ما
يمرّ مرة واحدة… ويعيد كتابة كل شيء
"اللحظة
التي لا تبدو مصيرية… إلا بعد أن تعبر"
لم تكن لافتة.
لم تحمل علامة تُشير إليها،
ولا توقفت لتعلن: “هذه فرصتك”.
مرّت… كما تمرّ أشياء كثيرة.
في هيئة عادية،
ضمن سياق مألوف،
تكاد تُشبه أي تفصيل آخر
في يوم لا يلفت الانتباه.
وهذا تحديدًا ما يجعلها خطِرة.
فالفرص، في جوهرها،
لا تأتي دائمًا متوهجة،
ولا تُقدّم نفسها كتحوّل واضح.
هي غالبًا تختبئ داخل ما يبدو عابرًا،
داخل لقاء غير متوقع،
أو فكرة طارئة،
أو احتمال صغير
لا يبدو أنه يستحق الالتفات.
ولهذا، لا يختلف الناس في وجودها،
بل في رؤيتها.
هناك من تمرّ به… ولا يلاحظ.
لا لأنه عاجز،
بل لأنه لم يتوقف عندها بما يكفي.
تعبره كما تعبر الريح،
تلامسه دون أن تترك أثرًا،
ثم تتابع طريقها…
كأنها لم تكن.
وهناك من يشعر بها،
لا بوضوح كامل،
بل كاهتزاز خفيف في الإدراك.
شيء ما يقول:
“هنا… قد يكون هناك شيء”.
هذا الفرق—الدقيق جدًا—
هو ما يفصل بين مسارين.
لكن الشعور وحده لا يكفي.
فاللحظة التي تحمل الإمكانية
تحمل معها أيضًا توترًا حادًا.
توترًا بين ما هو آمن…
وما قد يكون.
هنا يظهر التردد،
ليس كضعف،
بل كحساب زائد.
العقل يريد ضمانًا،
يريد وضوحًا،
يريد أن يكتمل المشهد
قبل أن يتحرك.
لكن اللحظة لا تنتظر.
هي لا تتجمد حتى نفهمها،
ولا تعيد نفسها إذا تأخرنا.
تمرّ… بطبيعتها العابرة،
وتترك القرار معلقًا
في مساحة ضيقة جدًا من الزمن.
في هذه المساحة،
لا يكون السؤال:
“هل هذا صحيح تمامًا”
بل:
“هل أنا مستعد أن أتحرك
رغم أنني لا أملك كل الإجابات”
وهنا، يحدث الحسم.
ليس كقرار كبير يُعلن،
بل كميل خفيف نحو الفعل.
كأن شيئًا في الداخل يختار،
قبل أن ينتهي النقاش.
فالقرار الذي يُتخذ
قبل اكتمال اليقين،
ليس قرارًا متهورًا،
بل اعتراف ضمني
أن اليقين الكامل…
لن يأتي في الوقت المناسب.
ومن يتأخر بانتظاره،
يجد أن اللحظة قد سبقت.
حين تُلتقط الفرصة،
لا يحدث انفجار فوري.
لا تتغير الحياة في نفس اللحظة.
لكن شيئًا غير مرئي
يبدأ بالتحرك.
خط جديد يتشكل،
مسار ينحرف قليلًا عن سابقه،
وتبدأ سلسلة من النتائج
التي لم تكن لتحدث
لو لم تُلتقط تلك اللحظة.
وهنا، يتغير تعريف الدور.
لم يعد الإنسان مجرد متلقٍ،
ينتظر ما يأتيه من الخارج،
بل أصبح طرفًا فاعلًا،
يختار نقطة الانعطاف.
وهذا الاختيار—رغم بساطته الظاهرة—
يعيد ترتيب المصير.
فالمصير، في حقيقته،
ليس خطًا مستقيمًا
يسير من نقطة إلى أخرى،
بل مجموعة من الانعطافات الدقيقة،
كل واحدة منها قادرة
أن تغيّر الاتجاه بالكامل.
لحظة واحدة،
قرار واحد،
التفاتة واحدة نحو ما كان يمكن أن يُهمل…
كفيلة بأن تعيد كتابة ما بعدها،
وأحيانًا… ما قبلها أيضًا.
ليس لأن الماضي يتغير،
بل لأن معناه يتبدل
حين يتغير المسار.
في النهاية،
لا نتذكر كل الفرص التي مرّت بنا،
ولا نستطيع أن نحصي ما ضاع منها.
لكننا نتذكر—بوضوح شديد—
تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن لثانية،
وسُمح لنا أن نختار.
اللحظة التي لم تكن تبدو مختلفة،
لكننا تعاملنا معها كأنها كذلك.
ومن هناك…
بدأ كل شيء
يأخذ شكلًا آخر.
جهاد
غريب
أبريل
2026


