وهم
التفوّق: كيف تتحوّل الهوية إلى صنم؟
"من
الهوية إلى الصنم: سقوط فكرة الأفضلية المطلقة"
تتشكّل في أعماق
الوجدان الجماعي، عبر زمن طويل من التراكم والارتجاجات، صورٌ خفيةٌ تحاول أن تمنحَ
الذاتِ معنى يتجاوز مجرّد الوجود. كأن كل جماعة تبحث عن مرآةٍ تُظهرها أطول قامةً،
أصفى جوهرًا، وأقرب إلى مركز الكون. لكنّ هذا السعي المحموم نحو منصّة
"الأفضلية" لا ينبع من اعتزاز بريء، بل من رغبةٍ قديمةٍ في الاحتماء
بوهمٍ يرفعُها فوق هشاشتها.
تتحوّل الهوية
إلى صنمٍ حين تكفّ عن كونها مساحة لقاء، وتغدو جدارًا من المرايا لا يعكس إلا وجهًا
واحدًا، وجهًا متخيّلًا أكثر منه حقيقيًّا. هناك، في تلك الزاوية المعتمة، تنمو
"الأنا الجماعية" كظلٍّ متضخم، تُغذّيه خطاباتُ اليومي والسياسة، ويُلبس
ثوبَ "الاستثناء" الذي يحوّل كل نقدٍ إلى خيانة، وكل اختلافٍ إلى نشاز.
ليس التمجيد
الجماعي للذات سوى قناعٍ يخفّي قلقًا وجوديًّا عميقًا. لكنّه قناعٌ يكلّف الكثير:
فهو يبني حول الجماعة جدارًا من العزلة، ويحوّل لغتَها إلى صدى لا يسمعه إلا مَن
يردّد اللحنَ ذاته. ومع الوقت، يصبح الخطأ فضيلةً وطنيّة، ويغدو السؤال جريمةً ضد
"القداسة" التي تُخلع على الرموز والمؤسسات والذاكرة الجمعيّة.
يتسرّب هذا الوهم
إلى مسام الحياة اليوميّة، إلى أحاديث المقاهي، وإلى منابر النخبة، وإلى لغة
اليقين التي تربط قيمة الفرد بقيمة الجماعة التي يراها فوق النقد. وهكذا، يتحوّل
الانتماء من دفءٍ إنسانيّ إلى سجنٍ ناعم، يختنق فيه الهواء كلّما ارتفع صوتُ
الحقيقة.
لا يولد الوعي
الحقيقي في الضوء وحده، بل في القدرة على النظر إلى الظلال أيضًا. في الجرأة على
نزع القداسة عن كلّ ما يُراد له أن يكون فوق المساءلة. فالقداسة في الشأن العام
ليست إلا الوجه الآخر للجمود، والجمود هو موتٌ بطيء للمعرفة.
لا يكون الخروج
من نفق التعصّب إلا باستعادة المعنى الكوني للإنسان، الإنسان الذي لا يحتاج إلى
صكوك غفران جماعية ليشعر بقيمته. الثقافة ليست جدارًا يُغلق، بل نافذة تُفتح.
وليست تصفيقًا لنموذج واحد، بل احتفاءً بالتعدّد الذي يجعل العالم أكثر اتساعًا.
نحن بحاجة إلى
"تواضعٍ حضاريّ" يدرك أن كل أمة ليست إلا قطعة في فسيفساء كبرى، وأن
العظمة لا تُنال بالادعاء، بل بالقدرة على العطاء، وعلى الإصغاء، وعلى التفاعل
النديّ مع الآخر. فحين يتحوّل الوطن إلى صنم، يتحوّل الإنسان إلى تابع، وتُختزل
الحداثة إلى شعارات بلا روح.
يبدأ طردُ روح
التعصّب بفتح النوافذ لرياح التعدّدية، وبالتوقّف عن ترديد أسطورة "الشعب
الذي لا يخطئ". فالحقيقة ليست ملكًا لأحد، بل هي ضوءٌ يتوزّع بين الدروب، ولا
يكتمل إلا حين تتقاطع النظرات.
يخبرنا تاريخُ
الشعوب التي سقطت في فخّ التفوّق أن نهاية هذا الطريق واحدة: عزلةٌ فكريّة،
وانهيارٌ أخلاقي، وانطفاءٌ بطيء للروح. الوعي هو أن ندرك أننا بشر، نخطئ ونصيب،
وأنّ قيمتنا تكمن في قدرتنا على التغيّر، لا في الثبات على وهم الامتياز الفطري.
هذه دعوةٌ لكسر
أصنام الهوية المتورّمة، واستبدال خطاب "نحن الأفضل" بخطابٍ أكثر إنسانية:
"نحن نشارك، نتعلم، ونضيف إلى العالم جزءًا من نورنا، لا أكثر ولا أقل."
جهاد غريب
فبراير 2026









