الجمعة، 8 مايو 2026

نشيد الظل والنور: تأملات في قدسية العطاء ومحرقة السؤال

 

نشيد الظل والنور

 

"تأملات في قدسية العطاء ومحرقة السؤال"

 




تتباينُ مساراتُ النفس البشرية في فهم العطاء، مثلما تتباينُ اللغاتُ في وصف المشاعر؛ فما يراه أحدهم جسرًا للوفاء، قد يراه الآخرُ بابًا لتقصّي الأثر. إنّ أسمى مراتب المروءة هي تلك التي تترفع عن السؤال، وتكتفي بجميل المبادرة، غير أن إشكالية "الفضول المتجاوز" تبرز حينما يظن الوسيط أن نقل الأمانة يمنحه حقّ الوصاية على الأسرار، فيتحول فعل الخير من سكينة صامتة إلى ضجيج من الأسئلة التي تخدش حياء النفس المتعففة، وتضع الروابط الإنسانية العميقة تحت مجهر الشك الذي لا يرحم.

 

إن المتأمل في خرائط الروح البشرية ليدهشه ذلك التباين العميق في تأويل معاني المعونة؛ فثمّة من يرى في العطاء فعلًا وجوديًا خالصًا، هبةً تتطهر من الغايات كما يتطهر النهر من أدران الضفاف، وثمّة من يختزله في معادلة حسابية باردة، مدخلًا لتقييم العلاقات وميزانًا للولاء والبراء.

 

هكذا، وبين هذين القطبين، تضيع قدسية المبادرة الإنسانية حين تعبر حدود الثقافات والعقليات المغايرة؛ فما ينبع من الرقي والشهامة في أرض، قد يُفهم في أرض أخرى على أنه دينٌ يُستوثق، أو التزامٌ يُسأل عن دواعيه، أو حتى ضعفٌ يُستغل. والنفس النبيلة التي تمد يدها بالخير لا تفقه هذه اللغة المشوهة، لأنها ببساطة لم تتعلم غير لغة السماء: عطاء بلا مقابل، ويدٌ تزرع ولا تنتظر الحصاد.

 

لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في سوء الفهم بين المرسل والمتلقي فحسب، بل في ذلك الكائن الثالث الذي يقف بينهما، في تلك القناة التي يُفترض بها أن تكون شفيفة كالهواء، فإذا بها تتحول إلى بوابة تفتش، وإلى عين تثقب حجب الأسرار. إن الوسيط، ليس سوى أنبوب من نور، ليس له من الدور إلا أن يكون تقنيًا محضًا، ناقلًا للأمانة بلا زيادة أو نقصان. لكنه أحيانًا يتوهم أن دوره يتجاوز النقل إلى الوصاية الأخلاقية، فينصبّ نفسه قيّمًا على دوافع العطاء، ويسأل ما لا يحق له: من أين جاء هذا؟ ولماذا جاء الآن؟ وما الروابط الخفية بين المُعطي والمُعطى؟

 

تلك الأسئلة الاستقصائية ليست بريئة، إنها تخترق منظومة الثقة كسهم مسموم، وتحوّل الفعل الإنساني النبيل إلى ملف يحتاج تبريرًا، إلى قضية تحتاج محامين، إلى تهمة تبحث عن براءة.

 

وهنا، في هذه اللحظة الحرجة، حيث يتحول العطاء من فيض صامت إلى استجواب صاخب، تقع المأساة الوجودية الحقيقية في قلب المتلقي. كم هو مهيب ذلك الصمت الذي يلف المتلقي حين يواجه السؤال المتجاوز! إنه ليس صمت العجز، بل هو صمت الكرامة الجريحة. صمتٌ يحمي جوهر العطاء من تدنيس التبرير، صمتٌ يشبه صمت المعابد حين تُدنس. في أعماق ذلك الصمت، يحدث انقلاب عظيم: تتحول فرحة العطاء إلى وجع السؤال، وتنقلب اليد الممدودة بالخير إلى مرآة يرى فيها المتلقي انعكاسًا مشوهًا لوجوده، لا كإنسان تصان كرامته، بل كحالة إنسانية تُستقصى، كجرح يُفحص، كضعف يُوثق.

 

إن المتلقي في هذه اللحظة لا يشعر بالامتنان وحده، بل يشعر بقشعريرة باردة تتسلل إلى روحه، بتلك الغصة التي تعلق في الحلق حين يتحول الكرم من جناح يحلق به إلى قيد يُطوق عنقه. ولعل أقسى ما في الأمر أن يشعر المتلقي بأن الخيار قد صار مطروحًا أمامه: إما أن يجيب على أسئلة لا تمت للكرامة بصلة، وإما أن يرفض العطاء برمته دفاعًا عن حياض النفس.

 

وهنا تشرق الثورة الحقيقية من رحم الألم، ثورة لا تُحمل فيها السيوف، بل يُحمل فيها الصبر الملحمي. أي بطولة تلك التي يعلن فيها الإنسان، بصمت أو بحرف، أن للجوع النظيف طعمًا لا يعرفه الشبع المسموم بالأسئلة؟ أي ثورة تلك التي يختار فيها المرء أن يظل في عراء الحاجة، على أن يظلل نفسه بغيمة من المنّة المثقوبة بفضول المتطفلين؟ إنها قمة الكبرياء الإنساني، حين يرفض الإنسان أن يكون موضوعًا للتحقيق، ويصر على أن يظل ذاتًا فاعلة، حتى في حرمانه.

 

وإذا تجاوزنا ألم الذات المفردة إلى أفق الفلسفة الأوسع، وجدنا أنفسنا أمام سرٍ وجودي عميق: ما هو العطاء في جوهره؟ إنه ليس مجرد انتقال شيء من يد إلى يد، بل هو تجلٍ لفيض الوجود نفسه. العطاء الحق هو إعلان عن وفرة الروح، عن ذلك النبع الداخلي الذي لا ينضب، عن تلك الثقة العظمى في الكون التي تجعل المال والجهد مجرد رموز لحقيقة أبعد. حين يقدم الإنسان، فإنه يقدم قطعة من روحه، وليس مجرد رقم في حساب.

 

لهذا، حين يسأل الوسيط "لماذا؟"، فإن سؤاله ليس مجرد فضول اجتماعي، بل هو إعلان فقر وجودي مدوٍ، لأنه يختزل اللانهاية في معادلة سبب ونتيجة، ويحاول أن يزن المحيط بملعقة، وأن يقيس النور بالمتر. وفي عمق هذا الفعل يقبع جوهر أقدس: النية. تلك الكعبة الداخلية التي لا يجوز لأحد الطواف حولها بأسئلته، تلك الغرفة المغلقة في قلب الإنسان التي لا يدخلها إلا خالقه. حين يدنسها الفضول المتجاوز، يحدث ما يمكن تسميته بـ "محرقة المعنى": يحترق الفعل الجميل بكل أبعاده، ويتبقى منه رماد لا قيمة له، مجرد معاملة باردة، مجرد دَيْنٍ يُسدد، مجرد بند في دفتر الحسابات.

 

ألسنا هنا أمام صدى قديم لتلك الخطيئة الأولى: خطيئة الأكل من شجرة المعرفة المحرمة؟ الساعي خلف "لماذا" يكرر الخطيئة الأسطورية ذاتها، يريد أن يعرف ما لا شأن لروحه به، يريد أن يصير إلهًا صغيرًا يحيط بكل الدوافع، ظانًا أنه يمتلك الحق في هذه المعرفة، فإذا به يُطرد من جنة الود والإخاء، ويُحكم عليه بالتيه في صحراء الشكوك.

 

لكن، هل نقف عند حد التحليل والتشريح؟ كلا، فالنص الذي يكتفي بالجرح لا يستحق صفة "الملحمي". الملحمة الحقة هي التي تبني من الرماد وطنًا جديدًا للمعنى، هي التي تقدم رؤية بديلة، ثورة على المفاهيم ذاتها لا على الأشخاص فحسب. إن البديل الذي ننشده يبدأ من ثورة على مفهوم التواصل نفسه.

 

لقد تعودنا أن نقدس الحوار، أن نرفع الكلام منزلة عليا، ولكن أليس هناك ما هو أرفع؟ الفعل. الفعل الصامت. أن يكون العطاء "مونولوجًا" مقدسًا لا ينتظر "ديالوجًا" تبريريًا، أن يكون كالدعاء، يهمس به المرء في محرابه ثم ينصرف، تاركًا السماء تستجيب بصمتها المهيب. تلك هي اللغة العليا التي يجب أن نتعلم أبجديتها: لغة الفعل التي لا تطلب شرحًا، لغة العطاء التي تنطق بذاتها وتصمت عن دوافعها. وفي قلب هذه اللغة، يسطع معنى عميق يجب أن نحتفي به: جماليات "عدم المعرفة"، و"الجهل النبيل".

 

إن جهل الوسيط بدوافع العطاء ليس نقصًا، بل هو أرقى مراتب الأدب الوجودي. إنه جهل يحمي الجمال، جهل من يعرف أن بعض الأسرار خُلقت لتبقى أسرارًا، تمامًا كما أن الزهرة تموت إذا اقتُلعت لفحص جذورها، وكما أن النهر يتلوث إذا نبشنا منبعه. أن يجهل الإنسان هذه التفاصيل فهذا يعني أنه بلغ من الرقي مبلغًا يعترف فيه بحدوده، ويعترف بأن للآخرين حياة داخلية لا تعنيه، وبأن الاحترام هو أن تقف على العتبة لا أن تقتحم الغرفة.

 

وهكذا نصل إلى الخلاصة التي تشبه انبلاج الفجر بعد ليل طويل من السؤال. العطاء الأعظم هو ما مُحي أثره، هو ما ذهب في الخفاء كما جاء في الخفاء. وأنبل وسيط هو من يمحو ذاته في عملية النقل، فيصير شفيفًا كالهواء: ضروري للحياة، لكنه لا يُرى ولا يُسأل عن مصدره ولا عن وجهته. هذه هي الثورة الأخيرة والأعمق: الثورة على "الأنا" التي تريد أن ترى نفسها بطلًا حتى في توسطها، الثورة على الرغبة في أن نكون مرئيين حتى في فضائلنا.

 

ليتنا نتعلم من النهر وهو يروي الضفتين دون أن يدري أي الحبات أثمرت، ومن الغيمة وهي تمطر على الطيب والخبيث دون أن تميز، ومن النور وهو يمنح الدفء دون أن يسأل من يستحق. ذلكم هو الأفق الذي ينبغي أن نسعى إليه: أفق من العطاء الصامت، والوساطة الشفيفة، والتلقي العفيف. أفق لا يصبح فيه الفضول وصاية، ولا المساعدة مِنّة، ولا السؤال تحقيقًا، بل تكون النفس الإنسانية فيه حرة، طليقة، معطاءة، تزرع الخير في أرض الله ثم تمضي في صمت الملائكة، تاركةً الحب وحده، ذلك الكائن الأقدس، يعمل في الخفاء.

 

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

الأربعاء، 6 مايو 2026

ما لا يُرى من العمل

 

ما لا يُرى من العمل

 

"حين يكون الإتقان فعلًا لا ينتظر شاهدًا"

 

 




ليس كل ما يلمع متقنًا.

بعضه فقط… ظاهر.

 

نقف أحيانًا أمام عملٍ مكتمل في عيون الآخرين: منصب يُشار إليه، اسم يتكرر، أو إنجاز يُقاس بما يتركه من صدى. يبدو كل شيء في مكانه الصحيح، كما لو أن الصورة أُغلقت بإحكام. لكن، حين نقترب قليلًا، يتبدل الإحساس. تظهر تفاصيل لم تكن تُرى من بعيد: حافة لم تُصقل كما ينبغي، زاوية استعجلت الاستقامة، أثر خفيف ليدٍ كانت تفكر في النهاية أكثر مما كانت تنصت للبداية.

 

هناك، يتسلل سؤال صامت:

هل هذا نجاح… أم شيء يشبهه؟

 

النجاح، بطبيعته، يحب المسافة.

يُرى من بعيد، ويقوى كلما كثر من ينظر إليه.

 

أما الإتقان، فيحتاج قربًا.

لا يعلن نفسه، بل يُحسّ في التفاصيل التي لا تُقال.

 

في الطريقة التي يستقر بها الشيء في مكانه،

في انسجامٍ لا يلفت الانتباه،

لأنه ببساطة… صحيح.

 

الفارق لا يبدأ في النتيجة،

بل قبلها بكثير.

 

هناك، في لحظة لا يشهدها أحد،

حين يكون الإنسان وحده مع ما يصنعه.

 

يمكنه أن يمرّر ما لا يُرى،

أن يترك المسمار مائلًا قليلًا،

أن يكتفي بما يكفي ليُنجز.

 

أو…

أن يتوقف.

 

أن يعيد النظر، لا لأن أحدًا سيلاحظ،

بل لأن شيئًا في داخله لم يطمئن بعد.

 

الإتقان يبدأ من هذا التوقف.

من هذا الإصرار الهادئ على أن تكون التفاصيل مستقيمة،

حتى حين لا يمرّ بها أحد.

 

ليست المشكلة في الرغبة في النجاح،

بل في أن تتحول إلى مقياس وحيد.

 

حينها، تصبح النتيجة أهم من الطريق،

والصورة أهم من الصدق،

والانتهاء أهم من الاكتمال.

 

فننجز أشياء كثيرة…

لكن قليلًا منها فقط يبقى.

 

الأعمال التي تعيش طويلًا

لا تحمل أسماء أصحابها دائمًا.

 

هناك جدران رُفعت قبل قرون،

لم يسأل أحد عن الأيدي التي وضعت حجارتها،

لكنها ما زالت قائمة،

لأن كل حجر وُضع كما لو أنه الأخير.

 

لم يكن هناك جمهور،

ولا تصفيق،

ولا ضمان أن يكتمل البناء أصلًا.

 

كان هناك فقط…

شعور داخلي بأن الشيء يجب أن يكون في مكانه الصحيح.

 

الإتقان، في جوهره، ليس مهارة فقط.

هو علاقة.

 

علاقة بين الإنسان وما يلمسه،

بينه وبين الكلمة التي يكتبها،

أو الخشب الذي يشكّله،

أو الفكرة التي يحاول أن يجعلها واضحة.

 

أن تتعامل مع ما بين يديك

كما لو أنه سيحكي عنك يومًا،

حتى لو لم يُنسب إليك.

 

أن لا تبخل عليه…

حتى لو كان بإمكانك ذلك.

 

في زمن السرعة، يبدو الإتقان وكأنه ترف.

شيء يمكن تأجيله، أو اختصاره، أو الالتفاف عليه.

 

لكن ما يُبنى على عجل

يحمل العجلة في داخله.

 

قد يقف،

لكن لا يستقر.

 

وقد ينجح،

لكن لا يطمئن.

 

في النهاية، لا يعود السؤال:

هل نجحت؟

 

بل:

هل كنت صادقًا مع ما صنعت؟

 

هل أعطيت العمل ما يستحقه،

أم ما يكفي فقط ليُرى؟

 

هناك صوت خافت،

لا يسمعه أحد سواك،

يجيب عن هذا السؤال بدقة لا تخطئ.

 

الإتقان هو أن تستطيع الإصغاء لهذا الصوت…

وألا تخونه.

 

لأن ما يُبنى في الصمت،

بصبرٍ لا يطلب مكافأة،

هو وحده ما يملك القدرة على البقاء.

 

وما يبدو صغيرًا في لحظته،

قد يكون، مع الوقت،

الشيء الوحيد الذي لم يكن يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه.

 

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

الثلاثاء، 5 مايو 2026

حين تنمو البذرة في صمت


حين تنمو البذرة في صمت

 

"عن الوعي الذي يغيّر العالم من قلبٍ واحد"




 

لم يبدأ التغيير بصوتٍ عالٍ.

لم يكن قرارًا حاسمًا، ولا لحظة فاصلة يمكن الإشارة إليها.

 

بدأ بشيء أصغر من ذلك بكثير…

بملاحظة.

 

فتاة تجلس في مكان اعتادها، بين وجوه تعرفها، وكلمات سمعتها مرات لا تُحصى. كل شيء يبدو كما هو، لكن شيئًا خفيفًا تحرّك في الداخل، كأن المعنى لم يعد يمرّ كما كان. جملة عابرة توقفت عندها أكثر من اللازم. نظرة لم تفسّرها كما اعتادت. صمتٌ قصير، لكنه لم يكن فارغًا هذه المرة.

 

لم يكن هذا تمردًا.

كان انتباهًا.

 

الوعي لا يدخل دفعة واحدة.

لا يطرق الباب، ولا يعلن حضوره.

 

ينمو، كما تنمو البذور، في العتمة أولًا.

 

في المسافة بين ما يُقال وما يُحسّ،

في تلك اللحظة التي تشعر فيها أن هناك شيئًا لا يستقيم تمامًا، لكنك لا تملك له اسمًا بعد.

 

كانت تتابع حياتها كما هي:

تبتسم حين يجب، تصمت حين يُفضَّل الصمت، وتُجيد الإصغاء أكثر مما تتكلم. لكن داخل هذا الإيقاع المألوف، بدأ شيء يتشكل ببطء. لم تعد الكلمات تُمرّ دون أثر، ولم تعد الأدوار تُؤدّى دون سؤال.

 

ليس لأن العالم تغيّر،

بل لأنها بدأت تراه من زاوية أخرى.

 

هناك لحظة دقيقة، لا تُرى بسهولة،

ينفصل فيها الامتثال عن القناعة.

 

تفعل الشيء نفسه،

لكنك لا تعود الشخص نفسه الذي يفعله.

 

في تلك اللحظة، أدركت - دون أن تقول ذلك بصوتٍ عالٍ - أن ما تعلّمته لم يكن كله اختيارًا. أن كثيرًا مما ظنّته "طبيعيًا" كان فقط "مألوفًا". وأن الأنوثة التي عاشت بها لم تكن دائمًا لها، بل صورة مُرتّبة بعناية، تنتظر منها أن تملأها.

 

لم ترفضها.

لكنها لم تعد تسكنها كما هي.

 

التحول الحقيقي لا يبدأ بالرفض،

بل بالمسافة.

 

مسافة صغيرة بين ما يُطلب منك،

وما تشعر أنه يشبهك.

 

هناك، تبدأ الأسئلة.

ليس بصيغة المواجهة،

بل بصيغة الإنصات:

ماذا أريد أنا؟

ولماذا لم أسأل هذا من قبل؟

 

لم تكن الإجابات جاهزة.

بل ربما لم تأتِ كاملة حتى الآن.

 

لكن السؤال، حين يظهر،

يغيّر شكل الطريق كله.

 

شيئًا فشيئًا، تغيّرت التفاصيل.

 

لم تعد تضحك بالطريقة نفسها،

ولا تصمت في اللحظة نفسها.

صارت تختار كلماتها، لا لتُرضي، بل لتعبّر.

وتتراجع أحيانًا، لا خوفًا، بل لأنها لا تريد أن تقول ما لا يشبهها.

 

لم يكن ذلك صاخبًا.

لم يلاحظه الجميع.

 

لكنها لاحظته.

 

وهذا كان كافيًا.

 

الأنوثة، كما بدأت تراها، لم تعد قالبًا.

لم تعد طريقة واحدة في الكلام، أو الحضور، أو القبول.

 

صارت مساحة.

 

مساحة يمكن أن تكون فيها قوية دون أن تقسو،

واضحة دون أن تبرّر،

حاضرة دون أن تتلاشى داخل توقعات الآخرين.

 

لم تعد الأنوثة شيئًا يُطلب منها أن تبلغه،

بل شيئًا تُعيد تعريفه من الداخل.

 

ومع هذا التحول، لم يتغيّر العالم فجأة.

الوجوه هي نفسها،

والأصوات،

والأحكام الجاهزة.

 

لكن موقعها تغيّر.

 

لم تعد تقف حيث كانت.

حتى لو بدت في المكان نفسه.

 

صار بإمكانها أن ترى ما لم تكن تراه،

وأن تختار - ولو في أشياء صغيرة - كيف تكون.

 

في النهاية، لم تكن هناك لحظة انتصار واضحة.

لا باب أُغلق خلفها،

ولا باب فُتح أمامها.

 

كان هناك شيء أدقّ من ذلك:

اتساع.

 

اتساع في الداخل،

جعل العالم، كما هو،

أقل قدرة على أن يحدّدها.

 

وربما، هذا هو التغيير الحقيقي:

أن تنمو بذرة في صمت،

لا لتكسر الجدار دفعة واحدة،

بل لتجعل وجوده… أقل حتمية.

 

أن تدرك، بهدوء،

أنكِ لستِ ما قيل لكِ فقط،

ولا ما اعتدتِ أن تكونيه.

 

بل ما تختارينه،

حين ترين نفسكِ أخيرًا…

بوضوح.

 

 

جهاد غريب

مايو 2026

 


البيت الذي لا نغادره!

 

البيت الذي لا نغادره

 

"حين يصبح الخوف هو الجدار الوحيد"

 




لم يكن البيت يومًا جدرانًا فقط.

كان طريقة في الوقوف، في النظر، في التردد قبل أن نقول "نعم" أو "لا".

 

في طفولتنا، لم يكن الخوف واضحًا. لم يكن اسمًا نعرفه، بل إحساسًا خفيفًا يشبه التوقف المفاجئ عند حافة خطوة لم تكتمل. كنا نتحرك داخل البيت كما لو أن هناك إيقاعًا غير مرئي يضبطنا: هذا يُقال، وهذا يُترك، هنا نخفض الصوت، وهناك نبتسم حتى لو لم نرغب. لم يكن أحد يشرح لنا ذلك، ومع ذلك كنا نتعلمه بدقة، كأن البيت يكتب نفسه فينا بصمت.

 

ومع الوقت، صار هذا الإيقاع جزءًا منّا.

لم نعد نحتاج إلى الجدران كي نتوقف.

صرنا نتوقف من تلقاء أنفسنا.

 

كثيرون يظنون أن الحرية تبدأ بالخروج.

بأن نغادر المكان، نغيّر العنوان، نبتعد عن كل ما يشبه البداية.

 

لكن الخروج لا يضمن شيئًا.

يمكن للإنسان أن يقطع آلاف الكيلومترات، ويظل يحمل معه نفس المسافة التي لم يجرؤ على عبورها داخله.

 

فالبيت، حين يستقر في الداخل، لا يحتاج إلى باب.

يكفيه أن يتحول إلى خوف.

 

خوف من أن نخطئ،

أن نُساء فهمنا،

أن نكسر صورةً بُنيت لنا قبل أن نختارها.

 

وهكذا، يصبح العالم واسعًا…

لكن خطواتنا تبقى ضيقة.

 

ليست المشكلة في العادات نفسها،

بل في اللحظة التي تتوقف فيها عن أن تكون خيارًا، وتتحول إلى شرط غير مرئي.

 

نفعل الأشياء لا لأننا نؤمن بها،

بل لأننا لا نتخيل أنفسنا خارجها.

 

نكرر ما اعتدناه حتى يفقد معناه،

ونحرسه كما لو أنه الشيء الوحيد الذي يبقينا متماسكين.

 

الخوف هنا لا يصرخ.

لا يمنعك بصوت عالٍ،

بل يقف في الخلف، يهمس:

"ليس الآن… ربما لاحقًا."

 

ومع تكرار هذا الهمس،

يتحوّل "لاحقًا" إلى مكان لا نصل إليه أبدًا.

 

التحرر لا يبدأ حين نفتح الباب،

بل حين نلاحظ أنه لم يكن مغلقًا كما ظننا.

 

حين نسأل، ولو بصوت خافت:

لماذا أفعل هذا؟

ولماذا أتوقف هناك؟

 

ليس كل ما ورثناه عبئًا،

لكن ليس كل ما ورثناه قدرًا أيضًا.

 

هناك فرق دقيق بين أن نحمل ما نحب،

وأن نحمل ما لا نعرف كيف نتركه.

 

الخوف بارع في التخفي.

قد يظهر كحذر،

كاحترام،

كحكمة حتى.

 

وقد يقنعنا أنه يحمي توازننا،

بينما هو، في الحقيقة، يحمي نفسه من أن يُكشف.

 

لذلك، لا يكون التحرر مواجهة صاخبة،

ولا قطيعة حادة مع كل ما كان.

 

أحيانًا، يبدأ بخطوة صغيرة:

أن تقول ما كنت تؤجله،

أن تجرّب ما كنت تستبعده،

أن تقف لحظة أطول عند فكرة كنت تمرّ بها سريعًا.

 

ليست هذه أفعالًا كبيرة،

لكنها تُحدث شرخًا دقيقًا في الجدار.

 

ومع كل شرخ،

يتغيّر شكل الداخل.

 

لا يعود البيت مكانًا نخاف أن نغادره،

بل مساحة نعيد ترتيبها.

 

نحتفظ بما يشبهنا،

ونترك ما لم يعد كذلك.

 

ليس لأننا نرفض الماضي،

بل لأننا لم نعد نحتاج أن نخافه.

 

في لحظة ما، يكتشف الإنسان أن الحرية لم تكن في الخارج.

لم تكن في مدينة أخرى،

ولا في حياة مختلفة تمامًا.

 

كانت في تلك المسافة الصغيرة

بين ما يخشاه

وما يمكنه أن يجرّبه رغم ذلك.

 

هناك، فقط،

يتحرّك شيء لم يتحرك من قبل.

 

وربما، عندها، نفهم أن البيت لم يكن سجنًا.

بل كان اختبارًا هادئًا:

 

هل سنعيش داخله كما هو…

أم سنجرؤ، أخيرًا،

أن نعيش داخله كما نحن؟

 

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

 

نشيد الظل والنور: تأملات في قدسية العطاء ومحرقة السؤال

  نشيد الظل والنور   "تأملات في قدسية العطاء ومحرقة السؤال"   تتباينُ مساراتُ النفس البشرية في فهم العطاء، مثلما تتباينُ ا...