سكينة
لا تستسلم
"قوة
لا تصرخ ولا تنكسر"
في زمن يقدس
الضجيج ويعبد الصخب، تظهر السكينة كفضيلة منسية، كجوهرة في قاع بحر هائج. لكن
السكينة التي أعنيها ليست سكينة المستسلمين، ليست هدوء المنهزمين الذين ألقوا
أسلحتهم واكتفوا بالتفرج على الحياة من نوافذ العجز. إنها سكينة مختلفة، سكينة
تحمل في أحشائها صرامة الجبال، سكينة تشبه المحيط الهادئ ظاهريًا، لكن في أعماقه
تيارات جارفة، طاقة هائلة لا ترى بالعين المجردة. هذا هو بارادوكس القوة الحقيقية:
أن تكون هادئًا كبحيرة وأن تحمل في داخلك شلالات من الإرادة، أن تصمت وفي صمتك
أعظم الكلمات.
السكينة الواعية
ليست فراغًا، ليست غيابًا، ليست انعدامًا. إنها حضور بكيفية أخرى، حضور يتجاوز
حدود الكلام والحواس. هي الفراغ الذي يمتلئ بالمعنى، الصمت الذي يصير أبلغ من أي
خطاب. في هذا الفراغ الممتلئ، تتسع الروح لاستيعاب الأضداد، تجمع بين القوة
واللين، بين الثبات والمرونة، بين الصمود والانحناءة الواعية. الفراغ هنا ليس
نقصًا، بل هو سعة، هو المساحة التي تتيح للوجود أن يتمدد، هو الرحم الذي يولد فيه
المعنى من جديد كل لحظة. حين يمتلئ الفراغ بهذا النوع من السكينة، يصير كل شيء فيه
ناطقًا، الجدران تتكلم، الصخور تهمس، الظلال تروي حكاياتها القديمة.
أتأمل تلك المرأة
التي تجلس وحدها في مقهى مزدحم، لا تنظر إلى أحد، لا تتحدث مع أحد، لكن حضورها
يملأ المكان. من حولها ضجيج الأصوات، صخب الأكواب، ثرثرة الناس، وهي في وسط هذا
كله، جزيرة هادئة، محيط ساكن. ليست منعزلة عن العالم، بل هي في العالم بطريقة أخرى،
تحمل صمتها كدرع، تحمل هدوئها كسيف، ترفض أن تساهم في ضجيج العصر، ترفض أن تصبح
جزءًا من الطنين الكوني الذي يخفي الفراغ الحقيقي تحت ستار الامتلاء الزائف. في
رفضها هذا قوة هائلة، قوة لا تحتاج إلى إعلان، قوة تكتفي بأن تكون، تكتفي بأن
توجد، تكتفي بأن تمارس فعل الوجود الأعمق.
السكينة التي لا
تستسلم هي فعل مقاومة بامتياز. إنها مقاومة لا تحتاج إلى منشورات ولا خطابات،
مقاومة تتحقق في الصمت كما تتحقق الثورة في العقول قبل الشوارع. في عصر يريدك أن
تصرخ لتثبت وجودك، أن تعلن لتثبت انتماءك، أن تشارك في الضجيج الجماعي لتكون جزءًا
من الجماعة، يأتي فعل الصمت كتمرد وجودي، كرفض عميق لكل أشكال الاستلاب. هذه
السكينة تقول: لن أكون كما تريدون، لن أتكلم لأن الكلام صار مبتذلًا، لن أصرخ لأن
الصراخ صار موضة، سأبقى هنا، هادئة، ممتلئة، حاضرة، وسيكون حضوري وحده كافيًا
لإرباك كل حساباتكم.
في تاريخ
البشرية، كانت أعظم القوى هي الأكثر صمتًا. الجبال لا تصرخ لتدل على عظمتها،
المحيطات لا تعلن عن عمقها، النجوم لا تذيع أخبار وجودها. الوجود العظيم يكتفي بأن
يكون، وفي كونه هذا أكبر رسالة، أبلغ كلام، أعظم إعلان. كذلك هي السكينة التي لا
تستسلم، تكتفي بأن تكون، وفي كونها هذا تزلزل أركان الضجيج المزيف، تكشف هشاشة
الصخب، تفضح فراغ الامتلاءات الوهمية. حين تمر العاصفة، تبقى الجبال صامتة، لا
تعلق على ما فعلته بها الريح، لا تشكو ما أحدثته فيها الأمطار، تبقى هناك، صامدة،
تصمت، وفي صمتها تنتصر.
الصلابة الداخلية
لا تعني الجمود، لا تعني التحجر، لا تعني فقدان القدرة على التأثر والتأثير. إنها
صلابة تشبه صلابة الخيزران، ينحني للريح لكنه لا ينكسر، يلامس الأرض لكنه لا يفقد
اتزانه، يهتز مع العاصفة لكن جذوره في العمق ثابتة. هذه الصلابة تجعل السكينة
ممكنة، تجعل الصمت محتملًا، تجعل الهدوء فعلًا لا استسلامًا. حين تمتلك هذه
الصلابة، يمكنك أن تصمت وأعداؤك يظنونك ضعيفًا، ثم يكتشفون أن صمتك كان أقوى من كل
صراخهم، أن هدوءك كان أشد من كل جنونهم، أن سكينتك كانت الجدار الذي تحطمت عليه كل
موجات ضجيجهم.
الفراغ الممتلئ
يشبه الليل، يبدو فارغًا لمن لا يعرف القراءة في النجوم، لكن العارفين يجدون فيه
ألف كتاب مكتوب بنور. السكينة كذلك، تبدو لمن لا يفهمها مجرد غياب، مجرد انقطاع،
مجرد لاشيء. لكن لمن يعيشها، لمن يسكنها، لمن يصير هي، هي الامتلاء الأقصى، هي
الحضور الأكمل، هي الوجود في أسمى تجلياته. في هذه السكينة، تسمع صوت ذاتك بوضوح
لم تسمعه من قبل، ترى العالم كما لم تره، تدرك المعاني التي كانت تختبئ خلف ضجيج
الحياة اليومية. تصير مثل البحيرة التي تعكس السماء، هادئة لكنها تحمل في أعماقها
كل النجوم، ساكنة لكنها تحتضن كل الحركة الكونية.
أتعلم من هذه
السكينة أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إثبات. من يمتلك القوة الحقيقية لا يهدرها
في صراخ، لا يبذرها في جدال، لا يضيعها في محاولات إقناع الآخرين بوجوده. القوة
الحقيقية تكتفي بأن تظهر في اللحظة المناسبة، كما يظهر القمر في ليلة مظلمة، بلا
ضجة، بلا إنذار، فقط يكون هناك، فيملأ الكون نورًا. هكذا هي السكينة التي لا
تستسلم، تظهر حين تظن الأصوات الصاخبة أنها انتصرت، لتقول إن الصمت أبقى من كل
صوت، إن الهدوء أعمق من كل ضجيج، إن السكون أبلغ من كل حركة.
في زمن الخوف،
تختار هذه السكينة ألا تخاف.
في زمن القلق،
تختار ألا تقلق.
في زمن التشتت،
تختار أن تتمركز حول ذاتها.
ليس هذا هروبًا
من الواقع، بل مواجهة بطريقة أخرى، مواجهة من الداخل، مواجهة لا تحتاج إلى سلاح
إلا الوعي، لا تحتاج إلى درع إلا الصفاء، لا تحتاج إلى معسكر إلا الروح. إنها
مقاومة لا تراها العيون لكنها تترك آثارها في عمق الوجود، كما تترك الريح آثارها
في تشكيل الجبال، ببطء، بصبر، بصمت، لكن بيقين لا يخطئ.
السكينة الواعية
تمارس فعل الرفض الهادئ كل يوم. ترفض أن تجري وراء السراب، ترفض أن تلهث خلف
الأوهام، ترفض أن تبيع نفسها بثمن بخس. في هذا الرفض اليومي، تتجلى عظمتها، تتجلى
حريتها، تتجلى إنسانيتها. هي حرة لأنها لا تحتاج إلى ما يملأ فراغها، قوية لأنها
لا تخاف من الوحدة، غنية لأنها اكتشفت أن أغنى كنوز العالم هو هذا الصمت الداخلي،
هذه السكينة التي لا تُشترى ولا تُباع، هذه الهبة التي لا تمنح إلا لمن يستحقها
بصبره وتأمله وإيمانه العميق بالوجود.
وأخيرًا، أكتشف
أن السكينة التي لا تستسلم هي الوجه الآخر للحب.
الحب الحقيقي لا
يصخب، لا يصرخ، لا يعلن عن نفسه في الميادين.
الحب الحقيقي
يسكن في الصمت، ينمو في الهدوء، يزدهر في السكينة. حين تحب حقًا، لا تحتاج إلى أن
تقول، يكفي أن تكون، يكفي أن تحمل هذا الحب في داخلك كجوهرة ثمينة، تضيء بها ظلمة
وجودك، تدفئ بها برودة أيامك. في هذا الحب الصامت، تتحقق السكينة التي لا تستسلم،
تتحقق القوة التي لا تحتاج إلى عضلات، تتحقق المقاومة التي لا تحتاج إلى أسلحة.
إنها سكينة تشبه سكينة الأرض وهي تحتضن البذور في شتاء طويل، تعرف أن الربيع آتٍ،
تعرف أن الاخضرار قادم، فتصبر، وتصمت، ولا تستسلم.
جهاد غريب
فبراير 2026








