السبت، 23 مايو 2026

العتب الأخير قبل الصمت

 

العتب الأخير قبل الصمت

 




حين يعاتبك صديق،

فلا تنزعج من كلماته.

 

انظر إلى ما وراءها.

 

إنه لا يهاجمك،

بل يحاول إنقاذ

ما يمكن إنقاذه.

 

العتب ليس غضبًا،

بل ألم

يرتدي ثوب الكلام.

 

ليس هجومًا…

بل استغاثة أخيرة

قبل أن يُغلق الباب

إلى الأبد.

 

***

 

الناس لا يعاتبون الغرباء.

 

الناس يعاتبون

الأماكن

التي كانوا يشعرون فيها بالأمان.

 

وحين يصمت العاتب أخيرًا،

فلا تفرح بصمته.

 

اخشه.

 

لأن الصمت

الذي يأتي بعد العتب الأخير

لا يشبه أي صمت آخر.

 

إنه ليس هدوءًا…

بل انسحاب كامل.

 

ليس سلامًا…

بل نهاية.

 

***

 

في العلاقات الإنسانية،

العتب

هو آخر محاولة للبوح

قبل الصمت.

 

هو آخر رسالة

قبل أن يُغلق الهاتف

إلى الأبد.

 

هو المحاولة اليائسة

لتفريغ التراكمات

قبل أن تتحول

إلى جدار

لا يمكن هدمه.

 

لكن أحدًا

لم يعد يفهم هذا.

 

أحدًا

لم يعد يرى العتب

إلا هجومًا.

 

فمات العتب…

 

وماتت معه

آخر محاولات إنقاذ العلاقات

قبل أن تنهار بصمت.

 

***

 

في العربية،

العتب من العَتَبة.

 

والعَتَبة…

درجة.

 

خطوة نحو الأعلى،

أو نحو الأسفل.

 

ربما كان العتب

في أصله العميق

محاولة للصعود بالعلاقة،

لا للنزول بها.

 

لكننا

في زمن البرود المهذب،

صرنا نخاف العتب

كما نخاف المواجهة.

 

ونفضل الصمت

على الكلام.

 

والاختفاء

على المصارحة.

 

***

 

وهكذا تموت العلاقات.

 

لا بالطلقات النارية…

 

بل بالصمت الطويل

الذي لا يرافقه

حتى صوت انكسار.

 

***

 

حين يتوقف الناس عن العتاب،

لا يعني ذلك

أن الأمور بخير.

 

بل يعني

أن أحدهم

قد قرر الرحيل بصمت.

 

***

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

 

لماذا أصبح البشر أكثر حساسية وأقل رحمة؟

 

لماذا أصبح البشر أكثر حساسية وأقل رحمة؟

 




ثمة مفارقة

في عصرنا الحديث

تحتاج إلى تأمل.

 

نحن أكثر حساسية

من أي جيل مضى.

 

نتألم بسرعة.

ننزعج بسهولة.

نشعر بالإهانة

من أقل كلمة.

 

نحتاج إلى معاملة

شديدة الحذر.

 

نطالب بحقوقنا

في الاحترام

والاهتمام.

 

***

 

لكن في الوقت نفسه…

 

نحن أقل رحمة.

 

أقل تعاطفًا.

أقل تسامحًا.

أقل صبرًا

على أخطاء الآخرين.

 

أقل استعدادًا للعذر.

 

أقل قدرة

على المسامحة.

 

***

 

كيف حدث هذا؟

 

كيف أصبحنا

حساسين إلى هذا الحد…

 

ومع ذلك

قساة إلى هذا الحد؟

 

***

 

ربما لأن حساسيتنا

موجهة نحو الداخل

لا نحو الخارج.

 

نحن نرى جراحنا

بوضوح.

 

لكننا لا نرى

جراح الآخرين.

 

نشعر بألمنا

بعمق.

 

لكننا لا نشعر

بألمهم.

 

***

 

نطالب بأن تُفهم مشاعرنا…

 

لكننا لا نبذل جهدًا

لنَفهم

مشاعر غيرنا.

 

***

 

هذه ليست حساسية حقيقية.

 

بل أنانية

ترتدي قناع الحساسية.

 

***

 

الحساسية الحقيقية

تعني أن تشعر بالآخر

كما تشعر بنفسك.

 

أن تتألم لألمه

كما تتألم لألمك.

 

أن تمنحه من الرحمة

ما تطلبه لنفسك.

 

***

 

أما حساسيتنا الحديثة…

 

فهي انتقائية.

 

حساسية تجاه الذات…

 

وبرود تجاه الآخرين.

 

***

 

نحن نطالب

بأن نُعامل

كزهور هشة

يجب أن يحاط بها

بكل عناية.

 

لكننا نتعامل مع الآخرين

وكأنهم صخور

لا تتأثر بشيء.

 

***

 

نريد أن نُفهم…

لكننا لا نفهم.

 

نريد أن نُعذر…

لكننا لا نعذر.

 

نريد أن نُسامح…

لكننا لا نسامح.

 

***

 

وهذه المعادلة المستحيلة

تجعل العلاقات

ساحة معارك صامتة.

 

كل طرف

ينتظر أن يأتي الآخر إليه

معتذرًا،

متفهمًا،

متحملًا المسؤولية.

 

لكن لا أحد

يذهب إلى الآخر.

 

لا أحد

يرحم.

 

***

 

الحساسية دون رحمة

ليست تقدمًا أخلاقيًا…

 

بل تراجع مريع.

 

لأنها تحول الإنسان

إلى كائن

شديد الهشاشة تجاه نفسه،

شديد القسوة تجاه غيره.

 

***

 

وفي هذا المناخ…

 

العلاقات لا تزدهر.

 

بل تختنق

بصمت.

 

***

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

 

"لا شأن لي": خيانة ناعمة في ثوب الحياد

 

"لا شأن لي": خيانة ناعمة في ثوب الحياد

 




هناك عبارة

تبدو بريئة جدًا…

 

لكنها تحمل

في باطنها

موتًا كاملًا للعلاقات:

 

"لا شأن لي."

 

***

 

كم مرة سمعناها

من أفواه أشخاص

كنا نظن أنهم معنا؟

 

وكم مرة شعرنا

أن هذه العبارة

ليست انسحابًا من موقف فقط…

 

بل انسحاب

من العلاقة كلها؟

 

***

 

الحياد

في بعض المواقف

ليس فضيلة.

 

بل جريمة أخلاقية

صامتة.

 

لأن هناك أوقاتًا

يكون فيها الصمت

خيانة.

 

ويكون فيها

عدم الاختيار

اختيارًا.

 

ويكون فيها

"لا شأن لي"

إعلانًا

بأن العلاقة كلها

لا شأن لها بقلبك.

 

***

 

حين ترى صديقك يُظلم

وتقول:

"لا شأن لي"…

 

فأنت لا تقول

إنك لا تريد التدخل.

 

بل تقول:

 

ظلمك لا يؤلمني.

 

وجعك لا يزعجني.

 

كرامتك

لا تعنيني.

 

---

 

"لا شأن لي"

هي الطريقة المهذبة

للتخلي عن شخص

دون أن تشعر بالذنب.

 

هي الطريقة الأنيقة

لتقول:

 

لن أخاطر من أجلك.

لن أتعب من أجلك.

لن أخسر شيئًا من أجلك.

 

***

 

وهي أيضًا

الطريقة الجبانة

لحماية نفسك

بينما ينهار غيرك.

 

***

 

أخطر ما في هذه العبارة

أنها لا تبدو خيانة.

 

الخيانة الواضحة

صادمة.

 

تجرح،

وتترك ندبة.

 

أما "لا شأن لي"…

 

فلا تطعنك من الأمام.

 

إنها فقط

تختفي

حين تكون الطعنة

في طريقها إليك.

 

***

 

تتركك وحدك

في مواجهة الألم.

 

ثم تعود لاحقًا

وكأن شيئًا

لم يحدث.

 

***

 

حين يسألك أحدهم

أن تقف معه،

فلا تظن

أن الحياد فضيلة دائمًا.

 

في بعض اللحظات…

 

الحياد

ليس سوى خيانة

ترتدي ثوب الحكمة.

 

والصمت

الذي نظنه ذهبًا…

 

قد يكون أحيانًا

مجرد جبن

لا يجرؤ

على مواجهة نفسه.

 

***

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

 

العتب الأخير قبل الصمت

  العتب الأخير قبل الصمت   حين يعاتبك صديق، فلا تنزعج من كلماته.   انظر إلى ما وراءها.   إنه لا يهاجمك، بل يحاول إنقاذ ما ...