ضرائب
الوجود الأنثوي
"امرأة
تدفع ثمن الضوء"
في مجتمعاتٍ تتقن
تجميل القسوة، وتغليف الظلم بورق المظاهر، تتحول المعاناة الإنسانية من نداءٍ
للتعاطف إلى تهمةٍ تستوجب الدفاع. فالمرأة، في لحظات انكسارها، لا تجد غالبًا اليد
التي تمتد لانتشالها، بل الأصابع التي تُشير نحوها محمّلة باللوم.
لا يُسأل عنها،
بل يُسأل: لماذا تعاني؟ ولماذا تختلف؟ ولماذا تجرؤ أن تكون ذاتها؟
وهكذا تتحول
حياتها إلى سلسلة من الضرائب غير المرئية التي تُفرض عليها فقط لأنها صادقة،
وحيّة، ومختلفة.
فالمجتمع لا
يعاقب المرأة لأنها مخطئة، بل لأنها مختلفة.
الضريبة الأولى
هي تحميلها وزر معاناتها.
فحين تتحدث عن
ألمها، تُواجَه بالتوبيخ بدل الاحتواء، وكأن في صمتها فضيلة، وفي بوحها خطيئة.
يُطلب منها أن "تتجلّد"، أن تبتلع دموعها كي لا تُربك المشهد المتوازن
المزيّف، وكي لا تخلّ بصورة المرأة التي يحبها الناس: امرأة صامتة، تبتسم رغم
الانكسار.
وهكذا تدفع ضريبة
وجودها كامرأةٍ تشعر، وتتألم، وتتكلم؛ تُعاقَب على إنسانيتها، وتُطالَب بأن تخفيها
كي لا تُتَّهَم بالمبالغة أو الضعف.
لا شيء يرهق
الروح مثل أن تُحاسَب على صدقك.
لكن الضريبة لا
تتوقف هنا…
فحين تختار
المرأة أن تُحب بطريقتها الخاصة، أو تعبّر عن مشاعرها خارج الإطار الجاهز، تتحول
حريتها العاطفية إلى تهمة، وحبّها المختلف إلى وهمٍ يُراد علاجه.
كل علاقةٍ لا
تُناسب المقاييس المفروضة تُصنّف خيالًا، وكل شعورٍ لا يوافق توقعات الآخرين يُعاد
تأطيره كخللٍ أو انحراف.
بهذا المنطق،
يُسلب من المرأة حقّها في تفسير عالمها الداخلي، ويُنتزع منها حقّها في تسمية
مشاعرها.
ويُختصر عمق
تجربتها الإنسانية في جملةٍ قاسية: "إنها تبالغ".
وما هو أقسى من
ذلك…
ضريبة الهوية.
حيث تتحول
جنسيتها، أو لهجتها، أو خلفيتها الثقافية، من ملامح شخصية بريئة إلى ذريعة جاهزة
للاتهام.
بدل أن تُقاس
بأفعالها واختياراتها، تُحاكم على انتماءات لم تخترها.
يُطلب منها أن
تُثبت أنها "استثناء"، أن تتبرأ من أصلها كي تُقبل، أن تُخفي لغتها كي
لا تُسخر منها.
وهكذا تصبح
الهوية، التي كان يفترض أن تكون جذرًا للفخر، عبئًا تُدان به المرأة أينما ذهبت.
في جوهر الأمر،
لا تعبّر هذه الآليات عن الحقيقة، بل عن خوف المجتمع من المرأة التي ترى، وتفكر،
وتقول لا.
إنها أدوات
للهيمنة، تُعيد تشكيل الوعي الجمعي ليُقصي كل صوتٍ مختلف، وكل تجربةٍ لا يمكن
احتواؤها ضمن القوالب المريحة.
المجتمع الذي يُحاسب
المرأة على ألمها، وعلى حبها، وعلى هويتها، هو مجتمع لم يتعلم بعد كيف يرى الإنسان
قبل الشكل، والجوهر قبل الدور.
في النهاية، لا
تُقاس إنسانية المجتمع بما يمنحه من مجدٍ للأقوياء، بل بما يتركه من مساحة آمنة
للضعفاء كي يكونوا صادقين.
فحين تتوقف
المرأة عن دفع ضرائب وجودها، يبدأ العالم في التعافي من ظلمه القديم.
جهاد غريب
فبراير 2026









