السبت، 18 أبريل 2026

حين لا يكون هناك أحد: وهم صنعناه… ثم خفنا منه!

 

حين لا يكون هناك أحد

 

"وهم صنعناه… ثم خفنا منه"

 


 


لم يخبرني أحد أن هناك عينًا تراقبني. 

أنا من اخترعها.

 

في البداية كانت صغيرة؛ 

إحساسًا عابرًا بأن هناك من قد يلاحظ، 

من قد يعلّق، 

من قد يفسّر ما أفعل بطريقته.

 

لم يكن الأمر واضحًا، 

لكنه كان كافيًا لأعدّل حركة، 

أؤجل كلمة، 

أختار نسخة “أكثر قبولًا” مما أردت قوله.

 

ثم كبرت.

 

لم تعد احتمالًا، 

بل حضورًا دائمًا. 

عين بلا وجه، بلا اسم، بلا ملامح… 

لكنها موجودة في كل زاوية. 

في صمتي، في كلامي، في اختياراتي الصغيرة قبل الكبيرة. 

عين لا تنام، 

لأنني أنا من يبقيها مستيقظة.

 

شيئًا فشيئًا، 

لم أعد أفعل الأشياء لأنني أريدها، 

بل لأنني أستطيع تبريرها أمام تلك العين. 

أصبحت حياتي عرضًا متواصلًا، 

حتى في اللحظات التي لا يوجد فيها أحد.

 

والغريب أنني لم أتأكد يومًا من وجودها. 

لم ألتفت لأرى من يراقب فعلًا. 

كنت أكتفي بالشعور… 

وكأن الشعور دليل.

 

هكذا يُبنى الخوف: 

ليس من حدث، بل من تخمين. 

ليس من حكم قيل، بل من حكم نتوقع أنه قد يُقال.

 

نحن لا نخاف من الناس، 

بل من النسخ التي اخترعناها لهم داخل رؤوسنا. 

نسخ أكثر قسوة، 

أكثر حضورًا، 

أكثر انشغالًا بنا مما هم عليه في الحقيقة.

 

وفي خضم هذا الوهم، 

يحدث انقسام هادئ: 

جزء يريد أن يكون صادقًا، 

وجزء آخر يذكّره: “ماذا سيقولون؟”

 

هذا السؤال لا يحتاج إلى إجابة. 

يكفي أن يُطرح… 

حتى يبدأ التراجع.

 

نتنازل قليلًا، ثم أكثر. 

نؤجل ما نريده، 

نخفّف حدّته، 

نعيد صياغته، 

حتى يصبح مقبولًا… 

لكنه لم يعد لنا بالكامل.

 

ومع كل مرة نفعل ذلك، 

تكبر تلك العين. 

لا لأنها تزداد قوة، 

بل لأننا نغذّيها بانتباهنا.

 

إلى أن تأتي لحظة غير متوقعة.

 

ليست شجاعة، 

ولا قرارًا بطوليًا، 

بل تعبًا**.

 

تعب من الحساب المستمر، 

من المراجعة قبل كل خطوة، 

من العيش داخل رأس لا يتوقف عن توقع ردود الفعل. 

لحظة يتأخر فيها الخوف نصف ثانية… 

وهذه النصف ثانية تكفي.

 

تكفي لنفعل شيئًا 

دون أن نعرضه على تلك العين أولًا. 

تكفي لنكتشف—بدهشة—أن شيئًا لم يحدث.

 

لا تعليق. 

لا حكم. 

لا انهيار في العالم كما توقعنا.

 

تمر اللحظة… 

وكأنها لم تُر.

 

وهنا يتسرّب الشك: 

ماذا لو لم يكن هناك جمهور أصلًا؟

 

ليس لأن الناس غير موجودين، 

بل لأنهم ليسوا منشغلين بنا كما نتخيل. 

كل واحد يحمل عينه الخاصة، 

يراقب نفسه، 

ويخاف من نسخته الخاصة من “الآخرين”.

 

ندرك أننا كنا جزءًا من مسرح وهمي، 

نؤدي دورًا أمام جمهور 

يؤدي الدور نفسه في مسرح آخر.

 

هذا الاكتشاف لا يحررنا فورًا، 

لكنه يغيّر قواعد اللعبة.

 

نبدأ بتجربة أشياء صغيرة خارج العرض: 

كلمة لا نحسب أثرها، 

اختيار لا نشرحه، 

تصرف لا نبرره.

 

في البداية نشعر بانكشاف غريب، 

وكأننا خالفنا قانونًا غير مكتوب. 

لكن شيئًا لا يحدث.

 

ومع كل مرة لا يحدث فيها شيء، 

تخفت تلك العين قليلًا. 

لا تختفي، 

لكنها تفقد حدّتها، 

تصبح أقل حضورًا، 

أقل إلحاحًا، 

أقل قدرة على تعطيلنا.

 

إلى أن نصل إلى تحول لا يُرى من الخارج:

 

أن نفعل الشيء لأنه الشيء الذي نريد فعله. 

لا لأنه سيُفهم، 

ولا لأنه سيُعجب، 

ولا لأنه سيمرّ دون نقد.

 

أن يتحول الفعل من **عرض… إلى تعبير.

 

في هذه النقطة، 

لا نكون قد انتصرنا على العالم، 

بل انسحبنا من وهم كنا نظنه العالم.

 

لم يعد السؤال: “كيف أبدو؟” 

بل: “هل هذا صادق؟”

 

وللمرة الأولى، 

لا ننتظر تصفيقًا، 

ولا نخاف من صمت.

 

لأننا ببساطة… 

لم نعد نقف على مسرح.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

ما لا يُرى… يثقل أكثر

 

ما لا يُرى… يثقل أكثر

 

"الماضي… حين يتحول إلى وضعية نعيشها دون أن ننتبه"

 



 

لا أحد يرى ما نحمله. 

ربما لأنه لم يعد شيئًا نحمله… 

بل شيئًا نتحرك من خلاله.

 

نحن لا نسير في الحاضر كما نظن، 

بل نعيد تمثيل وضعيات قديمة 

نتقنها حدّ أننا لم نعد نشك فيها. 

 

انحناءة خفيفة في الداخل، 

تردد لا يُفسَّر، 

حذر يتقدّم خطوة قبل كل قرار… 

ليست هذه صفاتنا، 

بل آثار ما مرّ بنا، 

وقد استقر فينا حتى صار يبدو كأنه نحن.

 

الماضي لا يعود إلينا في صور واضحة دائمًا. 

لا يطرق الباب بذكريات كاملة، 

ولا يعلن عن نفسه كضيف ثقيل. 

هو يتسرّب بصمت، 

يختبئ في ردود الفعل، 

في الإجابة التي تخرج قبل أن نفكّر، 

في انسحاب لا نجد له سببًا مقنعًا، 

وفي خوفٍ يبدو أكبر من الموقف بكثير.

 

شيئًا فشيئًا، 

يتحوّل ما حدث 

إلى ما يُملي كيف يجب أن نكون. 

لا كقصة تُروى، 

بل كقانون غير مكتوب.

 

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: 

حين لا نعود نميّز بين ما اخترناه، 

وما ورثناه من لحظات 

لم نخترها أصلًا.

 

نظن أننا نتصرف بحكمة، 

بينما نحن في الحقيقة 

نكرر حذرًا قديمًا. 

نعتقد أننا نرى الأمور بوضوح، 

بينما ننظر من خلال طبقة خفية 

تشوّه التفاصيل دون أن نلاحظ. 

نقول: “هكذا أنا”، 

دون أن نسأل: 

منذ متى؟

 

ليس الماضي ما يؤلم، 

بل السلطة التي منحناها له 

دون أن نشعر. 

سلطة أن يحدّد سقف جرأتنا، 

ونبرة أصواتنا، 

والمسافة التي نسمح لأنفسنا 

أن نقترب بها من الحياة.

 

لكن كل هذا يبقى مستقرًا… 

حتى لحظة نادرة، دقيقة، شبه غير مرئية.

 

لحظة الشك.

 

ليست شكًا في العالم، 

بل في تلك البديهيات 

التي عشنا بها طويلًا. 

حين نتوقف فجأة، 

لا لأننا تعبنا، 

بل لأن شيئًا ما داخلنا 

لم يعد مقتنعًا بالكامل. 

حين نلاحظ—لأول مرة— 

أن ردّ فعلنا أسرع من وعينا، 

وأن خوفنا أقدم من اللحظة التي نحن فيها.

 

هناك فقط، 

يتسرّب سؤال صغير:

 

ماذا لو لم يكن هذا الصوت صوتي؟

 

ليس سهلًا أن يُطرح هذا السؤال. 

لأنه لا يهزّ فكرة واحدة، 

بل يهدد البناء كله. 

أن تشكّ في خوفك 

يعني أن تشكّ في تاريخ كامل 

من التفسيرات التي أقنعتك 

بأن هذا الخوف مبرّر. 

أن تتساءل عن حذرك 

يعني أن تعيد النظر 

في كل مرة ظننت أنك كنت فيها “على حق”.

 

لكن هذا السؤال—رغم قسوته— 

هو أول انحناءة معاكسة.

 

من هنا، 

لا يبدأ النسيان… 

بل يبدأ التفكيك.

 

نكتشف أن ما نحمله 

ليس كتلة واحدة، 

بل طبقات. 

أن بعض ما نخشاه 

لم يعد موجودًا، 

وأن بعض ما نتجنبه 

لم يعد يشبهنا. 

أننا لا نحتاج إلى محو الماضي، 

بل إلى سحب صلاحياته.

 

فالماضي، في جوهره، 

لا يملك سلطة ذاتية. 

نحن من نمدّه بها 

كلما تصرّفنا 

وكأنه ما زال يحدث الآن.

 

التحرر، إذًا، 

ليس أن نقول: “لم يعد يهم”. 

بل أن نرى بوضوح: 

“لقد انتهى… 

لكنني ما زلت أعيش كأنه لم ينتهِ”.

 

هذه الرؤية لا تُغيّر كل شيء فورًا، 

لكنها تُحدث شقًّا في الجدار. 

ومن هذا الشق، 

يدخل احتمال جديد:

 

أن نجرّب ردّ فعل مختلفًا، 

ولو كان صغيرًا، 

ولو كان مترددًا.

 

أن نتأخر قليلًا قبل أن نخاف. 

أن نسأل قبل أن ننسحب. 

أن نسمح لأنفسنا بخطوة 

لا تتوافق مع القصة القديمة.

 

وفي كل مرة نفعل ذلك، 

لا نكسر الماضي… 

بل نقلّص تأثيره.

 

إلى أن يحدث التحول 

الذي لا يُعلن عن نفسه بضجيج.

 

لا لحظة انتصار، 

ولا إعلان تحرر. 

بل شيء أبسط… وأعمق:

 

أن تقف… 

دون أن تنحني كما اعتدت. 

أن تتنفس… 

دون ذلك الثقل غير المفهوم. 

أن تتصرف… 

دون أن يسبقك تاريخك بخطوة.

 

حينها فقط، 

تدرك أن ما كنت تحمله 

لم يكن جزءًا منك، 

بل كان فوقك.

 

وأنك، للمرة الأولى، 

لا تحاول أن تصبح شخصًا آخر… 

بل تتوقف عن أن تكون 

الامتداد الصامت لما كان.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

ما يبقى… لا يُرى: الأثر الذي يُكتب… دون أن يُنسب

 

ما يبقى… لا يُرى!

 

"الأثر الذي يُكتب… دون أن يُنسب"

 


 


ليس كل من يُرى… يترك أثرًا. 

وليس كل من يُخفي نفسه… يمرّ دون أن يترك شيئًا خلفه.

 

هناك فرق دقيق، لكنه حاسم، 

بين أن ترغب في أن تُرى، 

وأن تكون—بصمت—مؤثرًا.

 

الأولى تتجه نحو السطح، 

تبحث عن عين تلتقطها، 

عن لحظة اعتراف سريعة، 

عن حضور يُقاس بمدى الانتباه الذي يحظى به.

 

أما الثانية… 

فلا تسأل إن كان هناك من يلاحظ أصلًا.

 

هي تنشغل بشيء آخر: 

أن يحدث الأثر، 

بغضّ النظر عمّن سيشهد عليه.

 

المشكلة ليست في الرغبة في التقدير، 

بل في الطريقة التي نحاول بها الوصول إليه.

 

حين تتحول الكلمات إلى بديل عن الفعل، 

نبدأ في بناء صورة دون أساس. 

نتحدث عمّا يمكن أن نكونه، 

نعلن ما ننوي فعله، 

نصف ما نؤمن به… 

لكننا نترك الأرض خالية من أي أثر حقيقي.

 

الادعاء، في جوهره، ليس كذبًا صريحًا، 

بل استعجال لنتيجة لم تُبنَ بعد. 

هو محاولة لقطف الاعتراف قبل أن ينضج الفعل.

 

لكن الأرض لا تُخدع.

 

ما يُقال عنها لا يغيّر شكلها، 

وما يُعلن فوقها لا يترك أثرًا فيها. 

هي لا تعترف إلا بما لامسها فعلًا، 

بما حُفر فيها، 

بما غيّر من تفاصيلها— 

حتى لو كان التغيير صغيرًا، صامتًا، لا يراه أحد.

 

وهنا يبدأ البناء الحقيقي.

 

ليس دفعة واحدة، 

ولا بإعلان واضح، 

بل بتراكم بطيء، 

يكاد لا يُلاحظ في بدايته.

 

فعل يتبعه فعل، 

خطوة تُضاف إلى أخرى، 

دون أن يرافقها ضجيج، 

ودون أن يُطلب لها تصفيق.

 

في هذه المرحلة، يظهر الصراع.

 

فالإنسان، بطبيعته، يريد أن يرى نتيجة. 

يريد إشارة، تأكيدًا، انعكاسًا لما يفعل. 

وحين لا يأتي هذا الانعكاس، 

يتسلل الإحباط بهدوء.

 

ليس لأنه يشك في الفعل، 

بل لأنه لا يرى أثره بعد.

 

هنا يكون الاختبار حقيقيًا.

 

هل يستمر… رغم أن لا أحد يلاحظ؟ 

هل يواصل البناء، حتى وهو لا يرى البناء يكتمل؟ 

هل يثق أن ما يزرعه سيبقى، حتى لو لم يُشاهد نموّه الآن؟

 

الكثيرون يتوقفون هنا. 

لا لأنهم غير قادرين، 

بل لأنهم اعتادوا أن يقيسوا القيمة بسرعة ظهورها.

 

لكن القيمة الحقيقية… لا تظهر بسرعة. 

هي تحتاج وقتًا لتتراكم، 

لتترسّخ، 

لتصبح جزءًا من الواقع، لا مجرد احتمال.

 

وحين يحدث التحول، 

لا يكون في الخارج أولًا، 

بل في الداخل.

 

حين يتوقف الإنسان عن السؤال: 

“هل يُعترف بي؟” 

ويبدأ بالسؤال: 

“هل ما أفعله يستحق أن يوجد؟”

 

هذا التحول يغيّر كل شيء.

 

لأنه ينقل مركز الاهتمام 

من النتيجة إلى الفعل، 

من الانعكاس إلى الجوهر، 

من الرغبة في الظهور… إلى الالتزام بالتأثير.

 

وهنا تبدأ المفارقة.

 

الاعتراف الذي كان يُطلب، 

يأتي… لكن متأخرًا.

 

يأتي بعد أن يكون الفعل قد ترسّخ، 

بعد أن يكون الأثر قد أصبح واضحًا لمن يلمسه، 

حتى لو لم يُعلن عنه.

 

يأتي لا كهدية، 

بل كنتيجة.

 

ولا يكون اعترافًا هشًا، 

بل اعترافًا مبنيًا على ما هو موجود فعلًا، 

لا على ما قيل عنه.

 

لكن الأهم من ذلك، 

أن من يصل إلى هذه المرحلة، 

لا يعود بحاجة إليه كما كان.

 

ليس لأنه لم يعد مهمًا، 

بل لأنه لم يعد الأساس.

 

الأساس أصبح شيئًا آخر:

 

أن تفعل ما تفعل… لأنه يستحق أن يُفعل. 

أن تترك أثرًا… حتى لو لم تُنسب إليك آثاره. 

أن تبني… حتى لو لم يُذكر اسمك في ما بُني.

 

وهنا تتغير العلاقة مع الوجود نفسه.

 

لم يعد الحضور مرهونًا بأن يُرى، 

ولا القيمة مرتبطة بأن تُقال. 

بل صار الأثر… هو اللغة الوحيدة التي تُعتمد.

 

وفي النهاية، 

لا يبقى السؤال: “من فعل هذا؟” 

بل: “ماذا حدث هنا؟”

 

وحين يكون الجواب واضحًا، 

لا يهم إن عُرف الفاعل أم لا.

 

لأن ما يُترك في الأرض، 

لا يحتاج أن يُرى صاحبه، 

كي يثبت أنه كان هنا.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

 

حين لا يكون هناك أحد: وهم صنعناه… ثم خفنا منه!

  حين لا يكون هناك أحد   "وهم صنعناه… ثم خفنا منه"     لم يخبرني أحد أن هناك عينًا تراقبني.   أنا من اخترعها.   في...