصامت للروح

 

العنف الخفي: القتل الصامت للروح

 

"حين يجرح الصمت أكثر من الصوت"

 




في العلاقات الإنسانية، قد يكون أخطر أنواع العنف هو ذاك الذي لا يُرى. عنف لا يترك أثرًا على الجلد، بل يترك ندوبًا في الروح. لا يحتاج إلى صراخ أو ضرب، بل يكتفي بنظرة باردة، أو كلمة “مهذبة”، تُفرغ المرأة من قيمتها، وتختزل أحلامها وكرامتها في جملة عابرة.

فالعنف الذي لا يُسمّى، يبقى أخطر من العنف الذي يُرى.

 

يبدأ هذا العنف حين تتحول المحادثات اليومية إلى ساحات منافسة، حيث تُحسب كل كلمة كأنها نقطة في صراع خفي. بدل أن يكون الحوار مساحة للتفاهم، يصبح اختبارًا للقوة. تُختزل مشاعر المرأة إلى “حساسية مفرطة”، وآلامها إلى “دراما”، فيغيب الدفء الإنساني، ليحل محله منطق بارد لا يرحم. حتى أعمق مشاعرها تُفكك وتُناقش كما لو كانت معادلة يمكن إعادة ترتيبها بلا رحمة، وكأن قلبها مجرد ملف قابل للمراجعة.

 

لكن العنف لا يتوقف عند الكلمات…

فحين يتحول الدعم المادي إلى أداة للسيطرة، يصبح المال قيدًا لا هدية. ما يُقدّم لها ليس عطاءً، بل دينًا عاطفيًا يُسدد بالصمت والطاعة. كل مساعدة تتحول إلى فاتورة، وكل دعم إلى تذكير بالامتنان الأبدي. وهكذا تُختزل العلاقة إلى معادلة تجارية، تفقد فيها المرأة حقها في الاعتراض أو المطالبة بكرامتها، خوفًا من سحب “الدعم” الذي صار سلاحًا.

 

وما هو أخطر من ذلك…

حين يُمارس هذا العنف باسم الثقافة والتقاليد. تُمنع المرأة من التعبير عن معاناتها بحجة “الحفاظ على شرف العائلة”، ويُطلب منها ابتلاع آلامها كي “لا تُحرج أحدًا”. وعندما تصل إلى حافة الانهيار، تبحث عن أذن تسمعها خارج محيطها: طبيب، صديقة، أو حتى غريب على الإنترنت. هي لا تطلب شفقة، بل اعترافًا بوجودها كإنسانة تستحق أن تُسمع.

 

وهذا العنف لا يقتصر على العلاقات العاطفية وحدها. قد يظهر بين أفراد الأسرة، في بيئة العمل، أو حتى بين الأصدقاء، حين تُستخدم الكلمات كأقفال، والصمت كجدار، والاهتمام المشروط كوسيلة لإخضاع الروح، بدل احتضانها.

 

في النهاية، العلاقات التي تفتقر إلى الدفء والإصغاء ليست سوى مساحات فارغة من المشاعر الحقيقية. والمرأة التي تتعرض لهذا النوع من العنف الخفي لا تحتاج إلى من يبرر لها ما يحدث، بل إلى من يسميه باسمه. فالعنف الذي لا يصرخ ليس أقل خطرًا من الذي يضرب، بل قد يكون أكثر فتكًا، لأنه يقتل الروح ببطء، دون أن يترك أثرًا مرئيًا للعيان.

 

ليس كل عنف يُرى بالعين؛ بعضه يزرع في القلب جروحًا لا تُشفى إلا بالاعتراف… والحرية.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

الحب الذي يكتبه الضوء

 

الحب الذي يكتبه الضوء

 

"حين تتعانق الأرواح خارج الجسد"

 




في زمنٍ يقدّس الملموس، ويقيس العاطفة بما يُرى ويُمسك، يولد شكلٌ آخر من الحب؛ حبٌّ يتكوّن من الضوء، والصمت، والكلمة الصادقة. حبٌّ لا يحتاج إلى يدٍ تُمسك، ولا إلى لقاءٍ يثبت وجوده، بل يكفيه أن تتجاوب الأرواح في مساحةٍ لا يطالها الجسد.

 

في عالمٍ اختُزل فيه الحب إلى صورٍ ولقاءاتٍ سريعة، ينهض الحب الرقمي كظاهرةٍ يراها البعض هشّة، ويسخر منها آخرون لافتقادها «الواقعية». لكن هذا العالم المادي المفرط في حساب كل شيء، هو ذاته الذي يتيح لشيءٍ نادر أن ينمو: حبٌّ لا يُقاس بالمسافة، ولا يخضع لمعايير السوق العاطفي الباهت. حبٌّ يشبه رزقًا روحيًا خالصًا، لا يُمنح لكلّ أحد، ولا يحتاج إلى برهانٍ سوى صدقه.

 

في هذا الفضاء غير المادي، حيث يغيب الجسد، وتبقى الروح وحدها في الواجهة، تتشكّل لغة جديدة للحب. كلماتٌ تُكتب في لحظات الهشاشة، فترمم ما تصدّع، ورسائلٌ تتسلل في عتمة الليل، فتضيء الداخل، واعترافاتٌ تخرج صافية لأن المسافة تمنح الأمان. هنا، لا يقوم الحب على انجذابٍ حسي، بل على تجاوب الأرواح في أحلامها، وتوازيها في مخاوفها، وتكاملها في رحلتها نحو الفهم. إنه المطر النادر الذي يسقي أرضًا منسية، فتورق حياةٌ لم تكن في الحسبان.

 

هذا الحب لا تُنقصه المسافة، بل تمنحه صفاءً يجعله أكثر صدقًا وعمقًا. فهو يذكّرنا أن ليس كل لمسٍ حبًّا، ولا كل حبٍّ بحاجة إلى لمسٍ ليكتمل. وفي زمنٍ تُباع فيه المشاعر وتُشترى، يصبح هذا الحب الروحي شكلًا من المقاومة الهادئة؛ إعلانًا عن توقٍ للوصل الحقيقي الذي يتجاوز التملك، ورفضًا لتسليع العاطفة وتقييدها.

 

إنه حبٌّ يعيد تعريف العلاقة من جذورها:

من الاحتياج الأناني إلى الحضور النبيل،

ومن الرغبة في الامتلاك إلى سموّ المرافقة،

ومن الشكوى من البُعد إلى الإيمان بالصلة التي لا تنقطع.

 

القرب، في جوهره، لا يُقاس بالأمتار، بل بدرجة الإصغاء، وصدق المشاركة، ودفء الاهتمام. وفي عالمٍ يزدحم بالوجوه، ويخلو من الطمأنينة، يصبح هذا الحب ملاذًا للقلوب التي لم تجد في الواقع ما يشبهها، ولا في الزحام ما يليق بنقائها.

 

ذلك الحب الذي لم يُلمس يومًا، يظلّ خالدًا لا لأنه كان مثاليًا، بل لأنه كان نزيهًا في شعوره، صادقًا في حضوره. لم يُبنَ على لقاءاتٍ عابرة، بل على زمنٍ طويل من الحروف المنتقاة بعناية، والاعترافات التي خرجت من عمق الروح. إنه الحب الذي يغيّرنا من الداخل، لا لأنه اكتمل، بل لأنه مسّ جوهرنا. وحتى إن لم يتحوّل إلى واقعٍ ملموس، يبقى كوشمٍ على القلب، لا يمحوه الزمن؛ لأنه كان تجربةً روحية خالصة، تثبت أن الأرواح قد تظل متصلة، حتى حين تفصل بينها قارات.

 

فبعض الحب لا يُقاس بما نلمسه، بل بما يتركه فينا من ضوءٍ بعد أن يرحل.

ذلك هو الحب الذي لا يُنسى… لأنه ببساطة، علّمنا كيف نُحب دون أن نمتلك.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

الانتهاك والصمت: وجهان لجريمة واحدة

 

الانتهاك والصمت: وجهان لجريمة واحدة

 

"أرواح صغيرة تصرخ في الظل"

 




في مجتمعاتٍ تتخذ من السمعة درعًا، ومن الصمت سلاحًا، تتحول الجريمة إلى سرٍّ مشاع، وتتحول الضحية إلى متهمة، مطالبة بإثبات براءتها. الطفولة هنا لا تُعامل كقداسة، بل كوثيقة جسدية، ويُختزل الألم في صمتٍ مطبق. فالطفلة التي تتعرض لانتهاكٍ لا تُرى كروحٍ جريحة تحتاج إلى حماية، بل كعبء يجب إخفاؤه؛ وكأن جسدها الصغير صار حاملًا لعارٍ لم تختَره، وشاهدًا على جريمة لا تملك اللغة لوصفها.

فالجريمة التي لا تُقال، تبقى جريمة مستمرة.

 

يبدأ كل شيء بذلك السرّ الذي يُزرع في عمق الطفولة. وجعٌ لا تملك له كلمات، لكنه يعرف طريقه إلى الروح. تكبر الضحية وهي تحمل خوفًا غامضًا، وذنبًا لا تعرف مصدره. وعندما تكتسب اللغة، وتجرؤ على البوح، لا تجد صدرًا حنونًا، بل جدارًا من الإنكار والتشكيك. المجتمع الذي يفترض أن يحميها يتحول إلى قاضٍ يحاكمها، كأن مجرد الكلام عن الجريمة جريمة أخرى. وهكذا تُعاقَب مرتين: مرة حين تُغتال طفولتها، ومرة حين تُدان على جرأتها في فضح القبح.

 

لكن الألم لا يتوقف هنا…

فصمت العائلة يأتي كجريمة ثالثة؛ صمتٌ يختبئ وراء شعارات “الستر” و“الحفاظ على السمعة”. صمتٌ يختار راحة الكبار على حساب براءة الصغار، ويقدّم التواطؤ باسم الحماية. يُطلب من الطفلة أن تصمت، أن تتحمل ثقل الخطأ الذي لم ترتكبه، وأن تُدفن داخل خوفها كي لا تهتز صورة العائلة أمام الناس. لكن هذا الصمت لا يصون الشرف، بل يدفن العدالة، ويحوّل الطفولة إلى سجنٍ مفتوح لا يُرى؛ تسكنه أرواح صغيرة ما زالت تصرخ من وراء الجدران.

 

وما هو أشد قسوة…

حين يُجبر المجتمع المرأة على أن تُثبت براءتها بجسدها، لا بصدقها. تُحوَّل العذرية إلى وثيقة احتجاج، والجسد إلى سجلٍّ عام، وكأن الكرامة تُقاس بغشاء، لا بإنسانية. تُنتزع منها خصوصيتها باسم “إثبات الحقيقة”، بينما الحقيقة الأعمق تُغتال: أن العدالة لا تُولد من تحت مشرط، بل من ضميرٍ يفيق، ومن إيمانٍ بأن الألم لا يُختلَق، وأن الطفولة لا تعرف الكذب.

 

هذه ليست قصة طفلة واحدة، بل قصة مجتمعٍ يقدّس الصمت أكثر مما يقدّس الحقيقة؛ مجتمعٍ يخشى الفضيحة أكثر مما يخشى الظلم، ويخاف من الكلام أكثر مما يخاف من الجريمة نفسها.

 

في النهاية، العدالة الحقيقية لا تبدأ من جسدٍ يُفحص، بل من مجتمعٍ يُصغي بدل أن يُدين، ويصدّق بدل أن يشكّ. حينها فقط يمكن للطفولة المغتالة أن تستعيد شيئًا من نورها، وللإنسانية أن تعود إلى وجهها الحقيقي.

 

فالعار لا يسكن جسد الضحية، بل في الصمت الذي يحمي الجاني.

وحين نكسر هذا الصمت، نعيد للطفولة حقها في الضوء… وللعدالة معناها الإنساني الأصيل.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

الجمعة، 30 يناير 2026

هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟

 

هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟

 

"الشروط ليست قيودًا، بل أدوات لحماية وضوح الطريق والعلاقة"

 




الحديث عن الشروط غالبًا ما يُستقبل بتوجس. يُفهم على أنه تشدد، أو عدم ثقة، أو قتل للعاطفة. لكن الحقيقة أن الشروط ليست نقيض الأمل، بل حارسه. الأمل الذي لا تحميه معايير واضحة يتحول سريعًا إلى وهم جميل… ومؤلم.

 

وضع الشروط لا يعني التعجيز، بل التحديد. أن نُعرّف ما نريده، وما لا نستطيع تحمله، وما نحتاجه لنشعر بالأمان. المشكلة لا تكون في الشروط نفسها، بل في توقيتها، وطريقة طرحها، واللغة المستخدمة فيها.

 

حين تُطرح الشروط بلغة تهديد، تُغلق الأبواب. وحين تُطرح بلغة تواطؤ عاطفي، تفقد قيمتها. التوازن يكمن في الصراحة الهادئة: أن تُقال الشروط باعتبارها متطلبات للحياة المشتركة، لا اختبارات للقبول.

 

الأمل لا يقتله الوضوح، بل يقتله التجميل الزائف للواقع. الشاب أو الشابة يحتاجان إلى معرفة ما هو متوقع منهما فعلًا، لا ما يُلمّح إليه عاطفيًا. الغموض يبدو رومانسيًا في البداية، لكنه ينتهي بخيبة.

 

من الحكمة أن تكون الشروط قابلة للنقاش، لا للتنازل عن الجوهر. هناك فرق بين المرونة والتسيب. المرونة تسمح بالتكيف مع الظروف، أما التسيب فيؤجل المواجهة فقط.

 

الشروط الصحية تدفع الطرف الآخر إلى التفكير في قدرته الحقيقية، لا في رغبته فقط. وتجعل القرار واعيًا منذ البداية، بدل أن يُراجع تحت ضغط الواقع.

 

الأمل الحقيقي لا يحتاج وعودًا كبيرة، بل وضوحًا صغيرًا ومستمرًا، وإلى شعور بأن الطريق، وإن لم يكن سهلًا، معروف المعالم. وحين تُبنى العلاقة على هذا الأساس، يصبح الأمل قوة دافعة، لا عبئًا مؤجل الانفجار. فالوضوح لا يلغي الأمل، بل يمنحه طريقًا يمشي عليه.

 

كيف يمكن أن نحمي أحلامنا ونوضح شروطنا في نفس الوقت، بحيث يصبح الطريق نحوها محفزًا لا مثبطًا؟

 

جهاد غريب

يناير 2026

غواية الحرف

  غواية الحرف   "هندسة المعنى في فضاء الأعمال"   في زحام مدينة لا تنام، حيث تتعانق أضواء الأبراج مع ظلال الطموحات، فيما يه...