السبت، 14 فبراير 2026

سكينة لا تستسلم

 

سكينة لا تستسلم

 

"قوة لا تصرخ ولا تنكسر"

 


 


في زمن يقدس الضجيج ويعبد الصخب، تظهر السكينة كفضيلة منسية، كجوهرة في قاع بحر هائج. لكن السكينة التي أعنيها ليست سكينة المستسلمين، ليست هدوء المنهزمين الذين ألقوا أسلحتهم واكتفوا بالتفرج على الحياة من نوافذ العجز. إنها سكينة مختلفة، سكينة تحمل في أحشائها صرامة الجبال، سكينة تشبه المحيط الهادئ ظاهريًا، لكن في أعماقه تيارات جارفة، طاقة هائلة لا ترى بالعين المجردة. هذا هو بارادوكس القوة الحقيقية: أن تكون هادئًا كبحيرة وأن تحمل في داخلك شلالات من الإرادة، أن تصمت وفي صمتك أعظم الكلمات.

 

السكينة الواعية ليست فراغًا، ليست غيابًا، ليست انعدامًا. إنها حضور بكيفية أخرى، حضور يتجاوز حدود الكلام والحواس. هي الفراغ الذي يمتلئ بالمعنى، الصمت الذي يصير أبلغ من أي خطاب. في هذا الفراغ الممتلئ، تتسع الروح لاستيعاب الأضداد، تجمع بين القوة واللين، بين الثبات والمرونة، بين الصمود والانحناءة الواعية. الفراغ هنا ليس نقصًا، بل هو سعة، هو المساحة التي تتيح للوجود أن يتمدد، هو الرحم الذي يولد فيه المعنى من جديد كل لحظة. حين يمتلئ الفراغ بهذا النوع من السكينة، يصير كل شيء فيه ناطقًا، الجدران تتكلم، الصخور تهمس، الظلال تروي حكاياتها القديمة.

 

أتأمل تلك المرأة التي تجلس وحدها في مقهى مزدحم، لا تنظر إلى أحد، لا تتحدث مع أحد، لكن حضورها يملأ المكان. من حولها ضجيج الأصوات، صخب الأكواب، ثرثرة الناس، وهي في وسط هذا كله، جزيرة هادئة، محيط ساكن. ليست منعزلة عن العالم، بل هي في العالم بطريقة أخرى، تحمل صمتها كدرع، تحمل هدوئها كسيف، ترفض أن تساهم في ضجيج العصر، ترفض أن تصبح جزءًا من الطنين الكوني الذي يخفي الفراغ الحقيقي تحت ستار الامتلاء الزائف. في رفضها هذا قوة هائلة، قوة لا تحتاج إلى إعلان، قوة تكتفي بأن تكون، تكتفي بأن توجد، تكتفي بأن تمارس فعل الوجود الأعمق.

 

السكينة التي لا تستسلم هي فعل مقاومة بامتياز. إنها مقاومة لا تحتاج إلى منشورات ولا خطابات، مقاومة تتحقق في الصمت كما تتحقق الثورة في العقول قبل الشوارع. في عصر يريدك أن تصرخ لتثبت وجودك، أن تعلن لتثبت انتماءك، أن تشارك في الضجيج الجماعي لتكون جزءًا من الجماعة، يأتي فعل الصمت كتمرد وجودي، كرفض عميق لكل أشكال الاستلاب. هذه السكينة تقول: لن أكون كما تريدون، لن أتكلم لأن الكلام صار مبتذلًا، لن أصرخ لأن الصراخ صار موضة، سأبقى هنا، هادئة، ممتلئة، حاضرة، وسيكون حضوري وحده كافيًا لإرباك كل حساباتكم.

 

في تاريخ البشرية، كانت أعظم القوى هي الأكثر صمتًا. الجبال لا تصرخ لتدل على عظمتها، المحيطات لا تعلن عن عمقها، النجوم لا تذيع أخبار وجودها. الوجود العظيم يكتفي بأن يكون، وفي كونه هذا أكبر رسالة، أبلغ كلام، أعظم إعلان. كذلك هي السكينة التي لا تستسلم، تكتفي بأن تكون، وفي كونها هذا تزلزل أركان الضجيج المزيف، تكشف هشاشة الصخب، تفضح فراغ الامتلاءات الوهمية. حين تمر العاصفة، تبقى الجبال صامتة، لا تعلق على ما فعلته بها الريح، لا تشكو ما أحدثته فيها الأمطار، تبقى هناك، صامدة، تصمت، وفي صمتها تنتصر.

 

الصلابة الداخلية لا تعني الجمود، لا تعني التحجر، لا تعني فقدان القدرة على التأثر والتأثير. إنها صلابة تشبه صلابة الخيزران، ينحني للريح لكنه لا ينكسر، يلامس الأرض لكنه لا يفقد اتزانه، يهتز مع العاصفة لكن جذوره في العمق ثابتة. هذه الصلابة تجعل السكينة ممكنة، تجعل الصمت محتملًا، تجعل الهدوء فعلًا لا استسلامًا. حين تمتلك هذه الصلابة، يمكنك أن تصمت وأعداؤك يظنونك ضعيفًا، ثم يكتشفون أن صمتك كان أقوى من كل صراخهم، أن هدوءك كان أشد من كل جنونهم، أن سكينتك كانت الجدار الذي تحطمت عليه كل موجات ضجيجهم.

 

الفراغ الممتلئ يشبه الليل، يبدو فارغًا لمن لا يعرف القراءة في النجوم، لكن العارفين يجدون فيه ألف كتاب مكتوب بنور. السكينة كذلك، تبدو لمن لا يفهمها مجرد غياب، مجرد انقطاع، مجرد لاشيء. لكن لمن يعيشها، لمن يسكنها، لمن يصير هي، هي الامتلاء الأقصى، هي الحضور الأكمل، هي الوجود في أسمى تجلياته. في هذه السكينة، تسمع صوت ذاتك بوضوح لم تسمعه من قبل، ترى العالم كما لم تره، تدرك المعاني التي كانت تختبئ خلف ضجيج الحياة اليومية. تصير مثل البحيرة التي تعكس السماء، هادئة لكنها تحمل في أعماقها كل النجوم، ساكنة لكنها تحتضن كل الحركة الكونية.

 

أتعلم من هذه السكينة أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إثبات. من يمتلك القوة الحقيقية لا يهدرها في صراخ، لا يبذرها في جدال، لا يضيعها في محاولات إقناع الآخرين بوجوده. القوة الحقيقية تكتفي بأن تظهر في اللحظة المناسبة، كما يظهر القمر في ليلة مظلمة، بلا ضجة، بلا إنذار، فقط يكون هناك، فيملأ الكون نورًا. هكذا هي السكينة التي لا تستسلم، تظهر حين تظن الأصوات الصاخبة أنها انتصرت، لتقول إن الصمت أبقى من كل صوت، إن الهدوء أعمق من كل ضجيج، إن السكون أبلغ من كل حركة.

 

في زمن الخوف، تختار هذه السكينة ألا تخاف.

في زمن القلق، تختار ألا تقلق.

في زمن التشتت، تختار أن تتمركز حول ذاتها.

ليس هذا هروبًا من الواقع، بل مواجهة بطريقة أخرى، مواجهة من الداخل، مواجهة لا تحتاج إلى سلاح إلا الوعي، لا تحتاج إلى درع إلا الصفاء، لا تحتاج إلى معسكر إلا الروح. إنها مقاومة لا تراها العيون لكنها تترك آثارها في عمق الوجود، كما تترك الريح آثارها في تشكيل الجبال، ببطء، بصبر، بصمت، لكن بيقين لا يخطئ.

 

السكينة الواعية تمارس فعل الرفض الهادئ كل يوم. ترفض أن تجري وراء السراب، ترفض أن تلهث خلف الأوهام، ترفض أن تبيع نفسها بثمن بخس. في هذا الرفض اليومي، تتجلى عظمتها، تتجلى حريتها، تتجلى إنسانيتها. هي حرة لأنها لا تحتاج إلى ما يملأ فراغها، قوية لأنها لا تخاف من الوحدة، غنية لأنها اكتشفت أن أغنى كنوز العالم هو هذا الصمت الداخلي، هذه السكينة التي لا تُشترى ولا تُباع، هذه الهبة التي لا تمنح إلا لمن يستحقها بصبره وتأمله وإيمانه العميق بالوجود.

 

وأخيرًا، أكتشف أن السكينة التي لا تستسلم هي الوجه الآخر للحب.

الحب الحقيقي لا يصخب، لا يصرخ، لا يعلن عن نفسه في الميادين.

الحب الحقيقي يسكن في الصمت، ينمو في الهدوء، يزدهر في السكينة. حين تحب حقًا، لا تحتاج إلى أن تقول، يكفي أن تكون، يكفي أن تحمل هذا الحب في داخلك كجوهرة ثمينة، تضيء بها ظلمة وجودك، تدفئ بها برودة أيامك. في هذا الحب الصامت، تتحقق السكينة التي لا تستسلم، تتحقق القوة التي لا تحتاج إلى عضلات، تتحقق المقاومة التي لا تحتاج إلى أسلحة. إنها سكينة تشبه سكينة الأرض وهي تحتضن البذور في شتاء طويل، تعرف أن الربيع آتٍ، تعرف أن الاخضرار قادم، فتصبر، وتصمت، ولا تستسلم.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

كرامة الخدمة

 

كرامة الخدمة

 

"كيف يحفظ العطاء كرامة الذات"

 




تنهض الخدمة كعلاقة وجودية معقدة بين الإنسان ودوره، بين ما يُنتظر منه وما يختار أن يكونه، بين ما يمنحه العالم وما يمنحه هو لنفسه. ككل علاقة عميقة، تحمل احتمالين متناقضين: أن توسع الروح أو أن تستهلكها بصمت. الفارق لا تحدده الخدمة نفسها، بل الوعي المصاحب لها، والمسافة التي يحسن ضبطها بين الهوية الإنسانية والدور، والقدرة الدقيقة على أن يُقدّم الإنسان دون أن يُستعبد.

 

في البداية، يبدو العطاء مجرد تفانٍ صادق ورغبة في الخير، لكنه يخفي فخًّا خفيفًا: غياب السؤال الجوهري عن الذات خارج الدور. حين لا يُطرح هذا السؤال، يبدأ الذوبان البطيء، ويصبح الإنسان ما يؤديه لا ما هو عليه، مرآة لتوقعات الآخرين، بلا وجه يميزه. تتحول الخدمة من فعل إنساني حر إلى ثوب يُلبس على الجسد، ثقيل لكنه شفاف، يثقل الروح أكثر من أي قيد ظاهر.

 

الضريبة تُستقطع يومًا بعد يوم من رصيد الداخل، تتسلل بصمت حتى يخف الحماس، ويتآكل الشغف. يكتشف المرء أنه أعطى أكثر مما يملك، واستنزف موارده دون تعويض، فصار خادمًا متقنًا لكنه مُنهك. الخدمة بلا وعي لا تُنمّي، بل تُفرغ، لا تُغني، بل تُفقِر.

 

الوعي بالمسافة بين الدور والذات هو ما يمنح الخدمة شكلها الناضج. كالممثل الذي يغوص في شخصيته دون أن يزرعها في جلده، يعرف متى يرتدي القناع ومتى يخلعه، ويعي أن العرض مهما بلغ العمق، له نهاية يعود بعدها إلى ذاته. هكذا تكون الخدمة المهنية: حضور كامل، أداء صادق، التزام عميق، مع إدراك دائم أن الدور أداة تُستخدم ولا يُسلم لها زمام الهوية.

 

في هذا الفضاء، تتحرر الخدمة من الإكراه إلى اختيار واعٍ، تتحول من واجب ثقيل إلى عطاء مقصود، ومن دور يختزل الإنسان إلى دور يعبر عنه دون أن يلتهمه. شجاعة الانسحاب من الأدوار التي لا تثري هي من أندر أشكال الشجاعة، ليس هروبًا ولا ضعفًا، بل وعيًا بأن بعض الأدوار تستهلك أكثر مما تمنح، وأن بعض الخدمات تشوه الداخل بدل أن تبنيه.

 

التمييز بين الدور المغذي والدور المستنزف لا يُقاس بمعايير خارجية، بل ببوصلة داخلية دقيقة: ما يوسع الأفق ويوقظ الطاقات ويمنح شعورًا بالامتلاء رغم التعب، هو الدور المغذي؛ وما يتركك فارغًا ومنهكًا رغم النجاح الظاهر، هو الدور المستنزف. كرامة التخصص تكمن في القدرة على الاختيار، على أن تعرف أين تضع طاقتك، وأين تقول "لا"، وأي خدمة تنسجم مع قيمك وهويتك المهنية. حماية هذه الكرامة ليست ترفًا، بل ضرورة تحمي جودة العطاء وتحفظ احترام الذات وتضمن الاستدامة.

 

حين يستقر المرء في هذه المسافة الواعية، يظهر السؤال الفاصل: من أكون خارج هذه الأدوار؟ إن كانت الإجابة امتلاءً حقيقيًا، فهناك النجاة؛ وإن كانت خواءً، فالذوبان قد بدأ. الخدمة الواعية تنبع من ذات مستقرة، تمنح الدور معناه من دون أن تتسلمه، تعطي من ملكتها الداخلية، لا من فراغها. ومن بلغ هذه المرتبة، أدرك أن أعظم خدمة يقدمها للآخرين هي الحفاظ على ذاته حية، لأن الذات المستنزفة لا تُنقذ أحدًا، والروح الفارغة لا تمنح إلا الفراغ.

 

فليكن عطاؤك كالنهر، يمنح الحياة دون أن يجف، ويبقى نهرًا بعد أن يرتوي الجميع. فالخدمة التي تحفظ كرامتك هي وحدها التي تستحق أن تُسمى عطاء.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

مرايا المعنى

 

مرايا المعنى

 

"كيف نحمي المعنى ونظل إنسانيين"

 




المعنى في العمل ليس زينة على الجدران، ولا شعارًا نردده في الاجتماعات، ولا قيمة نظرية تُدرج في أدلة المؤسسات ثم تُنسى عند أول اختبار حقيقي. إنه النبض الخفي الذي يمنح الفعل المهني روحه، ما يجعل ما ننجزه حيًّا لا آليًا، وما نؤديه طقسًا إنسانيًا لا مجرد حركة متكررة. لكن المفارقة تظهر حين نقرر حماية هذا المعنى بشدة، حين نبنيه بأسوار ونقبض عليه بصرامة، فنكتشف أننا في محاولتنا لحراسته بدأنا نفقده، وأن الدفاع عنه قد يحوّلنا تدريجيًا إلى نسخ جامدة منه بدل أن نجسده حيًا.

 

التحدي الحقيقي ليس امتلاك القيم فحسب، بل معرفة كيفية حملها. بين المبادئ والروح مسافة دقيقة يصعب السير فيها دون تعثر: فالمبادئ تمنح الاتجاه والثبات، لكنها إن تُركت بلا روح تحولت إلى صخور باردة، والروح تمنح الدفء والمرونة، لكنها إن انفصلت عن المبادئ ضاعت في الضباب. المهني الواعي يمشي على هذا الحد الفاصل، يعرف أن التصلب باسم القيم يسلبه إنسانيته، وأن الانصهار باسم التعاطف قد يضيّع بوصلته، فيسعى إلى النقطة النادرة التي تتقاطع فيها الصلابة الداخلية مع الليونة الخارجية، حيث تكون المبادئ حاضرة بلا قسوة، والإنسانية قائمة بلا تسيب.

 

المعنى غالبًا لا يتآكل في البيئات المعادية صراحة، بل في تلك التي تضغط عليه باستمرار، فتتحول حراسته إلى استنزاف يومي، إلى معركة طويلة تستنزف الروح. ومع الوقت، يبدأ حامل المعنى بالتشبه بما يقاومه: يصير قاسيًا لحماية القيم، باردًا ليمنع الاختراق، صامتًا ليصمد. وهنا تقع الخسارة الكبرى: أن نفقد إنسانيتنا ونحن نرفع راية القيم الإنسانية، وأن نصبح نسخًا جامدة من ما نحميه.

 

القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الجمع بين الثبات والمرونة، لا في الصلابة المجردة. المرونة الواعية هي ما يجعل حماية الجوهر ممكنة: انحناءٌ يحمي الجوهر بدل أن يفرغه، ليونةٌ ذكية تحافظ على معنى العمل حيًا بدل أن تجعله مجرد احتفاظ شكلي بالمبادئ. الدفاع عن المعنى ليس فعلًا قتاليًا أو عدوانيًا، بل ممارسة وجودية يومية، تبدأ من الداخل قبل الخارج، من مساحة صمت يتصل فيها الإنسان بجذوره، يستعيد سبب انخراطه في العمل ويجدد اتصاله بروحه قبل أي معركة خارجية.

 

اللين مع الآخرين لا يعني التنازل عن المبادئ، بل اختبارها الحقيقي. المبادئ الميتة تتحول إلى أدوات إقصاء وجدران عازلة، أما المبادئ الحية فهي ما يتحول إلى فهم وتعاطف، وقدرة على الإصغاء دون الذوبان. رؤية العالم بعيون الآخرين لا تزيل رؤيتك، بل توسعها. احترام معاني غيرك لا يقلل من معناك، بل يعرّفك على وجوه مختلفة للمعنى نفسه.

 

البقاء إنسانيًا في بيئات العمل القاسية يتطلب وعيًا متقدمًا، معرفة متى تصمد ومتى تتكيف، متى تقترب ومتى تبتعد. إنسانية العمل ليست حالة ثابتة نبلغها ثم نرتاح، بل ممارسة يومية متجددة، اختيار متكرر، جهد صغير لكنه حاسم. الحفاظ على الإنسانية يصبح هنا أعلى المعايير، القيمة التي تُقاس بها كل القيم الأخرى.

 

حماية المعنى دون فقدان الإنسانية تعني القدرة على الشعور أثناء الدفاع، وعلى الرحمة أثناء الحماية، وعلى الحب أثناء خوض الصراعات. تعني ألا نصبح نسخة من خصومنا، ولا نبيع روحنا مقابل انتصار شكلي للمبادئ. المعنى الحقيقي ليس شيئًا نملكه فنحرسه، بل حالة نعيشها فنصبح بها أكثر اتساعًا، وأكثر قربًا، وأكثر إنسانية.

 

تبقى الحقيقة الأوضح: المعنى الذي يقتل الإنسانية لا يستحق الحماية، والقيم التي تعزلنا عن البشر تحتاج إلى مراجعة، لا إلى تحصين. الانتصار الحقيقي ليس في أن تنتصر مبادئنا على الناس، بل أن تنتصر إنسانيتنا على كل ما يحاول تجفيفها، حتى وإن جاء ذلك باسم القيم نفسها.

 

فليكن معناك... شمسٌ تمنح الدفء دون أن تحرق، وتنير الدروب دون أن تفنى. فالقيم التي تبقى إنسانية هي وحدها التي تستحق أن تُحرس.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

هدنة مع الزمن

 

هدنة مع الزمن

 

"مقام العابر المقيم"

 



 

ليس الانتظار فراغًا يتدلّى بين حدثين، ولا مساحة عابرة نملؤها ريثما يصل ما نترقّبه. في هذا المقام، الانتظار كيان كامل، زمن قائم بذاته، لحظة يخلع فيها الوجود حركته الصاخبة ويتحوّل إلى سكون كثيف. هو الكون حين يهدأ قليلًا، والزمن حين يتخفّف من ثقل الساعات ويرتدي رداءً من ضباب. أن تنتظر هنا لا يعني أنك مؤقت، بل أنك بلغت مكانك الأعمق، استقررت في اللحظة كما يستقر حجر في قاع النهر؛ يمر الماء حوله بلا توقف، تعبر فوقه الحياة، وهو هناك، ثابت في صمته، شاهد على الجريان دون أن يشارك فيه.

 

الصبر المصقول لا يتعلّق بشيء.

إنه صبر بلا موضوع، بلا غاية خارج ذاته، يشبه مرآة تنتظر وجهًا لا تعرف ملامحه. لا تسأل متى يجيء، ولا من أي جهة، تظل صافية لأنها خُلقت للانتظار نفسه. في هذا المستوى، يتحوّل الصبر من فضيلة أخلاقية إلى حالة وجودية، من سلوك نمارسه إلى مقام نقيم فيه. صبر لا يحتمل الغياب، بل يصنع حضورًا مكتفيًا، صبر يتأمل نفسه في مرآة الوقت، ويرى في ذلك التأمل شكلًا من أشكال الخلود.

 

تعلمنا منذ البداية أن الزمن عدو.

علمتنا الساعات ذلك وهي تضرب إيقاعها على صدورنا، علمتنا الأيام وهي تنفلت من بين أيدينا كالرمل. كنا نعدّ الدقائق كما يعدّ الأسير علامات الجدار، نرى في كل دقيقة تمضي نقصًا، وفي كل ساعة خسارة. لكن في مقام الانتظار، نوقّع هدنة مع هذا العدو المفترض. نخلع سلاح الاستعجال، نضع جانبًا خوف التأخر، ونجلس في منتصف اللحظة بلا مقاومة. هناك نكتشف أن الزمن لم يكن خصمًا، بل معلّمًا متنكرًا، صديقًا قاسي الملامح، كان ينتظر منا أن نتوقف عن مطاردته لنراه.

 

حين تكفّ عن مصارعة اللحظة،

حين ترفض أن تكون في سباق دائم مع عقارب الساعة، تبدأ الأشياء في الظهور على مهل. ترى الضوء وهو يتحرّك ببطء على الجدران، تتابع الغبار وهو يسبح في شعاع الشمس، تصغي إلى قلبك كأنك تسمعه للمرة الأولى. في هذا الصفاء الذي يسبق التجلي، تستعيد الأشياء حقيقتها الأولى. لا تعود أدوات ولا خلفيات، بل تصير علامات، أيقونات صغيرة في معبد الوجود. اللحظة لا تمرّ، بل تقيم، تتسع، تسكن الروح كما تسكن المياه بحيرة لا ضفاف لها.

 

الوقوف على العتبة أخطر موضع يمكن أن يسكنه إنسان.

أنت لست في الداخل فتطمئن، ولا في الخارج فتتحرر، أنت في المسافة بينهما، في منطقة اللاقرار، حيث يتقاطع الماضي والمستقبل دون أن يهيمن أحدهما. هنا تتلاشى الخطوتان: التي جاءت بك، والتي ستأخذك، وتبقى معلقًا في فراغ لا جاذبية فيه سوى جاذبية التأمل. هذا التعليق ليس نقصًا، بل احتمالًا خالصًا.

 

في هذا التعليق، يكتشف المرء مفارقة عميقة:

أن عدم الاستقرار قد يكون أكثر ثباتًا من الثبات نفسه. أن العبور يمكن أن يتحول إلى إقامة. هنا تبني بيوتًا من هواء، وتزرع حدائق في الضباب، وتنجب أحلامًا لا تحتاج إلى مستقبل كي تعيش. في هذا الموضع تكون أكثر صدقًا، لأنك لست مضطرًا لأن تكون شيئًا محددًا. يمكنك أن تكون كل ما يمكن أن يكون، دون أن تختار.

 

أتأمل امرأة تقف على عتبة بيت قديم.

لا أعرف ما الذي تنتظره، ولا يهم. انتظارها ليس موجّهًا، بل متجسّد. يسكن عينيها، يبطئ حركتها، يجعل من وقوفها إقامة طويلة. هي لا تتحرك، لكنها في سفر دائم. يمر الناس أمامها دون أن تراهم، تمر الساعات دون أن تشعر بها. هي في زمن آخر، زمن لا يُقاس بالدقائق بل بالأنفاس، لا يُحسب بل يُعاش.

 

الهدنة مع الزمن تعني أن نعيد تعريفه.

أن نخرجه من كونه مقياسًا كميًا، ونعيده إلى طبيعته النوعية. الزمن هنا ليس قبلًا وبعدًا، بل عمقًا واتساعًا. ليس خطًا يمتد، بل نقطة تتسع حتى تشمل الكون كله. في هذه الهدنة، يتحول الزمن من سجان إلى رفيق، من قوة تسلب إلى قوة ترعى، من نهر يجرفنا إلى بحر يحملنا على سطحه، طافين، مطمئنين، لا نعرف الوجهة لكننا نثق في الرحلة.

 

الصفاء الذي يسبق التجلي ليس فراغًا.

إنه امتلاء كثيف، يشبه السماء قبل المطر، الجسد قبل الولادة، العاشق قبل اللقاء. لحظة الحمل الأبدي، لحظة الصفر التي تسبق الواحد، الصمت الذي يسبق الكلمة. في هذا الصفاء نكون في أقصى درجات الحضور، لأننا حاضرون لما لم يأت بعد، نعيش المستقبل كإمكانية نابضة، ونحتضن الغياب كما لو كان بين أيدينا.

 

أقسى أشكال الانتظار أن تنتظر ما تعرف أنه لن يأتي،

ومع ذلك تبقى. أن تعرف أن العتبة لا تؤدي إلى باب، ومع ذلك تقيم عليها. هنا يبلغ الانتظار صفاءه الأعلى، يصير انتظارًا بلا موضوع، انتظارًا ينتظر نفسه. طقسًا يوميًا، صلاة بلا مخاطَب، حبًا بلا معشوق. في هذا المستوى، يصير اللاشيء كل شيء، ويتجلى الوجود في صورته الأكثر تجريدًا.

 

في مقام الانتظار هذا، أتعلم من الشجرة.

لا تسأل متى يأتي الربيع، ولا تتحسر على الخريف. جذورها في الأرض، وأغصانها في السماء، تنتظر لأن الانتظار طبيعتها، لأن الوقوف بين الأرض والسماء هو موطنها الأزلي. وأتعلم أن الزمن لم يكن عدوًا، بل كان ينتظر مني أن أراه، أن أمدّ له يدي لا لأصارعه، بل لأصافحه.

 

الهدنة تمت.

أنا والزمن نجلس الآن في مقهى الذاكرة، نشرب الشاي ببطء، لا نستعجل شيئًا ولا نخشى فوات شيء. الساعة على الحائط صامتة، لأن الدق صار في الداخل، في القلوب التي تعرف كيف تنتظر بلا انتظار، في الأنفاس التي تتعاقب كالأمواج، وفي العيون التي تحدّق في أفق لا يأتي منه شيء… لأن كل شيء حاضر منذ الأزل.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

الأربعاء، 11 فبراير 2026

غواية الحرف

 

غواية الحرف

 

"هندسة المعنى في فضاء الأعمال"

 




في زحام مدينة لا تنام، حيث تتعانق أضواء الأبراج مع ظلال الطموحات، فيما يهرع الناس كأنهم يطاردون أفضل نسخة من أنفسهم، وُلد سؤال لم يكن على جدول الأعمال. خلف باب لقاء مهني عابر، في قلب حديث عن التوسع والانتشار والاستراتيجيات، انفتح باب آخر أكثر عمقًا: باب الكلمة. لم يكن السؤال عن الأرقام ولا عن نسب النمو، بل عن تلك القوة الخفية التي تمنح الفكرة حياتها، وتجعلها قادرة على العبور من عقلٍ إلى عقل، ومن روحٍ إلى روح.

 

هناك أدركت أن كل انتشار يبدأ بجملة، وأن كل مشروع عظيم كان في لحظته الأولى معنىً يبحث عمّن يصوغه بصدق. فالكلمة ليست ظلّ الفكرة، بل جسدها المرئي. وإذا عجزنا عن التعبير، بقينا سجناء أفكارنا، نراها واضحة في داخلنا لكنها عاجزة عن أن ترى النور في الخارج. من هنا تبدأ الحكاية: من معضلة التعبير التي رافقتنا طويلًا، حتى ظنناها قدرًا لا يُراجع.

 

لقد تعلّمنا "الإنشاء" بوصفه واجبًا ثقيلًا، حصةً مدرسية تُؤدّى ثم تُنسى، غايتها القصوى عبور الاختبار بنجاح باهت. جُرّدت الكلمة من دفئها، وحُوِّلت الكتابة إلى تمرين آلي، إلى قوالب جاهزة تُملأ كما تُملأ الاستمارات. تعلمنا أن نكتب كي ننجو من سؤال المصحح، لا كي ننجو من صمتنا الداخلي. فخرجت الحروف مرتبة لكنها باردة، أنيقة لكنها بلا روح، كجنود يؤدون التحية بلا انفعال، أو كطيورٍ تعلّمت شكل السماء من الصور ولم تختبر اتساعها يومًا.

 

في تلك اللحظة التربوية المبكرة، حدث الانفصال الكبير بين العلامة والمهارة. صار الهدف لحظةً عابرة، لا عادةً متجذرة. حين يتعلم الإنسان لأجل الامتحان، فإنه يؤجل المصالحة الحقيقية مع المعرفة. يتحول العقل إلى مخزن مؤقت، وتتحول الكتابة إلى أداء موسمي. أما الديمومة المعرفية فهي شيء آخر؛ هي مهارة تسكن في الداخل، تنمو بصمت، وتكبر مع كل قراءة عميقة، وكل تجربة صادقة، وكل محاولة لقول ما لم يُقل من قبل.

 

المشكلة لم تكن يومًا في شح المفردات، بل في غياب المنهج الذي يحرر الذات من الخوف. خوف الخطأ، خوف الحكم، خوف ألا نبدو "جيدين بما يكفي". الكتابة الصادقة فعل شجاعة؛ لأنها تكشف صاحبها قبل أن تُقنع قارئها. حين نكتب بصدق، نحن لا نصوغ فكرة فحسب، بل نعلن حضورنا. نضع جزءًا منا في السطر، ونخاطر بأن يُرى كما هو، بلا أقنعة بلاغية زائفة.

 

فلسفيًا، التعبير هو التجسد الأسمى للوجود الإنساني. نحن لا نوجد فقط بما نفعل، بل بما نقول عمّا نفعل. اللغة ليست أداة نقل محايدة، بل فضاء تتشكل فيه الهوية. من لا يستطيع صياغة فكرته، يبقى حبيس شعورٍ غامض، كأن في داخله بحرًا لا يجد مجراه. والكتابة، حين تُفهم بهذا المعنى، ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية؛ بها نعيد ترتيب فوضى الداخل، وبها نمنح تجاربنا معنىً يتجاوز لحظتها العابرة.

 

في عالم الأعمال، يبدو الحديث عن البيان كأنه شأن أدبي منفصل عن لغة السوق، لكن الحقيقة أن كل نجاح مستدام يبدأ بوضوح السرد. المشروع الذي لا يُحكى جيدًا لا يُفهم جيدًا، والذي لا يُفهم لا يُدعم ولا ينتشر. خلف كل عرض تقديمي ناجح قصة مُحكمة، وخلف كل علامة تجارية راسخة حكاية قادرة على لمس وجدان الناس. الأرقام تقنع العقل، لكن السرد يُحرّك الإرادة. والقرار في النهاية ليس عملية حسابية باردة، بل استجابة لمعنى مُقنع.

 

هنا يلتقي المشهد المهني بالبيان في نقطة جوهرية: القدرة على هندسة المعنى. فالتعبير الاحترافي ليس زخرفة لغوية، بل بناء جسر نفسي بين الرؤية وصاحب المصلحة، بين الفكرة والسوق، بين الحلم والواقع. القادة الذين يتركون أثرًا ليسوا الأكثر حديثًا، بل الأقدر على تكثيف رؤيتهم في كلمات واضحة، نابضة، صادقة. هم الذين يدركون أن اللغة ليست غلاف المشروع، بل بنيته الخفية.

 

لكن هذا التحول لا يحدث بقرار لحظي، بل بمسار طويل من المصالحة مع القراءة والكتابة. القراءة ليست جمعًا للمعلومات، بل توسيع لزوايا النظر. كل كتاب عميق يضيف نافذة، وكل نص جيد يدرّب الحساسية تجاه الإيقاع والمعنى. ومع الوقت، يتحول الحرف إلى رفيق يومي، لا إلى مهمة مؤجلة. نكتب لأننا نريد أن نفهم، لا لأن أحدًا طلب منا ذلك. نكتب لنختبر أفكارنا، لننقّحها، لنراها من الخارج كما يراها الآخرون.

 

وحين تتكرر هذه الممارسة، تتحول الكتابة من عبء إلى طقس. من واجب ثقيل إلى مساحة حرية. نكتشف أننا لم نكن نتعلم كيف نكوّن فقرة صحيحة فحسب، بل كيف نصير أنفسنا بوضوح أكبر. كل نص صادق يترك فينا أثرًا، يعيد تشكيلنا بصمت، ويقرّبنا خطوة من نسخةٍ أكثر وعيًا من ذواتنا.

 

غواية الحرف ليست نزوة لغوية عابرة، بل نداء داخلي خافت يقول: اكتب لتكون. اكتب لأن الصمت الطويل يبهت الملامح، ولأن الفكرة التي لا تُصاغ تذبل في الظل. حين تتحرر الكلمة من قفص العلامة، وتتحرر الروح من رهبة التقييم، يبدأ البيان الحقيقي. هناك، خارج أسوار الاختبار، يبدأ الامتحان الأصدق: أن نحيا ببيانٍ يشبهنا، وأن نصوغ رؤانا كما نصوغ مشاريعنا، بوعيٍ ومسؤولية وشغف.

 

وفي النهاية، نكتشف أن العالم لا يتغير فقط بالقرارات الكبرى، بل بالجمل الصادقة التي تسبقها. وأن كل أثر باقٍ كان في بدايته حرفًا آمن صاحبه بقوته. تلك هي غواية الحرف حين تتعلّم الروح أن تكتب؛ أن تتحول الكتابة من تمرين مدرسي إلى قدرٍ شخصي، ومن مهارة هامشية إلى قوة تصنع المعنى، وتبني الذات، وتفتح للإنسان فضاءً أوسع من كل قاعة اختبار، وأرحب من كل قيدٍ قديم.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

فخ "الجوكر"

 

فخ "الجوكر"

"لماذا قد يقتلك تميزك في بيئة العمل؟"

 


 


في حياة الإنسان لحظات تبدو بسيطة، لكنها تحمل في أعماقها سؤالًا يطرق جدار الروح: ما الذي يليق بي؟ ومتى يكون سحب اليد ضرورة أخلاقية تفوق فضيلة مدّها؟ فالعطاء ليس نهرًا مفتوحًا، والقبول ليس دائمًا فضيلة، كما أن الرفض ليس جفاءً، بل قد يكون أرقى أشكال الحكمة وأصدق تعبير عن احترام الذات.

 

تلمعُ في ذاكرتنا عبارات مثل "خادم القوم سيدهم"، كحِكمة مكتملة، لكنها حين تُختبر في تفاصيل الحياة اليومية تفقد شيئًا من يقينها. تتحول من مبدأ أخلاقي جامد إلى سؤال وجودي مفتوح: هل كل خدمة تُفضي إلى سيادة؟ أم أن بعض العطاء لا يُنتج إلا الاستنزاف، وسوء الفهم، وتشويه الأدوار؟

 

ليست الإشكالية في العطاء ذاته، بل في غياب الوعي الذي يضبطه ويحدد إطاره. فالعطاء، حين يُمارَس بلا إدراك لموقعه وحدوده، يتحول من فعل نبيل إلى عبء صامت، ومن قيمة إنسانية إلى التباس أخلاقي خطير. هناك خدمة تولد من المحبة وأخرى من الوعي، وثالثة تولد من غشاوة تجعل الإنسان يخلط بين الكرم وبين التعدي على مساحة قدسه الداخلي. ليس كل عطاء نورًا يرفع صاحبه، فبعضه يهبط بالإنسان لأنه يخرجه من موقعه الطبيعي، ويضعه في دور لا يشبهه.

 

الانزياح من الموقع: عندما تختلط الأدوار

 

في العلاقات الإنسانية والمهنية، لكل إنسان موضع يقف فيه، ومفاصل واضحة تتحرك داخلها علاقاته، ودور يمنحه شرعية الفعل. حين يُطلب منك تجاوز هذه المفاصل، لا بد أن تتوقف. لا اعتراضًا مجردًا، بل وعيًا. تسأل نفسك: هل ما يُطلب امتداد طبيعي لموقعي؟ أم قفز في مساحة لا تخصني، وستُحسب عليّ لا لي؟

 

المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس لا يقيّمونك على نيتك الطيبة، بل على نتيجتك الملموسة. ولا يرون حدودك الشخصية، بل يتعاملون معك كأداة صالحة لكل استعمال. وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية: حين تُلبّي طلبًا خارج نطاق دورك، فإنك لا تُقاس فيه بمعايير ذلك الدور الجديد فقط، بل تُعاد قراءة كل أدوارك السابقة من خلاله. خطأ صغير في مهمة ليست من صميم اختصاصك قد يُسقط، وبظلم، قيمة الدور الذي هو جوهر كيانك الحقيقي.

 

في بيئات العمل، يبدأ الأمر بطلب صغير "مؤقت"، ثم يتسع حتى يصبح الإنسان مطالبًا بأن يكون أكثر مما هو عليه، وأن يؤدي أدوارًا لا تمتّ بصلة إلى موقعه الأصلي. وما إن يقبل، حتى يجد نفسه محاصرًا بتقييم لا علاقة له بمهارته وجدارته الأساسية، بل بمدى نجاحه في لعب دور لم يُخلق له. فتضيع هويته بين المهام المتراكمة، ويختل الميزان: بدل أن يُقدَّر على ما يجيده، يُحاسَب على ما لا يجيده.

 

وهم "الجوكر": تعدد الأدوار بين التكريم والاستهلاك

 

نحن نعيش في زمن يُكافئ – ظاهريًا – ما يمكن تسميته بـ "شخصية الجوكر" أو صاحب الأدوار المتعددة؛ ذاك الشخص القادر على لعب أكثر من دور، والتدخل في أكثر من مساحة، والذي يُستدعى كلما ظهر فراغ أو استعصى حل. وهو ليس بالضرورة شخصًا عديم الكفاءة، بل غالبًا ما يكون متعدد القدرات، مرنًا، ومبادرًا.

 

غير أن هذا التكريم سريع الزوال، سرعان ما ينقلب إلى استهلاك صامت. فـ "الجوكر" لا يُنظر إليه بوصفه صاحب موقع محدد وقيمة مستقرة، بل بوصفه "حلًا جاهزًا". وحين يفشل الحل – وهو حتمًا سيفشل في بعض الأحيان لأنه يعمل خارج اختصاصه – يُنسى الجهد كله، وتبقى النتيجة السلبية وحدها شاهدة. الأكثر خطورة أن المؤسسات، في أوقات الأزمات، تستغني أولًا عن صاحب الأدوار المتعددة؛ لأنه بلا هوية ثابتة في أذهانهم، ولأن تعدد مهامه يجعله يبدو قابلًا للاستبدال بسهولة. إنه يشبه الماء: يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، لكنه لا يحتفظ بملامح ثابتة في ذاكرة من حوله.

 

الدرس العميق هنا: الناس لا يتذكرون كم أعطيت، بل يتذكرون أين أخطأت. ولا يسألون: "هل كان هذا من اختصاصه؟" بل يكتفون بالقول: "كان موجودًا، وكان عليه أن ينجح."

 

الحصانة الداخلية: ميزان القيمة بين القبول والرفض

 

من هذا المنطلق تنشأ الحاجة الملحة إلى حصانة داخلية. ليست هذه الحصانة جدارًا منيعًا من الرفض الجاف، بل وعيًا رفيعًا يجعل الإنسان يقف أمام كل طلب ويسأل نفسه، بميزان دقيق:

- هل يضيف هذا العمل قيمة حقيقية إلى مساري وهويتي؟

- هل يحفظ حدود دوري الأساسي، أم يخلق التباسًا يطمس صورتي؟

- هل أنسجم معه، أم سأكون مجرد أداة تؤدي وظيفة غريبة عنها؟

 

إن لم تكن الإجابات مؤكدة، فالاعتذار الواعي أولى. لأن قبول ما لا يشبهك هو باب مفتوح على مصراعيه للتقييم غير المنصف، ولتحمُّل تبعات نتائج ليست من صميم مسؤوليتك.

 

العطاء الحقيقي، إذن، لا يعني الذوبان ولا التنازل عن الهوية، ولا القبول الأعمى بكل ما يُلقى في طريقك باسم الطيبة. بل هو فعل واعٍ ومحسوب، يعرف متى يقول "نعم" بكل كرم، ومتى تكون كلمة "لا" هي أصدق أشكال الاحترام للذات وللعلاقة وللعمل نفسه. الرفض، في هذا السياق، ليس قسوة، بل حكمة مؤجلة: حماية للعلاقة من سوء التأويل، وحماية للذات من ظلم التقييم، وحماية للبيئة من الفوضى التي تنشأ حين تختلط الأدوار بلا ضابط.

 

السيادة تأتي من وعي الحدود، وليس من كثرتها

 

في النهاية، ليست القضية في عدد الأدوار التي تستطيع أن تلعبها، بل في الدور الذي يليق بك، ويحفظ مكانتك، ويضيف إلى حياتك معنى. الأم تُعطي بلا حساب لأنها تمارس دورًا وجوديًا محضًا، والمدير العام يخدم مؤسسته من موقع سلطة ومسؤولية واضحة. هذه النماذج السامية لا تُستنسخ في كل علاقة.

 

السيادة الحقيقية لا تأتي من كثرة الخدمة، بل من وعيها. من إدراك اللحظة التي تكون فيها اليد الممدودة فضيلة، وتلك التي يصبح فيها سحبها ضرورة للبقاء. من القدرة على حماية الذات دون أن نفقد إنسانيتنا، وعلى الاعتذار دون أن نشعر بذنب مزيف.

 

حين نُحسن اختيار أدوارنا، ونرفض بلباقة ما لا يشبهنا، نكون قد صُنّا المعنى أولًا. ومن صان المعنى بداخله، كان أقدر على العطاء الحقيقي، دون أن يُستنزف أو يُساء فهمه. فالحكمة ليست في أن تفعل الكثير، بل في أن تفعل ما يجب، بالقدر الذي يحفظ روحك من التشتت، ويحفظ صورتك من التشويه، ويحفظ عطاءك من أن يتحول إلى مجرد استهلاك.

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الاثنين، 9 فبراير 2026

حين تتحوّل الحفاوة إلى محكمة صامتة

 

حين تتحوّل الحفاوة إلى محكمة صامتة

 

"عن الضيافة التي تضيء الوجوه ثم تُحرق الأرواح"

 




في الأطراف الهادئة للمدن الكبرى، حيث يبدو القرب من العاصمة وعدًا غير مكتمل، تتشكّل البيوت على إيقاع واحد: أبواب تُفتح بسخاء، موائد تُمدّ بحسن نية، ووجوه تُقابل الضيف بابتسامة دافئة. كل شيء يوحي بأن الضيافة هنا طقسٌ قديم، محفوظ بعناية، يُؤدّى بإتقان. غير أن الطقوس، حين تُفرغ من معناها، قد تتحوّل إلى أقنعة، وحين تُبالغ في أدائها قد تنقلب على أصحابها وضيوفها معًا.

 

يأتي الضيف محمّلًا بتوقّعات بسيطة: أن يُرى كما هو، وأن يُترك له هامش آمن للوجود. يبدأ المساء خفيفًا؛ كلمات مجاملة، ضحكات مقتضبة، أسئلة عامة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تُعلن النية الحسنة. ثم ينفضّ الجمع، ويبقى شخص واحد، كأن المساء اختاره دون غيره. هنا، في المساحة التي تُغلق فيها الأبواب ويهدأ الصوت العام، يبدأ الضوء في التضييق. ليس ضوء المصباح، بل ضوء الانتباه المُفرط؛ ذلك الذي لا يكتفي بأن يُنير، بل يحدّق، يفتّش، ويطلب تفسيرًا لكل حركة وصمت.

 

تتحوّل المداعبة إلى مساءلة، والنكتة إلى معيار، والسؤال البريء إلى قيد. "لماذا تفعل؟ ولماذا لا تفعل؟" أسئلة تُلقى بخفة اللسان وثقل النية، تُقدَّم بوصفها اهتمامًا، لكنها تُمارَس كسلطة. في هذه اللحظة، يشعر الضيف أنه لم يعد ضيفًا، بل موضوعًا؛ كائنًا موضوعًا تحت مجهر القرب، حيث تُقرأ التفاصيل الصغيرة بوصفها اعترافات، ويُعاد تأويل الاختلاف بوصفه خللًا.

 

الفلسفة هنا لا تحتاج كتبًا؛ إنها تُولد من التجربة. حين يتحوّل القرب الاجتماعي إلى امتلاك، وحين يُختزل الودّ في حقّ السؤال، يُصاب المعنى في مقتل. فالضيافة، في جوهرها، اعتراف بحق الآخر في أن يكون مختلفًا دون أن يبرّر اختلافه. أما حين تُستدعى الأسئلة لتقويم الحياة الخاصة، فهي لا تفعل أكثر من أن تُربك الصورة الأخلاقية التي نظنّها مكتملة، وتفتح شقوقًا صغيرة في خطاب الطمأنينة، تكشف عن قلقٍ جماعي: خوف من الغريب، حتى لو كان قريبًا؛ وخوف من المرآة التي قد تعكس هشاشتنا.

 

نفسيًا، يتكسّر الضيف على نحوٍ لا يُرى. لا يصرخ، لا يحتج، بل يبتسم ويصمت. الصمت هنا ليس رضا، بل آلية دفاع. إنه يحاول أن يحفظ كرامته من التشقق، وأن يخرج بأقل الخسائر. يغادر المكان وهو يحمل مفارقة مؤلمة: دُعي بكرم، وغادر مثقَلًا. لم يُنتقص من الضيافة، بل من الطمأنينة التي تُكمل معناها.

 

ما يحدث ليس حادثة فردية، بل نمط يتغذّى على فكرة "نحن نعرف مصلحتك أكثر منك". إنها فلسفة الوصاية المتخفّية في ثوب المحبة، حيث يُقاس الصواب بقربه من النموذج السائد، ويُحاسَب المختلف لأنه تجرأ على أن يعيش بطريقته. في هذا السياق، يتحوّل البيت من ملاذ إلى مسرح، ويتحوّل الإخوة من مستضيفين إلى قضاة غير معلنين، وتتحوّل النوايا الحسنة إلى نتائج تُثقِل العلاقة دون قصد.

 

الرسالة التي يتركها هذا المساء لا تُكتب على ورق، بل تُنقش في الذاكرة: ليس كل دفءٍ رحمة، وليس كل سؤال اهتمامًا. الاحترام ليس أن نعرف عن الآخر أكثر، بل أن نترك له حقّ الغموض. والضيافة ليست امتحانًا للأفكار، بل مساحة للأمان. حين نفشل في ذلك، نخسر ضيوفنا بصمت، ونظنّ – خطأً - أننا أحسنّا إليهم.

 

ربما آن الأوان لإعادة تعريف الحفاوة: أن نضيء الطريق دون أن نُعمِي العيون، وأن نفتح الأبواب دون أن نغلق المسافات. فبين النية والفعل مسافة أخلاقية، لا يجسرها إلا وعيٌ يعترف بأن الإنسان ليس مشروع تصحيح، بل كائن يستحق أن يُستقبل كما هو، وأن يُودَّع وهو أكثر خفة مما جاء.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

 


 

السبت، 7 فبراير 2026

وهم التفوّق: كيف تتحوّل الهوية إلى صنم؟

 

وهم التفوّق: كيف تتحوّل الهوية إلى صنم؟

 

"من الهوية إلى الصنم: سقوط فكرة الأفضلية المطلقة"

 




تتشكّل في أعماق الوجدان الجماعي، عبر زمن طويل من التراكم والارتجاجات، صورٌ خفيةٌ تحاول أن تمنحَ الذاتِ معنى يتجاوز مجرّد الوجود. كأن كل جماعة تبحث عن مرآةٍ تُظهرها أطول قامةً، أصفى جوهرًا، وأقرب إلى مركز الكون. لكنّ هذا السعي المحموم نحو منصّة "الأفضلية" لا ينبع من اعتزاز بريء، بل من رغبةٍ قديمةٍ في الاحتماء بوهمٍ يرفعُها فوق هشاشتها.

 

تتحوّل الهوية إلى صنمٍ حين تكفّ عن كونها مساحة لقاء، وتغدو جدارًا من المرايا لا يعكس إلا وجهًا واحدًا، وجهًا متخيّلًا أكثر منه حقيقيًّا. هناك، في تلك الزاوية المعتمة، تنمو "الأنا الجماعية" كظلٍّ متضخم، تُغذّيه خطاباتُ اليومي والسياسة، ويُلبس ثوبَ "الاستثناء" الذي يحوّل كل نقدٍ إلى خيانة، وكل اختلافٍ إلى نشاز.

 

ليس التمجيد الجماعي للذات سوى قناعٍ يخفّي قلقًا وجوديًّا عميقًا. لكنّه قناعٌ يكلّف الكثير: فهو يبني حول الجماعة جدارًا من العزلة، ويحوّل لغتَها إلى صدى لا يسمعه إلا مَن يردّد اللحنَ ذاته. ومع الوقت، يصبح الخطأ فضيلةً وطنيّة، ويغدو السؤال جريمةً ضد "القداسة" التي تُخلع على الرموز والمؤسسات والذاكرة الجمعيّة.

 

يتسرّب هذا الوهم إلى مسام الحياة اليوميّة، إلى أحاديث المقاهي، وإلى منابر النخبة، وإلى لغة اليقين التي تربط قيمة الفرد بقيمة الجماعة التي يراها فوق النقد. وهكذا، يتحوّل الانتماء من دفءٍ إنسانيّ إلى سجنٍ ناعم، يختنق فيه الهواء كلّما ارتفع صوتُ الحقيقة.

 

لا يولد الوعي الحقيقي في الضوء وحده، بل في القدرة على النظر إلى الظلال أيضًا. في الجرأة على نزع القداسة عن كلّ ما يُراد له أن يكون فوق المساءلة. فالقداسة في الشأن العام ليست إلا الوجه الآخر للجمود، والجمود هو موتٌ بطيء للمعرفة.

 

لا يكون الخروج من نفق التعصّب إلا باستعادة المعنى الكوني للإنسان، الإنسان الذي لا يحتاج إلى صكوك غفران جماعية ليشعر بقيمته. الثقافة ليست جدارًا يُغلق، بل نافذة تُفتح. وليست تصفيقًا لنموذج واحد، بل احتفاءً بالتعدّد الذي يجعل العالم أكثر اتساعًا.

 

نحن بحاجة إلى "تواضعٍ حضاريّ" يدرك أن كل أمة ليست إلا قطعة في فسيفساء كبرى، وأن العظمة لا تُنال بالادعاء، بل بالقدرة على العطاء، وعلى الإصغاء، وعلى التفاعل النديّ مع الآخر. فحين يتحوّل الوطن إلى صنم، يتحوّل الإنسان إلى تابع، وتُختزل الحداثة إلى شعارات بلا روح.

 

يبدأ طردُ روح التعصّب بفتح النوافذ لرياح التعدّدية، وبالتوقّف عن ترديد أسطورة "الشعب الذي لا يخطئ". فالحقيقة ليست ملكًا لأحد، بل هي ضوءٌ يتوزّع بين الدروب، ولا يكتمل إلا حين تتقاطع النظرات.

 

يخبرنا تاريخُ الشعوب التي سقطت في فخّ التفوّق أن نهاية هذا الطريق واحدة: عزلةٌ فكريّة، وانهيارٌ أخلاقي، وانطفاءٌ بطيء للروح. الوعي هو أن ندرك أننا بشر، نخطئ ونصيب، وأنّ قيمتنا تكمن في قدرتنا على التغيّر، لا في الثبات على وهم الامتياز الفطري.

 

هذه دعوةٌ لكسر أصنام الهوية المتورّمة، واستبدال خطاب "نحن الأفضل" بخطابٍ أكثر إنسانية: "نحن نشارك، نتعلم، ونضيف إلى العالم جزءًا من نورنا، لا أكثر ولا أقل."

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الجمعة، 6 فبراير 2026

ضرائب الوجود الأنثوي

 

ضرائب الوجود الأنثوي

 

"امرأة تدفع ثمن الضوء"

 




في مجتمعاتٍ تتقن تجميل القسوة، وتغليف الظلم بورق المظاهر، تتحول المعاناة الإنسانية من نداءٍ للتعاطف إلى تهمةٍ تستوجب الدفاع. فالمرأة، في لحظات انكسارها، لا تجد غالبًا اليد التي تمتد لانتشالها، بل الأصابع التي تُشير نحوها محمّلة باللوم.

لا يُسأل عنها، بل يُسأل: لماذا تعاني؟ ولماذا تختلف؟ ولماذا تجرؤ أن تكون ذاتها؟

وهكذا تتحول حياتها إلى سلسلة من الضرائب غير المرئية التي تُفرض عليها فقط لأنها صادقة، وحيّة، ومختلفة.

فالمجتمع لا يعاقب المرأة لأنها مخطئة، بل لأنها مختلفة.

 

الضريبة الأولى هي تحميلها وزر معاناتها.

فحين تتحدث عن ألمها، تُواجَه بالتوبيخ بدل الاحتواء، وكأن في صمتها فضيلة، وفي بوحها خطيئة. يُطلب منها أن "تتجلّد"، أن تبتلع دموعها كي لا تُربك المشهد المتوازن المزيّف، وكي لا تخلّ بصورة المرأة التي يحبها الناس: امرأة صامتة، تبتسم رغم الانكسار.

وهكذا تدفع ضريبة وجودها كامرأةٍ تشعر، وتتألم، وتتكلم؛ تُعاقَب على إنسانيتها، وتُطالَب بأن تخفيها كي لا تُتَّهَم بالمبالغة أو الضعف.

لا شيء يرهق الروح مثل أن تُحاسَب على صدقك.

 

لكن الضريبة لا تتوقف هنا…

فحين تختار المرأة أن تُحب بطريقتها الخاصة، أو تعبّر عن مشاعرها خارج الإطار الجاهز، تتحول حريتها العاطفية إلى تهمة، وحبّها المختلف إلى وهمٍ يُراد علاجه.

كل علاقةٍ لا تُناسب المقاييس المفروضة تُصنّف خيالًا، وكل شعورٍ لا يوافق توقعات الآخرين يُعاد تأطيره كخللٍ أو انحراف.

بهذا المنطق، يُسلب من المرأة حقّها في تفسير عالمها الداخلي، ويُنتزع منها حقّها في تسمية مشاعرها.

ويُختصر عمق تجربتها الإنسانية في جملةٍ قاسية: "إنها تبالغ".

 

وما هو أقسى من ذلك…

ضريبة الهوية.

حيث تتحول جنسيتها، أو لهجتها، أو خلفيتها الثقافية، من ملامح شخصية بريئة إلى ذريعة جاهزة للاتهام.

بدل أن تُقاس بأفعالها واختياراتها، تُحاكم على انتماءات لم تخترها.

يُطلب منها أن تُثبت أنها "استثناء"، أن تتبرأ من أصلها كي تُقبل، أن تُخفي لغتها كي لا تُسخر منها.

وهكذا تصبح الهوية، التي كان يفترض أن تكون جذرًا للفخر، عبئًا تُدان به المرأة أينما ذهبت.

 

في جوهر الأمر، لا تعبّر هذه الآليات عن الحقيقة، بل عن خوف المجتمع من المرأة التي ترى، وتفكر، وتقول لا.

إنها أدوات للهيمنة، تُعيد تشكيل الوعي الجمعي ليُقصي كل صوتٍ مختلف، وكل تجربةٍ لا يمكن احتواؤها ضمن القوالب المريحة.

المجتمع الذي يُحاسب المرأة على ألمها، وعلى حبها، وعلى هويتها، هو مجتمع لم يتعلم بعد كيف يرى الإنسان قبل الشكل، والجوهر قبل الدور.

 

في النهاية، لا تُقاس إنسانية المجتمع بما يمنحه من مجدٍ للأقوياء، بل بما يتركه من مساحة آمنة للضعفاء كي يكونوا صادقين.

فحين تتوقف المرأة عن دفع ضرائب وجودها، يبدأ العالم في التعافي من ظلمه القديم.

 

 

جهاد غريب 

فبراير 2026

 

سكينة لا تستسلم

  سكينة لا تستسلم   "قوة لا تصرخ ولا تنكسر"     في زمن يقدس الضجيج ويعبد الصخب، تظهر السكينة كفضيلة منسية، كجوهرة في قاع...