الجمعة، 24 أبريل 2026

ما يمرّ مرة واحدة… ويعيد كتابة كل شيء

 

ما يمرّ مرة واحدة… ويعيد كتابة كل شيء

 

"اللحظة التي لا تبدو مصيرية… إلا بعد أن تعبر"

 


 



لم تكن لافتة. 

لم تحمل علامة تُشير إليها، 

ولا توقفت لتعلن: “هذه فرصتك”.

 

مرّت… كما تمرّ أشياء كثيرة. 

في هيئة عادية، 

ضمن سياق مألوف، 

تكاد تُشبه أي تفصيل آخر 

في يوم لا يلفت الانتباه.

 

وهذا تحديدًا ما يجعلها خطِرة.

 

فالفرص، في جوهرها، 

لا تأتي دائمًا متوهجة، 

ولا تُقدّم نفسها كتحوّل واضح. 

هي غالبًا تختبئ داخل ما يبدو عابرًا، 

داخل لقاء غير متوقع، 

أو فكرة طارئة، 

أو احتمال صغير 

لا يبدو أنه يستحق الالتفات.

 

ولهذا، لا يختلف الناس في وجودها، 

بل في رؤيتها.

 

هناك من تمرّ به… ولا يلاحظ. 

لا لأنه عاجز، 

بل لأنه لم يتوقف عندها بما يكفي. 

تعبره كما تعبر الريح، 

تلامسه دون أن تترك أثرًا، 

ثم تتابع طريقها… 

كأنها لم تكن.

 

وهناك من يشعر بها، 

لا بوضوح كامل، 

بل كاهتزاز خفيف في الإدراك. 

شيء ما يقول: 

“هنا… قد يكون هناك شيء”.

 

هذا الفرق—الدقيق جدًا— 

هو ما يفصل بين مسارين.

 

لكن الشعور وحده لا يكفي.

 

فاللحظة التي تحمل الإمكانية 

تحمل معها أيضًا توترًا حادًا. 

توترًا بين ما هو آمن… 

وما قد يكون.

 

هنا يظهر التردد، 

ليس كضعف، 

بل كحساب زائد.

 

العقل يريد ضمانًا، 

يريد وضوحًا، 

يريد أن يكتمل المشهد 

قبل أن يتحرك.

 

لكن اللحظة لا تنتظر.

 

هي لا تتجمد حتى نفهمها، 

ولا تعيد نفسها إذا تأخرنا. 

تمرّ… بطبيعتها العابرة، 

وتترك القرار معلقًا 

في مساحة ضيقة جدًا من الزمن.

 

في هذه المساحة، 

لا يكون السؤال: 

“هل هذا صحيح تمامًا” 

بل: 

“هل أنا مستعد أن أتحرك 

رغم أنني لا أملك كل الإجابات”

 

وهنا، يحدث الحسم.

 

ليس كقرار كبير يُعلن، 

بل كميل خفيف نحو الفعل. 

كأن شيئًا في الداخل يختار، 

قبل أن ينتهي النقاش.

 

فالقرار الذي يُتخذ 

قبل اكتمال اليقين، 

ليس قرارًا متهورًا، 

بل اعتراف ضمني 

أن اليقين الكامل… 

لن يأتي في الوقت المناسب.

 

ومن يتأخر بانتظاره، 

يجد أن اللحظة قد سبقت.

 

حين تُلتقط الفرصة، 

لا يحدث انفجار فوري. 

لا تتغير الحياة في نفس اللحظة. 

لكن شيئًا غير مرئي 

يبدأ بالتحرك.

 

خط جديد يتشكل، 

مسار ينحرف قليلًا عن سابقه، 

وتبدأ سلسلة من النتائج 

التي لم تكن لتحدث 

لو لم تُلتقط تلك اللحظة.

 

وهنا، يتغير تعريف الدور.

 

لم يعد الإنسان مجرد متلقٍ، 

ينتظر ما يأتيه من الخارج، 

بل أصبح طرفًا فاعلًا، 

يختار نقطة الانعطاف.

 

وهذا الاختيار—رغم بساطته الظاهرة— 

يعيد ترتيب المصير.

 

فالمصير، في حقيقته، 

ليس خطًا مستقيمًا 

يسير من نقطة إلى أخرى، 

بل مجموعة من الانعطافات الدقيقة، 

كل واحدة منها قادرة 

أن تغيّر الاتجاه بالكامل.

 

لحظة واحدة، 

قرار واحد، 

التفاتة واحدة نحو ما كان يمكن أن يُهمل… 

كفيلة بأن تعيد كتابة ما بعدها، 

وأحيانًا… ما قبلها أيضًا.

 

ليس لأن الماضي يتغير، 

بل لأن معناه يتبدل 

حين يتغير المسار.

 

في النهاية، 

لا نتذكر كل الفرص التي مرّت بنا، 

ولا نستطيع أن نحصي ما ضاع منها.

 

لكننا نتذكر—بوضوح شديد— 

تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن لثانية، 

وسُمح لنا أن نختار.

 

اللحظة التي لم تكن تبدو مختلفة، 

لكننا تعاملنا معها كأنها كذلك.

 

ومن هناك… 

بدأ كل شيء 

يأخذ شكلًا آخر.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

 

ما لا ينجح… قد يغيّر الاتجاه

 

ما لا ينجح… قد يغيّر الاتجاه

 

"الفشل ليس نهاية الطريق… بل تعديل خفي لمساره"

 


 


ليس كل ما يتوقف… ينتهي. 

بعض الأشياء تتوقف 

فقط لأنها لم تكن الطريق.

 

لكننا لا نراها هكذا.

 

نُسمّي ما لم ينجح “فشلًا”، 

ونضعه في خانة واحدة، 

كأنه حكم نهائي، 

لا يميّز بين تجربة لم تكتمل، 

ومسار لم يكن مناسبًا من البداية.

 

نربطه بقيمتنا، 

لا باختيارنا. 

نراه كدليل نقص، 

لا كإشارة.

 

وهنا تبدأ المشكلة.

 

لأن ما ينكسر في تلك اللحظة 

ليس الواقع كما نظن، 

بل الصورة التي رسمناها له.

 

كنا نتوقع امتدادًا، 

استمرارًا، 

نتيجة محددة… 

وحين لا يحدث ذلك، 

نشعر أن كل شيء قد انهار.

 

لكن الحقيقة أقل درامية… 

وأكثر دقة.

 

الذي انهار 

هو توقّعنا.

 

أما ما حدث فعلًا، 

فهو مجرد توقف 

في اتجاهٍ ما.

 

ومع ذلك، 

نقاوم هذه الفكرة.

 

نريد أن نُعيد كل شيء إلى ما كان عليه، 

أن نستمر رغم الإشارة، 

أن نثبت أن الطريق ما زال صالحًا، 

حتى لو بدأ يضيق.

 

لأن التعديل أصعب من الاستمرار.

 

الاستمرار يمنحنا وهم السيطرة، 

حتى لو كان يقودنا إلى مكان خاطئ. 

أما التعديل، 

فيعني أن نعترف… 

أننا كنّا نسير في اتجاه لا يناسبنا.

 

وهذا الاعتراف 

ليس سهلًا.

 

لذلك، 

نتعامل مع الفشل كعدو، 

بدل أن نقرأه كرسالة.

 

رسالة لا تُقال بوضوح، 

ولا تأتي بلغة مفهومة، 

لكنها تُشير.

 

تشير إلى أن هناك شيئًا 

يحتاج أن يُعاد النظر فيه. 

ليس بالضرورة أن يُلغى، 

بل أن يُفهم بشكل مختلف.

 

وهنا يظهر الفارق.

 

بين من يتوقف عند الحدث، 

ومن يتجاوزه نحو معناه.

 

الأول يسأل: 

“لماذا حدث هذا” 

ويظل يدور في دائرة التفسير، 

يحاول إصلاح ما انكسر.

 

أما الثاني، 

فيسأل: 

“إلى أين يشير هذا”

 

وهذا السؤال 

يغيّر كل شيء.

 

لأنه لا ينظر إلى الخلف، 

بل يفتح اتجاهًا.

 

يحوّل الفشل من نهاية 

إلى نقطة انعطاف.

 

ليس لأن الطريق الجديد أفضل بالضرورة، 

بل لأنه أكثر انسجامًا 

مع ما أصبح واضحًا الآن.

 

الفشل، في هذه الحالة، 

لا يُنهي المسار، 

بل يعيد رسمه.

 

قد يُبطئك، 

قد يُربكك، 

وقد يجعلك تشكّ في قراراتك، 

لكنه—بشكل خفي— 

يدفعك إلى موقع 

لم تكن لتصل إليه 

لو استمر كل شيء كما أردت.

 

وهنا يحدث التحول الحقيقي.

 

حين تتوقف عن محاولة إثبات 

أن ما لم ينجح 

كان يجب أن ينجح، 

وتبدأ في التساؤل 

عمّا يكشفه لك.

 

حين لا ترى التوقف كخسارة، 

بل كإعادة توجيه.

 

وحين تدرك أن بعض الأبواب التي أُغلقت 

لم تكن تعيقك… 

بل كانت تحميك 

من الاستمرار في اتجاه لا يناسبك.

 

في النهاية، 

لا يمكننا أن نمنع ما لا ينجح، 

لكن يمكننا أن نختار كيف نقرأه.

 

إما كدليل على أن الطريق انتهى، 

أو كإشارة إلى أن الاتجاه يحتاج تعديلًا.

 

وهذا الفرق 

هو ما يصنع المسار كله.

 

لأن ما لا ينجح 

قد لا يكون ضدك، 

بل—بهدوء— 

يعيدك إلى مكان 

أقرب لما يجب أن تكون عليه.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

كن جسرًا… لا ضفة!

 

كن جسرًا… لا ضفة!

 

"الحياة التي تُعاش في المنتصف… حيث يمرّ الآخرون"

 


 

لم يولد الجسر ليبقى لنفسه. 

ومنذ اللحظة التي يمتدّ فيها، 

يتخلى—بهدوء—عن فكرة أن يكون مكانًا يُسكن.

 

الجسر لا ينتمي. 

هو معلّق دائمًا بين جهتين، 

لا يستقر في إحداهما، 

ولا يملك رفاهية الانحياز.

 

أن تكون جسرًا 

ليس دورًا عابرًا تؤديه عند الحاجة، 

بل اختيارًا وجوديًا 

يعيد تعريف موقعك من العالم.

 

أن تقرر ألّا تكون ضفة، 

بل رابطًا بين ضفتين لا تريان بعضهما، 

ولا تعرفان كيف تلتقيان دونك.

 

هذا الاختيار يبدو نبيلًا من الخارج، 

لكنه من الداخل… 

مليء بتوتر صامت.

 

لأن الجسر، بطبيعته، 

لا يُحتفى به كما يُحتفى بالوصول. 

لا يُذكر حين ينجح العبور، 

ولا يُلتفت إليه إلا حين يتصدّع.

 

هو حاضر دائمًا، 

لكن حضوره ليس مركزًا، 

بل وظيفيًا… 

يتأكد وجوده بما يمرّ عليه، 

لا بما يبقى فيه.

 

وهنا تكمن أولى المفارقات.

 

أن تكون رابطًا 

يعني ألّا تكون طرفًا كاملًا في أي جهة. 

أن تفهم الضفتين، 

لكن لا تذوب في أيٍّ منهما. 

أن تحمل ملامحهما، 

دون أن تفقد شكلك الخاص.

 

هذا التوازن لا يُحسم مرة واحدة، 

بل يُعاد بناؤه في كل لحظة. 

في كل عبور، 

في كل اختلاف، 

في كل محاولة لربط ما لا يريد أن يرتبط.

 

والثمن… ليس دائمًا ظاهرًا.

 

الجسر يُداس عليه، 

لا لأن أحدًا يريد إيذاءه، 

بل لأن هذه هي وظيفته. 

أن يُستخدم، 

أن يُعبر، 

أن يكون الطريق الذي لا يُسأل إن كان متعبًا، 

ولا إن كان يحتاج إلى توقف.

 

وهنا يبدأ التوتر الأعمق.

 

هل أنا جزء مما يمرّ؟ 

أم مجرد مساحة يمرّون عبرها؟ 

هل أنتمي لما يأتيني من هذه الضفة؟ 

أم لما يغادرني إلى الأخرى؟ 

أم أنني—في الحقيقة— 

لا أنتمي إلا إلى هذا الامتداد نفسه؟

 

هذه الأسئلة لا تُطرح بصوت عالٍ، 

لكنها تعيش في العمق، 

تتكرر كلما اشتد العبور، 

وكلما زاد الضغط.

 

ومع الوقت، 

يتضح أن الجسر ليس مشروعًا يُنجز، 

بل فعلًا مستمرًا.

 

لا يُبنى مرة واحدة ثم يُترك، 

بل يُعاد تثبيته مع كل مرور، 

يُختبر مع كل وزن، 

ويُعاد تعريفه مع كل اختلاف.

 

ليس هناك لحظة يقول فيها: “اكتملت”. 

لأن الاكتمال، بالنسبة له، 

يعني التوقف… 

وهو لم يُوجد ليتوقف.

 

لكن وسط هذا الامتداد المستمر، 

يحدث التحول.

 

لا في الشكل، 

بل في الفهم.

 

حين يدرك الجسر أن قيمته 

لا تكمن في أن يُرى، 

ولا في أن يُعترف به ككيان مستقل، 

بل في العبور الذي يحدث بسببه.

 

في الخطوات التي لم تكن لتُخطى لولاه. 

في اللقاءات التي لم تكن لتحدث دون امتداده. 

في المسافات التي لم تعد فاصلة 

لأنه اختار أن يكون بينها.

 

هذا الإدراك لا يُلغي الثقل، 

ولا يمحو التوتر، 

لكنه يمنحه معنى.

 

يجعل كل عبور… 

دليلًا على أن وجوده ليس فراغًا، 

بل ضرورة.

 

وفي النهاية، 

لا يسعى الجسر إلى أن يصبح ضفة، 

ولا يطمح أن يُحتفظ به كمكان إقامة.

 

يكتفي بشيء أبسط… وأعمق:

 

أن يبقى ممتدًا، 

قادرًا على الاحتمال، 

جاهزًا لكل من يعبر، 

دون أن يسأل إلى أين يذهب.

 

أن يكون طريقًا، 

دون أن يطلب أن يكون هو الوجهة.

 

وهنا يبلغ اكتماله الوحيد الممكن:

 

أن يمرّ العالم فوقه، 

ويستمر… 

دون أن يتوقف عنده.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

ما يمرّ مرة واحدة… ويعيد كتابة كل شيء

  ما يمرّ مرة واحدة… ويعيد كتابة كل شيء   "اللحظة التي لا تبدو مصيرية… إلا بعد أن تعبر"     لم تكن لافتة.   لم تحمل عل...