الأحد، 15 فبراير 2026

هندسة الروح المهنية

 

هندسة الروح المهنية

 

"سيرة ذاتية من ضوء"

 




 

الكتابة ليست فعلًا هامشيًا في حياة المهني، ولا مجرد أداة تسجيل أو وسيلة تواصل عابرة. الكتابة، في جوهرها الأعمق، هي فعل بناء، وهندسة متواصلة للذات، وصناعة واعية للصورة التي نتركها في وعي الآخرين. كما يبني المهندس بيته حجرًا فوق حجر، بحساب ورؤية ودقة، تبني أنت ذاتك المهنية كلمة بعد كلمة، بوعي وإرادة وتبصر. كل رسالة تكتبها هي لبنة في هذا البناء، وكل تقرير تنجزه غرفة جديدة فيه، وكل عرض تقدمه واجهة تعكس للعالم من تكون، لا كما تقول عن نفسك، بل كما تُرى في أثرك.

 

الهوية المهنية لا تُمنح، ولا تُولد جاهزة، ولا تُختصر في مسمى وظيفي أو بطاقة تعريف. إنها بناء تراكمي، هندسة معقدة تتطلب أن تكون في الوقت نفسه المهندس، والبنّاء، والمواد الخام. في كل مرة تكتب، أنت تختار أي جزء منك يظهر، وأي صوت يُسمع، وأي ملامح تُقدَّم. الكلمات التي تنتقيها، والتراكيب التي تصوغها، والنبرة التي تعتمدها، كلها عناصر معمارية تشكل التصور الذي يبنيه الآخرون عنك. من يكتب بوعي، يبني وعيه، ومن يكتب بإهمال، يكرّس هذا الإهمال، ومن يكتب بجمال، يترك أثرًا جميلاً قابلاً للبقاء.

 

وفي زحام المهام اليومية، حيث تتدفق الرسائل بلا توقف، وتتراكم التقارير كما تتساقط أوراق الخريف، تأتي الكتابة الواعية كفعل مقاومة، كطوق نجاة من الغرق في آلية التكرار. حين تكتب بتأنٍ، وتمنح كل كلمة وزنها، وكل جملة مقصدها، فإنك تنتشل نفسك من دوامة الأداء الآلي، وتعيد وصل العمل بالمعنى. الرسالة الواحدة، حين تُكتب بوعي، تتحول من إجراء عابر إلى حدث له أثر، ومن تواصل لحظي إلى بصمة تستقر في ذاكرة المتلقي.

 

الكتابة تحمينا من التحول إلى آلات تؤدي مهامها ثم تنطفئ. في فعل الكتابة نستعيد إنسانيتنا، ونؤكد أننا لسنا مجرد نقاط في شبكة تبادل معلومات، بل كائنات مفكرة، قادرة على التأمل والتحليل والتركيب. حين نكتب، نمنح أنفسنا فرصة للتوقف، للسؤال، لإعادة الترتيب الداخلي: ماذا أريد أن أقول؟ كيف أريد أن أؤثر؟ وما القيمة التي أضيفها بهذه الكلمات؟ هذه الأسئلة وحدها كفيلة بإخراجنا من مستنقع الآلية، وإعادتنا إلى فضاء المعنى، حيث تكون الكتابة فعلًا إنسانيًا مكتملًا.

 

البيان الجيد ليس مجرد صياغة متقنة، بل هو بصمة شخصية، توقيع لا يشبه إلا صاحبه. كما يحمل خط اليد ملامح كاتبه، يحمل البيان المهني ملامح العقل والقيم والخيارات. في بيئات العمل التنافسية، حيث تتشابه الشهادات وتتقارب الخبرات، تصبح الكتابة هي الفارق الحقيقي، ما يجعل اسمك يُتذكر، وصوتك يُستدعى، وحضورك يُختار. الجودة في التعبير ليست ترفًا لغويًا، بل استثمارًا استراتيجيًا في الذات، بناءً طويل الأمد لهوية لا تبهت مع الزمن.

 

العلاقة بين الكتابة وصقل الشخصية علاقة تبادلية عميقة، تشبه علاقة النهر بصخره؛ يحفره فيتشكل مجراه، ويتشكل به فيزداد عمقًا. كلما كتبت بانتباه، صقلت ذاتك المهنية، وكلما نضجت هذه الذات، ازدادت كتابتك كثافة وصدقًا. في هذه الدائرة الحميمة، تذوب الحدود بين الكاتب وما يكتب، ليصير البيان مرآة شفافة تعكس الروح كما هي، بلا أقنعة ولا ادعاء.

 

الكتابة الواعية تمنح أبسط الممارسات المهنية وزنًا فلسفيًا. حين تكتب رسالة إلكترونية بعناية، فأنت لا تنقل معلومة فحسب، بل تعلن فلسفتك في التواصل، واحترامك لوقت الآخر، وإيمانك بالوضوح. حين تكتب تقريرًا بإتقان، فأنت لا تنجز مهمة فقط، بل تقدم رؤيتك للعالم، وتفسيرك للواقع، ومنهجك في الفهم. وحين تصوغ عرضًا مقنعًا، فأنت لا تروج فكرة، بل تشارك في خلق معنى جديد، وفي بناء واقع لم يكن موجودًا من قبل.

 

الكتابة في العمل ليست كمالية، ولا فعلًا يأتي بعد إنجاز "المهم". هي المهمة ذاتها، لأنها الوسيلة التي نصوغ بها تجربتنا، ونحوّل بها الجهد إلى أثر، والعمل إلى معنى. ما لا يُكتب يظل ناقصًا، عابرًا، هشًا، وبلا أثر. وما يُكتب بوعي يصبح مرئيًا، قابلًا للنقاش، حيًّا وقادرًا على الاستمرار. الكتابة ليست توثيقًا للإنجاز، بل اكتماله.

 

من يكتب بإتقان، يبني ذاتًا مهنية قادرة على المنافسة، وعلى الصمود، وعلى التجدد. في عالم سريع التغير، تبقى الكتابة مساحة ثابتة من المعنى، وبوصلة في زمن التشتت، وصوتًا داخليًا يذكرك بمن تكون، حتى في أكثر لحظات العمل ضغطًا واضطرابًا. اكتب بوعي، واجعل من كتابتك بصمتك التي تبقى، ومن حرفك أثرًا لا يزول. فالذات المهنية الحقيقية لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالكلمات التي تمنح هذه الأرقام روحًا، وبالحروف التي تحول العمل اليومي إلى سردية ذات معنى… وربما إلى قصيدة لا تنتهي.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

بقايا المخاض

 

بقايا المخاض

 

"شظايا الخروج الأول"

 




هناك صمت يسبق كل بداية، صمت ليس فراغًا إنما امتلاءً مؤجلًا، يشبه تلك اليد التي تتردد طويلًا قبل أن تلامس سطح الماء، خوفًا من أن تكسر سكونه. في هذا الفضاء المعلّق بين العدم والوجود، لا تبدأ الولادة كضجة، بل كهمس داخلي، كنحت بطيء في صلابة المجهول. كنت أظن أن الولادة صرخة تشق العالم، فإذا بي أكتشف أن الولادات الأعمق تتم في الصمت، في تلك اللحظة التي ينفصل فيها كيان عن كيان، كما تنفصل قطرة ندى عن حافة ورقة، دون شاهد، دون تصفيق، ودون أثر مرئي.

 

الولادة لا تترك آثارها على الجسد وحده، بل تنقش ندوبها الأعمق في الروح. هناك بقايا خفية، تشبه بصمات الماء على الرمل بعد انحسار الموج، لا تُرى لكنها لا تزول. كل إنسان يحمل في داخله شظايا خروجه الأول، ندوبًا روحية لا تُلتقط بالعين، لكنها تحدد اتجاهات حياته كما تحدد الصدوع القديمة مسارات الأنهار. ليست كل الجراح مما يجب أن يلتئم؛ بعضها يلتئم ليصير نافذة، وبعضها يتحول إلى عين ثانية ترى بها الروح ما تعجز عنه الحواس.

 

تخيّل أن الولادة الأولى لا تنتهي أبدًا، وأنها تعود لتتكرر كلما اقتربنا من حافة جديدة. في كل خروج من يقين إلى تساؤل، في كل انتقال من عتمة إلى ضوء، نعيد تمثيل ذلك المخاض القديم. نخلع جلدًا ونرتدي آخر، ونحمل معنا بقايا كل الولادات السابقة، تلك الندوب التي لا تثقلنا إنما تمنحنا عمقًا، كأنها نجوم صغيرة في سماء الذاكرة، تهدينا الطريق في ليالي الخوف والوحدة. ما أبهى أن نكون كائنات لا تكتمل، تولد نفسها مرارًا، وتعيش في مخاض دائم، كما تولد الشمس كل صباح من رحم الليل.

 

الضوء الأول الذي يلامس العينين ليس مجرد انتقال بصري، هو سؤال وجودي يقتحم الروح بلا استئذان. كل ضوء لاحق ليس إلا محاولة متكررة للإجابة عن ذلك السؤال الأول. يدخل النور فجأة، كغريب لا يعرف قوانين البيت، وتبقى الروح طوال العمر مشدودة إلى تلك العتمة الرحمية، إلى ذلك الفضاء السائل حيث كان الوجود ممكنًا دون وعي، ودون فواصل. لعل الحنين، في جوهره الأعمق، ليس حنينًا إلى زمن أو مكان، بل شوقًا إلى تلك الحالة الأولى، إلى أن نكون جزءًا من كلٍّ بلا انفصال.

 

لكن الخروج لا رجعة فيه. ما إن نرى النور حتى تُدفن العتمة في طبقات الذاكرة الجسدية، هناك حيث لا تصل اللغة. الجسد يتذكر ما تنساه الروح، يحتفظ بانحناءاته الأولى، بذلك الوضع الجنيني الذي نعود إليه في النوم والضعف، وكأننا نحاول الرجوع إلى نقطة البداية، إلى اللحظة التي كان فيها العالم كله محصورًا في نبض واحد، وفي أمان مطلق لا سؤال فيه.

 

نحن لا نولد مرة واحدة. نولد في كل قرار مصيري، في كل حب يغيّر شكلنا، في كل موت صغير يسبق بعثًا جديدًا. كل ولادة تحمل أثر ما قبلها، وكل خروج جديد يستدعي مخاضًا قديمًا. هذه الندوب لا تشوهنا، إنها تصنع طبقاتنا، تجعلنا كالصخر الرسوبي، نحمل في أجسادنا وأرواحنا ذاكرة الزمن، ونصير أكثر عمقًا كلما طال الطريق.

 

في صمت المساء، حين تخفت الأصوات وتذوب الأضواء، أعود بتأملي إلى تلك اللحظة الأولى التي لا تُستعاد. أسأل دون انتظار جواب: هل اختارت الروح هذا الجسد؟ أم قُذفت به إلى الوجود كما تُلقى البذرة في تربة لا تعرفها؟ ربما كانت الولادة اتفاقًا صامتًا، تعاقدًا غير مكتوب بين الروح والجسد، على أن يخوضا معًا ثقل الأيام وخفة اللحظات، على أن يبقيا متلازمين حتى يحين موعد الانفصال التالي.

 

يبقى الجسد شاهدًا صامتًا على تلك البداية، في انحناءات العمود الفقري، في إيقاع القلب، في ذاكرة الخلايا. أما الروح، فتحمل بقايا أخرى، لا تظهر إلا في لحظات الصفاء الخالص، حين نسكن إلى أنفسنا ونقترب من أسئلتنا الكبرى. في تلك اللحظات نشعر بخيط دقيق يشدنا إلى حافة العدم والوجود، فنرتجف بين عالمين، كما ارتجفنا أول مرة.

 

الولادة الهادئة لا تعني ولادة بلا ألم، هي ولادة يتحول فيها الألم إلى وعي، والصراخ إلى صمت كثيف. هي ولادة لا يشهدها أحد، تتم في عزلة مقدسة، حيث يواجه الكائن مصيره الأبدي: أن يُلقى في الوجود دون استئذان، ثم يُترك ليجيب وحده عن سؤال الحياة. في هذا الصمت تتشكل البذور الأولى للذات، وتنغرس الجذور العميقة للروح.

 

وما زلت أتأمل تلك البقايا، تلك الندوب التي تشبه أثر الضوء على العين بعد انطفائه. أتأمل كيف صارت جزءًا من هويتي، وكيف تحولت من جراح إلى نوافذ. ربما لم يكن معنى الحياة في تفادي الندوب، بل في تحويلها إلى جمال، وفي أن نجعل من كل ولادة قصة تستحق أن تُروى. أن نظل قادرين على الخروج من عتماتنا المتعددة إلى أنوارنا المتجددة، حاملين معنا بقايا كل تلك الولادات، كما يحمل المسافر كنوزه الخفية في رحلة لا تنتهي.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

بصمة من ضوء

 

بصمة من ضوء

 

"حين يصير البيان أثرًا لا يزول"

 




ليس البيان مجرد كلمات نلقيها في فضاء العمل، ولا هو تواصل عابر بين ذات وأخرى. البيان، في هذا المقام، بصمة روحية في صلادة الواقع، شهادة مكتوبة على أنك كنت هنا، وأنك لم تمر مرور الخفيف، تركت أثرًا يشبه الضوء على الماء، وحاضرًا وإن غاب صاحبه.

 

هو المرآة التي ترى فيها ذاتك المهنية مكتملة. في غيابه، يظل الإنسان ظلًا هلاميًا، حضورًا مشروطًا بتقديرات الآخرين، وجودًا معلقًا لا يستقر. أما به، فيتحول إلى كيان ملموس، فكرة لها حدود، ورؤية لها ملامح. إنه كالنحت في الصخر؛ كل جملة تزيل فائض الغموض، وكل فكرة تكشف طبقة أعمق من اليقين، حتى يظهر الوجه الحقيقي للذات المهنية، وتتشكل هوية لا تخطئها العين.

 

ومن هنا يتجاوز الأمر حدود الوصف إلى ما هو أعمق… ليس وصفًا لما تفعل؛ إنه إعلان عمّا تكون. في بيانك تختصر نفسك دون أن تبتذلها، تضع خلاصة تجربتك بين يدي الآخرين، لا لتطلب اعترافهم، بل لتمنحهم مفتاح الفهم. وكما يرى النحات أن تمثاله روح متحررة من فائض المادة، ترى أنت أن كلماتك ذات متجلية في حروفها. كل رسالة تكتبها امتداد لك، وكل تقرير تنجزه جزء من هويتك، ومن يقرأ ما تكتب بإنصات، يقرأك أنت: تاريخك المهني، فلسفتك في العمل، طريقتك في رؤية العالم.

 

في صخب المهام اليومية، حيث تتراكم الأرقام كالرمل وتزدحم التفاصيل كأوراق الخريف، يأتي البيان ليصنع فسحة للمعنى. يذكرنا بأن العمل ليس تنفيذًا آليًا للمطلوب، وإنما تجسيد للذات، وإعلان هادئ عن الوجود. حين تكتب كلمة واضحة، أنت لا تنقل معلومات فحسب، تنقل جزءًا من روحك، تمنح المتلقي فرصة أن يرى العالم بعينيك، ويفهم منطقك، ويقترب من طريقتك في التفكير. في هذا الانتقال، يتحول العمل من علاقة وظيفية باردة إلى حوار وجودي دافئ، ومن أداء منفصل إلى بناء مشترك للمعنى.

 

سلطة الكلمة في العمل ليست سلطة الأمر، إنما هي سلطة البيان والوضوح. حين تصوغ فكرتك بدقة، وتعرض رؤيتك بثبات، تمارس أعمق أشكال السلطة: سلطة الإقناع، سلطة الحضور الذهني، سلطة الوضوح الذي لا يترك فراغًا للتأويل. هذه السلطة لا تُمنح بقرار إداري، بل تُكتسب بالبيان، وتُبنى كلمة بعد كلمة، كما يبني النور طريقه في العتمة، خطوة بعد خطوة، بثبات لا يحتاج إلى صخب.

 

البيان القوي لا يحتاج إلى مبالغة. قوته في وضوحه، وعمقه في دقته، وأثره في صدقه. يترك أثره في القارئ كما تترك البصمة في الرمل، بهدوء، بثقة، بيقين أنها ستبقى ولو بعد حين. هنا تتحقق مفارقة البيان: أن تكون قويًا دون أن ترفع صوتك، أن تكون حاضرًا دون أن تزاحم، أن تكون مؤثرًا دون أن تتسلط. إنها قوة الضوء؛ لا يعلن عن نفسه، لكنه يكشف كل شيء.

 

في بيئات العمل التي تقدّس الأرقام، يأتي البيان ليذكرنا بالبعد النوعي للوجود المهني. الأرقام تخبرنا بكم أنجزنا، والبيان يخبرنا من كنا ونحن ننجز. الأرقام تقيس الكم، والبيان يكشف الكيف. الأرقام تسجل النتائج، والبيان يروي القصة. وبين هذا وذاك، يتشكل الإنسان المهني ككائن متكامل، لا يكتفي بالإنتاج، ويسائل معناه: ماذا يعني ما أنجزه؟ كيف يعبر عني؟ كيف يساهم في بناء معنى جماعي أوسع؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها جدول بيانات، البيان وحده من يجيب.

 

أن تجعل من البيان فعل وجود يعني ألا تترك أثرك للمصادفة، بل تصنعه بوعي وإرادة. لا تنتظر أن يكتشف الآخرون قيمتك، بل تقدمها بوضوح، تضعها حيث يمكن رؤيتها. هذا ليس غرورًا؛ إنه أمانة المهنة، مسؤولية من يملك رؤية. فالصمت في غير موضعه ليس تواضعًا، وإنما تقصير في حق الفكرة. والقائد الحقيقي من يعرف متى يتكلم، وكيف يصوغ كلمته، ليكون بيانه كالمنارة، لا تصخب لكنها تهدي السفن في عتمة البحر.

 

ليس هامشًا فكريًا، هو مركز الثقل في العمل. به تتجلى الذات، وبه ينتقل العمل من الأداء الآلي إلى الإبداع الواعي. من أتقن بيانه، أتقن وجوده المهني، ومن أهمله ظل حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه، موجودًا في المكان، مفقودًا في المعنى.

 

فليكن بيانك كالنقش في الحجر، لا تمحوه الأيام، وكالضوء في الماء، يبقى أثره بعد أن يغيب صاحبه. فبعض الحضور لا يحتاج إلى جسد، يكفيه بيان… وبعض الخلود لا يحتاج إلى عمر، يكفيه كلمة. 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

السبت، 14 فبراير 2026

سكينة لا تستسلم

 

سكينة لا تستسلم

 

"قوة لا تصرخ ولا تنكسر"

 


 


في زمن يقدس الضجيج ويعبد الصخب، تظهر السكينة كفضيلة منسية، كجوهرة في قاع بحر هائج. لكن السكينة التي أعنيها ليست سكينة المستسلمين، ليست هدوء المنهزمين الذين ألقوا أسلحتهم واكتفوا بالتفرج على الحياة من نوافذ العجز. إنها سكينة مختلفة، سكينة تحمل في أحشائها صرامة الجبال، سكينة تشبه المحيط الهادئ ظاهريًا، لكن في أعماقه تيارات جارفة، طاقة هائلة لا ترى بالعين المجردة. هذا هو بارادوكس القوة الحقيقية: أن تكون هادئًا كبحيرة وأن تحمل في داخلك شلالات من الإرادة، أن تصمت وفي صمتك أعظم الكلمات.

 

السكينة الواعية ليست فراغًا، ليست غيابًا، ليست انعدامًا. إنها حضور بكيفية أخرى، حضور يتجاوز حدود الكلام والحواس. هي الفراغ الذي يمتلئ بالمعنى، الصمت الذي يصير أبلغ من أي خطاب. في هذا الفراغ الممتلئ، تتسع الروح لاستيعاب الأضداد، تجمع بين القوة واللين، بين الثبات والمرونة، بين الصمود والانحناءة الواعية. الفراغ هنا ليس نقصًا، بل هو سعة، هو المساحة التي تتيح للوجود أن يتمدد، هو الرحم الذي يولد فيه المعنى من جديد كل لحظة. حين يمتلئ الفراغ بهذا النوع من السكينة، يصير كل شيء فيه ناطقًا، الجدران تتكلم، الصخور تهمس، الظلال تروي حكاياتها القديمة.

 

أتأمل تلك المرأة التي تجلس وحدها في مقهى مزدحم، لا تنظر إلى أحد، لا تتحدث مع أحد، لكن حضورها يملأ المكان. من حولها ضجيج الأصوات، صخب الأكواب، ثرثرة الناس، وهي في وسط هذا كله، جزيرة هادئة، محيط ساكن. ليست منعزلة عن العالم، بل هي في العالم بطريقة أخرى، تحمل صمتها كدرع، تحمل هدوئها كسيف، ترفض أن تساهم في ضجيج العصر، ترفض أن تصبح جزءًا من الطنين الكوني الذي يخفي الفراغ الحقيقي تحت ستار الامتلاء الزائف. في رفضها هذا قوة هائلة، قوة لا تحتاج إلى إعلان، قوة تكتفي بأن تكون، تكتفي بأن توجد، تكتفي بأن تمارس فعل الوجود الأعمق.

 

السكينة التي لا تستسلم هي فعل مقاومة بامتياز. إنها مقاومة لا تحتاج إلى منشورات ولا خطابات، مقاومة تتحقق في الصمت كما تتحقق الثورة في العقول قبل الشوارع. في عصر يريدك أن تصرخ لتثبت وجودك، أن تعلن لتثبت انتماءك، أن تشارك في الضجيج الجماعي لتكون جزءًا من الجماعة، يأتي فعل الصمت كتمرد وجودي، كرفض عميق لكل أشكال الاستلاب. هذه السكينة تقول: لن أكون كما تريدون، لن أتكلم لأن الكلام صار مبتذلًا، لن أصرخ لأن الصراخ صار موضة، سأبقى هنا، هادئة، ممتلئة، حاضرة، وسيكون حضوري وحده كافيًا لإرباك كل حساباتكم.

 

في تاريخ البشرية، كانت أعظم القوى هي الأكثر صمتًا. الجبال لا تصرخ لتدل على عظمتها، المحيطات لا تعلن عن عمقها، النجوم لا تذيع أخبار وجودها. الوجود العظيم يكتفي بأن يكون، وفي كونه هذا أكبر رسالة، أبلغ كلام، أعظم إعلان. كذلك هي السكينة التي لا تستسلم، تكتفي بأن تكون، وفي كونها هذا تزلزل أركان الضجيج المزيف، تكشف هشاشة الصخب، تفضح فراغ الامتلاءات الوهمية. حين تمر العاصفة، تبقى الجبال صامتة، لا تعلق على ما فعلته بها الريح، لا تشكو ما أحدثته فيها الأمطار، تبقى هناك، صامدة، تصمت، وفي صمتها تنتصر.

 

الصلابة الداخلية لا تعني الجمود، لا تعني التحجر، لا تعني فقدان القدرة على التأثر والتأثير. إنها صلابة تشبه صلابة الخيزران، ينحني للريح لكنه لا ينكسر، يلامس الأرض لكنه لا يفقد اتزانه، يهتز مع العاصفة لكن جذوره في العمق ثابتة. هذه الصلابة تجعل السكينة ممكنة، تجعل الصمت محتملًا، تجعل الهدوء فعلًا لا استسلامًا. حين تمتلك هذه الصلابة، يمكنك أن تصمت وأعداؤك يظنونك ضعيفًا، ثم يكتشفون أن صمتك كان أقوى من كل صراخهم، أن هدوءك كان أشد من كل جنونهم، أن سكينتك كانت الجدار الذي تحطمت عليه كل موجات ضجيجهم.

 

الفراغ الممتلئ يشبه الليل، يبدو فارغًا لمن لا يعرف القراءة في النجوم، لكن العارفين يجدون فيه ألف كتاب مكتوب بنور. السكينة كذلك، تبدو لمن لا يفهمها مجرد غياب، مجرد انقطاع، مجرد لاشيء. لكن لمن يعيشها، لمن يسكنها، لمن يصير هي، هي الامتلاء الأقصى، هي الحضور الأكمل، هي الوجود في أسمى تجلياته. في هذه السكينة، تسمع صوت ذاتك بوضوح لم تسمعه من قبل، ترى العالم كما لم تره، تدرك المعاني التي كانت تختبئ خلف ضجيج الحياة اليومية. تصير مثل البحيرة التي تعكس السماء، هادئة لكنها تحمل في أعماقها كل النجوم، ساكنة لكنها تحتضن كل الحركة الكونية.

 

أتعلم من هذه السكينة أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إثبات. من يمتلك القوة الحقيقية لا يهدرها في صراخ، لا يبذرها في جدال، لا يضيعها في محاولات إقناع الآخرين بوجوده. القوة الحقيقية تكتفي بأن تظهر في اللحظة المناسبة، كما يظهر القمر في ليلة مظلمة، بلا ضجة، بلا إنذار، فقط يكون هناك، فيملأ الكون نورًا. هكذا هي السكينة التي لا تستسلم، تظهر حين تظن الأصوات الصاخبة أنها انتصرت، لتقول إن الصمت أبقى من كل صوت، إن الهدوء أعمق من كل ضجيج، إن السكون أبلغ من كل حركة.

 

في زمن الخوف، تختار هذه السكينة ألا تخاف.

في زمن القلق، تختار ألا تقلق.

في زمن التشتت، تختار أن تتمركز حول ذاتها.

ليس هذا هروبًا من الواقع، بل مواجهة بطريقة أخرى، مواجهة من الداخل، مواجهة لا تحتاج إلى سلاح إلا الوعي، لا تحتاج إلى درع إلا الصفاء، لا تحتاج إلى معسكر إلا الروح. إنها مقاومة لا تراها العيون لكنها تترك آثارها في عمق الوجود، كما تترك الريح آثارها في تشكيل الجبال، ببطء، بصبر، بصمت، لكن بيقين لا يخطئ.

 

السكينة الواعية تمارس فعل الرفض الهادئ كل يوم. ترفض أن تجري وراء السراب، ترفض أن تلهث خلف الأوهام، ترفض أن تبيع نفسها بثمن بخس. في هذا الرفض اليومي، تتجلى عظمتها، تتجلى حريتها، تتجلى إنسانيتها. هي حرة لأنها لا تحتاج إلى ما يملأ فراغها، قوية لأنها لا تخاف من الوحدة، غنية لأنها اكتشفت أن أغنى كنوز العالم هو هذا الصمت الداخلي، هذه السكينة التي لا تُشترى ولا تُباع، هذه الهبة التي لا تمنح إلا لمن يستحقها بصبره وتأمله وإيمانه العميق بالوجود.

 

وأخيرًا، أكتشف أن السكينة التي لا تستسلم هي الوجه الآخر للحب.

الحب الحقيقي لا يصخب، لا يصرخ، لا يعلن عن نفسه في الميادين.

الحب الحقيقي يسكن في الصمت، ينمو في الهدوء، يزدهر في السكينة. حين تحب حقًا، لا تحتاج إلى أن تقول، يكفي أن تكون، يكفي أن تحمل هذا الحب في داخلك كجوهرة ثمينة، تضيء بها ظلمة وجودك، تدفئ بها برودة أيامك. في هذا الحب الصامت، تتحقق السكينة التي لا تستسلم، تتحقق القوة التي لا تحتاج إلى عضلات، تتحقق المقاومة التي لا تحتاج إلى أسلحة. إنها سكينة تشبه سكينة الأرض وهي تحتضن البذور في شتاء طويل، تعرف أن الربيع آتٍ، تعرف أن الاخضرار قادم، فتصبر، وتصمت، ولا تستسلم.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

كرامة الخدمة

 

كرامة الخدمة

 

"كيف يحفظ العطاء كرامة الذات"

 




تنهض الخدمة كعلاقة وجودية معقدة بين الإنسان ودوره، بين ما يُنتظر منه وما يختار أن يكونه، بين ما يمنحه العالم وما يمنحه هو لنفسه. ككل علاقة عميقة، تحمل احتمالين متناقضين: أن توسع الروح أو أن تستهلكها بصمت. الفارق لا تحدده الخدمة نفسها، بل الوعي المصاحب لها، والمسافة التي يحسن ضبطها بين الهوية الإنسانية والدور، والقدرة الدقيقة على أن يُقدّم الإنسان دون أن يُستعبد.

 

في البداية، يبدو العطاء مجرد تفانٍ صادق ورغبة في الخير، لكنه يخفي فخًّا خفيفًا: غياب السؤال الجوهري عن الذات خارج الدور. حين لا يُطرح هذا السؤال، يبدأ الذوبان البطيء، ويصبح الإنسان ما يؤديه لا ما هو عليه، مرآة لتوقعات الآخرين، بلا وجه يميزه. تتحول الخدمة من فعل إنساني حر إلى ثوب يُلبس على الجسد، ثقيل لكنه شفاف، يثقل الروح أكثر من أي قيد ظاهر.

 

الضريبة تُستقطع يومًا بعد يوم من رصيد الداخل، تتسلل بصمت حتى يخف الحماس، ويتآكل الشغف. يكتشف المرء أنه أعطى أكثر مما يملك، واستنزف موارده دون تعويض، فصار خادمًا متقنًا لكنه مُنهك. الخدمة بلا وعي لا تُنمّي، بل تُفرغ، لا تُغني، بل تُفقِر.

 

الوعي بالمسافة بين الدور والذات هو ما يمنح الخدمة شكلها الناضج. كالممثل الذي يغوص في شخصيته دون أن يزرعها في جلده، يعرف متى يرتدي القناع ومتى يخلعه، ويعي أن العرض مهما بلغ العمق، له نهاية يعود بعدها إلى ذاته. هكذا تكون الخدمة المهنية: حضور كامل، أداء صادق، التزام عميق، مع إدراك دائم أن الدور أداة تُستخدم ولا يُسلم لها زمام الهوية.

 

في هذا الفضاء، تتحرر الخدمة من الإكراه إلى اختيار واعٍ، تتحول من واجب ثقيل إلى عطاء مقصود، ومن دور يختزل الإنسان إلى دور يعبر عنه دون أن يلتهمه. شجاعة الانسحاب من الأدوار التي لا تثري هي من أندر أشكال الشجاعة، ليس هروبًا ولا ضعفًا، بل وعيًا بأن بعض الأدوار تستهلك أكثر مما تمنح، وأن بعض الخدمات تشوه الداخل بدل أن تبنيه.

 

التمييز بين الدور المغذي والدور المستنزف لا يُقاس بمعايير خارجية، بل ببوصلة داخلية دقيقة: ما يوسع الأفق ويوقظ الطاقات ويمنح شعورًا بالامتلاء رغم التعب، هو الدور المغذي؛ وما يتركك فارغًا ومنهكًا رغم النجاح الظاهر، هو الدور المستنزف. كرامة التخصص تكمن في القدرة على الاختيار، على أن تعرف أين تضع طاقتك، وأين تقول "لا"، وأي خدمة تنسجم مع قيمك وهويتك المهنية. حماية هذه الكرامة ليست ترفًا، بل ضرورة تحمي جودة العطاء وتحفظ احترام الذات وتضمن الاستدامة.

 

حين يستقر المرء في هذه المسافة الواعية، يظهر السؤال الفاصل: من أكون خارج هذه الأدوار؟ إن كانت الإجابة امتلاءً حقيقيًا، فهناك النجاة؛ وإن كانت خواءً، فالذوبان قد بدأ. الخدمة الواعية تنبع من ذات مستقرة، تمنح الدور معناه من دون أن تتسلمه، تعطي من ملكتها الداخلية، لا من فراغها. ومن بلغ هذه المرتبة، أدرك أن أعظم خدمة يقدمها للآخرين هي الحفاظ على ذاته حية، لأن الذات المستنزفة لا تُنقذ أحدًا، والروح الفارغة لا تمنح إلا الفراغ.

 

فليكن عطاؤك كالنهر، يمنح الحياة دون أن يجف، ويبقى نهرًا بعد أن يرتوي الجميع. فالخدمة التي تحفظ كرامتك هي وحدها التي تستحق أن تُسمى عطاء.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

مرايا المعنى

 

مرايا المعنى

 

"كيف نحمي المعنى ونظل إنسانيين"

 




المعنى في العمل ليس زينة على الجدران، ولا شعارًا نردده في الاجتماعات، ولا قيمة نظرية تُدرج في أدلة المؤسسات ثم تُنسى عند أول اختبار حقيقي. إنه النبض الخفي الذي يمنح الفعل المهني روحه، ما يجعل ما ننجزه حيًّا لا آليًا، وما نؤديه طقسًا إنسانيًا لا مجرد حركة متكررة. لكن المفارقة تظهر حين نقرر حماية هذا المعنى بشدة، حين نبنيه بأسوار ونقبض عليه بصرامة، فنكتشف أننا في محاولتنا لحراسته بدأنا نفقده، وأن الدفاع عنه قد يحوّلنا تدريجيًا إلى نسخ جامدة منه بدل أن نجسده حيًا.

 

التحدي الحقيقي ليس امتلاك القيم فحسب، بل معرفة كيفية حملها. بين المبادئ والروح مسافة دقيقة يصعب السير فيها دون تعثر: فالمبادئ تمنح الاتجاه والثبات، لكنها إن تُركت بلا روح تحولت إلى صخور باردة، والروح تمنح الدفء والمرونة، لكنها إن انفصلت عن المبادئ ضاعت في الضباب. المهني الواعي يمشي على هذا الحد الفاصل، يعرف أن التصلب باسم القيم يسلبه إنسانيته، وأن الانصهار باسم التعاطف قد يضيّع بوصلته، فيسعى إلى النقطة النادرة التي تتقاطع فيها الصلابة الداخلية مع الليونة الخارجية، حيث تكون المبادئ حاضرة بلا قسوة، والإنسانية قائمة بلا تسيب.

 

المعنى غالبًا لا يتآكل في البيئات المعادية صراحة، بل في تلك التي تضغط عليه باستمرار، فتتحول حراسته إلى استنزاف يومي، إلى معركة طويلة تستنزف الروح. ومع الوقت، يبدأ حامل المعنى بالتشبه بما يقاومه: يصير قاسيًا لحماية القيم، باردًا ليمنع الاختراق، صامتًا ليصمد. وهنا تقع الخسارة الكبرى: أن نفقد إنسانيتنا ونحن نرفع راية القيم الإنسانية، وأن نصبح نسخًا جامدة من ما نحميه.

 

القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الجمع بين الثبات والمرونة، لا في الصلابة المجردة. المرونة الواعية هي ما يجعل حماية الجوهر ممكنة: انحناءٌ يحمي الجوهر بدل أن يفرغه، ليونةٌ ذكية تحافظ على معنى العمل حيًا بدل أن تجعله مجرد احتفاظ شكلي بالمبادئ. الدفاع عن المعنى ليس فعلًا قتاليًا أو عدوانيًا، بل ممارسة وجودية يومية، تبدأ من الداخل قبل الخارج، من مساحة صمت يتصل فيها الإنسان بجذوره، يستعيد سبب انخراطه في العمل ويجدد اتصاله بروحه قبل أي معركة خارجية.

 

اللين مع الآخرين لا يعني التنازل عن المبادئ، بل اختبارها الحقيقي. المبادئ الميتة تتحول إلى أدوات إقصاء وجدران عازلة، أما المبادئ الحية فهي ما يتحول إلى فهم وتعاطف، وقدرة على الإصغاء دون الذوبان. رؤية العالم بعيون الآخرين لا تزيل رؤيتك، بل توسعها. احترام معاني غيرك لا يقلل من معناك، بل يعرّفك على وجوه مختلفة للمعنى نفسه.

 

البقاء إنسانيًا في بيئات العمل القاسية يتطلب وعيًا متقدمًا، معرفة متى تصمد ومتى تتكيف، متى تقترب ومتى تبتعد. إنسانية العمل ليست حالة ثابتة نبلغها ثم نرتاح، بل ممارسة يومية متجددة، اختيار متكرر، جهد صغير لكنه حاسم. الحفاظ على الإنسانية يصبح هنا أعلى المعايير، القيمة التي تُقاس بها كل القيم الأخرى.

 

حماية المعنى دون فقدان الإنسانية تعني القدرة على الشعور أثناء الدفاع، وعلى الرحمة أثناء الحماية، وعلى الحب أثناء خوض الصراعات. تعني ألا نصبح نسخة من خصومنا، ولا نبيع روحنا مقابل انتصار شكلي للمبادئ. المعنى الحقيقي ليس شيئًا نملكه فنحرسه، بل حالة نعيشها فنصبح بها أكثر اتساعًا، وأكثر قربًا، وأكثر إنسانية.

 

تبقى الحقيقة الأوضح: المعنى الذي يقتل الإنسانية لا يستحق الحماية، والقيم التي تعزلنا عن البشر تحتاج إلى مراجعة، لا إلى تحصين. الانتصار الحقيقي ليس في أن تنتصر مبادئنا على الناس، بل أن تنتصر إنسانيتنا على كل ما يحاول تجفيفها، حتى وإن جاء ذلك باسم القيم نفسها.

 

فليكن معناك... شمسٌ تمنح الدفء دون أن تحرق، وتنير الدروب دون أن تفنى. فالقيم التي تبقى إنسانية هي وحدها التي تستحق أن تُحرس.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

هدنة مع الزمن

 

هدنة مع الزمن

 

"مقام العابر المقيم"

 



 

ليس الانتظار فراغًا يتدلّى بين حدثين، ولا مساحة عابرة نملؤها ريثما يصل ما نترقّبه. في هذا المقام، الانتظار كيان كامل، زمن قائم بذاته، لحظة يخلع فيها الوجود حركته الصاخبة ويتحوّل إلى سكون كثيف. هو الكون حين يهدأ قليلًا، والزمن حين يتخفّف من ثقل الساعات ويرتدي رداءً من ضباب. أن تنتظر هنا لا يعني أنك مؤقت، بل أنك بلغت مكانك الأعمق، استقررت في اللحظة كما يستقر حجر في قاع النهر؛ يمر الماء حوله بلا توقف، تعبر فوقه الحياة، وهو هناك، ثابت في صمته، شاهد على الجريان دون أن يشارك فيه.

 

الصبر المصقول لا يتعلّق بشيء.

إنه صبر بلا موضوع، بلا غاية خارج ذاته، يشبه مرآة تنتظر وجهًا لا تعرف ملامحه. لا تسأل متى يجيء، ولا من أي جهة، تظل صافية لأنها خُلقت للانتظار نفسه. في هذا المستوى، يتحوّل الصبر من فضيلة أخلاقية إلى حالة وجودية، من سلوك نمارسه إلى مقام نقيم فيه. صبر لا يحتمل الغياب، بل يصنع حضورًا مكتفيًا، صبر يتأمل نفسه في مرآة الوقت، ويرى في ذلك التأمل شكلًا من أشكال الخلود.

 

تعلمنا منذ البداية أن الزمن عدو.

علمتنا الساعات ذلك وهي تضرب إيقاعها على صدورنا، علمتنا الأيام وهي تنفلت من بين أيدينا كالرمل. كنا نعدّ الدقائق كما يعدّ الأسير علامات الجدار، نرى في كل دقيقة تمضي نقصًا، وفي كل ساعة خسارة. لكن في مقام الانتظار، نوقّع هدنة مع هذا العدو المفترض. نخلع سلاح الاستعجال، نضع جانبًا خوف التأخر، ونجلس في منتصف اللحظة بلا مقاومة. هناك نكتشف أن الزمن لم يكن خصمًا، بل معلّمًا متنكرًا، صديقًا قاسي الملامح، كان ينتظر منا أن نتوقف عن مطاردته لنراه.

 

حين تكفّ عن مصارعة اللحظة،

حين ترفض أن تكون في سباق دائم مع عقارب الساعة، تبدأ الأشياء في الظهور على مهل. ترى الضوء وهو يتحرّك ببطء على الجدران، تتابع الغبار وهو يسبح في شعاع الشمس، تصغي إلى قلبك كأنك تسمعه للمرة الأولى. في هذا الصفاء الذي يسبق التجلي، تستعيد الأشياء حقيقتها الأولى. لا تعود أدوات ولا خلفيات، بل تصير علامات، أيقونات صغيرة في معبد الوجود. اللحظة لا تمرّ، بل تقيم، تتسع، تسكن الروح كما تسكن المياه بحيرة لا ضفاف لها.

 

الوقوف على العتبة أخطر موضع يمكن أن يسكنه إنسان.

أنت لست في الداخل فتطمئن، ولا في الخارج فتتحرر، أنت في المسافة بينهما، في منطقة اللاقرار، حيث يتقاطع الماضي والمستقبل دون أن يهيمن أحدهما. هنا تتلاشى الخطوتان: التي جاءت بك، والتي ستأخذك، وتبقى معلقًا في فراغ لا جاذبية فيه سوى جاذبية التأمل. هذا التعليق ليس نقصًا، بل احتمالًا خالصًا.

 

في هذا التعليق، يكتشف المرء مفارقة عميقة:

أن عدم الاستقرار قد يكون أكثر ثباتًا من الثبات نفسه. أن العبور يمكن أن يتحول إلى إقامة. هنا تبني بيوتًا من هواء، وتزرع حدائق في الضباب، وتنجب أحلامًا لا تحتاج إلى مستقبل كي تعيش. في هذا الموضع تكون أكثر صدقًا، لأنك لست مضطرًا لأن تكون شيئًا محددًا. يمكنك أن تكون كل ما يمكن أن يكون، دون أن تختار.

 

أتأمل امرأة تقف على عتبة بيت قديم.

لا أعرف ما الذي تنتظره، ولا يهم. انتظارها ليس موجّهًا، بل متجسّد. يسكن عينيها، يبطئ حركتها، يجعل من وقوفها إقامة طويلة. هي لا تتحرك، لكنها في سفر دائم. يمر الناس أمامها دون أن تراهم، تمر الساعات دون أن تشعر بها. هي في زمن آخر، زمن لا يُقاس بالدقائق بل بالأنفاس، لا يُحسب بل يُعاش.

 

الهدنة مع الزمن تعني أن نعيد تعريفه.

أن نخرجه من كونه مقياسًا كميًا، ونعيده إلى طبيعته النوعية. الزمن هنا ليس قبلًا وبعدًا، بل عمقًا واتساعًا. ليس خطًا يمتد، بل نقطة تتسع حتى تشمل الكون كله. في هذه الهدنة، يتحول الزمن من سجان إلى رفيق، من قوة تسلب إلى قوة ترعى، من نهر يجرفنا إلى بحر يحملنا على سطحه، طافين، مطمئنين، لا نعرف الوجهة لكننا نثق في الرحلة.

 

الصفاء الذي يسبق التجلي ليس فراغًا.

إنه امتلاء كثيف، يشبه السماء قبل المطر، الجسد قبل الولادة، العاشق قبل اللقاء. لحظة الحمل الأبدي، لحظة الصفر التي تسبق الواحد، الصمت الذي يسبق الكلمة. في هذا الصفاء نكون في أقصى درجات الحضور، لأننا حاضرون لما لم يأت بعد، نعيش المستقبل كإمكانية نابضة، ونحتضن الغياب كما لو كان بين أيدينا.

 

أقسى أشكال الانتظار أن تنتظر ما تعرف أنه لن يأتي،

ومع ذلك تبقى. أن تعرف أن العتبة لا تؤدي إلى باب، ومع ذلك تقيم عليها. هنا يبلغ الانتظار صفاءه الأعلى، يصير انتظارًا بلا موضوع، انتظارًا ينتظر نفسه. طقسًا يوميًا، صلاة بلا مخاطَب، حبًا بلا معشوق. في هذا المستوى، يصير اللاشيء كل شيء، ويتجلى الوجود في صورته الأكثر تجريدًا.

 

في مقام الانتظار هذا، أتعلم من الشجرة.

لا تسأل متى يأتي الربيع، ولا تتحسر على الخريف. جذورها في الأرض، وأغصانها في السماء، تنتظر لأن الانتظار طبيعتها، لأن الوقوف بين الأرض والسماء هو موطنها الأزلي. وأتعلم أن الزمن لم يكن عدوًا، بل كان ينتظر مني أن أراه، أن أمدّ له يدي لا لأصارعه، بل لأصافحه.

 

الهدنة تمت.

أنا والزمن نجلس الآن في مقهى الذاكرة، نشرب الشاي ببطء، لا نستعجل شيئًا ولا نخشى فوات شيء. الساعة على الحائط صامتة، لأن الدق صار في الداخل، في القلوب التي تعرف كيف تنتظر بلا انتظار، في الأنفاس التي تتعاقب كالأمواج، وفي العيون التي تحدّق في أفق لا يأتي منه شيء… لأن كل شيء حاضر منذ الأزل.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

الأربعاء، 11 فبراير 2026

غواية الحرف

 

غواية الحرف

 

"هندسة المعنى في فضاء الأعمال"

 




في زحام مدينة لا تنام، حيث تتعانق أضواء الأبراج مع ظلال الطموحات، فيما يهرع الناس كأنهم يطاردون أفضل نسخة من أنفسهم، وُلد سؤال لم يكن على جدول الأعمال. خلف باب لقاء مهني عابر، في قلب حديث عن التوسع والانتشار والاستراتيجيات، انفتح باب آخر أكثر عمقًا: باب الكلمة. لم يكن السؤال عن الأرقام ولا عن نسب النمو، بل عن تلك القوة الخفية التي تمنح الفكرة حياتها، وتجعلها قادرة على العبور من عقلٍ إلى عقل، ومن روحٍ إلى روح.

 

هناك أدركت أن كل انتشار يبدأ بجملة، وأن كل مشروع عظيم كان في لحظته الأولى معنىً يبحث عمّن يصوغه بصدق. فالكلمة ليست ظلّ الفكرة، بل جسدها المرئي. وإذا عجزنا عن التعبير، بقينا سجناء أفكارنا، نراها واضحة في داخلنا لكنها عاجزة عن أن ترى النور في الخارج. من هنا تبدأ الحكاية: من معضلة التعبير التي رافقتنا طويلًا، حتى ظنناها قدرًا لا يُراجع.

 

لقد تعلّمنا "الإنشاء" بوصفه واجبًا ثقيلًا، حصةً مدرسية تُؤدّى ثم تُنسى، غايتها القصوى عبور الاختبار بنجاح باهت. جُرّدت الكلمة من دفئها، وحُوِّلت الكتابة إلى تمرين آلي، إلى قوالب جاهزة تُملأ كما تُملأ الاستمارات. تعلمنا أن نكتب كي ننجو من سؤال المصحح، لا كي ننجو من صمتنا الداخلي. فخرجت الحروف مرتبة لكنها باردة، أنيقة لكنها بلا روح، كجنود يؤدون التحية بلا انفعال، أو كطيورٍ تعلّمت شكل السماء من الصور ولم تختبر اتساعها يومًا.

 

في تلك اللحظة التربوية المبكرة، حدث الانفصال الكبير بين العلامة والمهارة. صار الهدف لحظةً عابرة، لا عادةً متجذرة. حين يتعلم الإنسان لأجل الامتحان، فإنه يؤجل المصالحة الحقيقية مع المعرفة. يتحول العقل إلى مخزن مؤقت، وتتحول الكتابة إلى أداء موسمي. أما الديمومة المعرفية فهي شيء آخر؛ هي مهارة تسكن في الداخل، تنمو بصمت، وتكبر مع كل قراءة عميقة، وكل تجربة صادقة، وكل محاولة لقول ما لم يُقل من قبل.

 

المشكلة لم تكن يومًا في شح المفردات، بل في غياب المنهج الذي يحرر الذات من الخوف. خوف الخطأ، خوف الحكم، خوف ألا نبدو "جيدين بما يكفي". الكتابة الصادقة فعل شجاعة؛ لأنها تكشف صاحبها قبل أن تُقنع قارئها. حين نكتب بصدق، نحن لا نصوغ فكرة فحسب، بل نعلن حضورنا. نضع جزءًا منا في السطر، ونخاطر بأن يُرى كما هو، بلا أقنعة بلاغية زائفة.

 

فلسفيًا، التعبير هو التجسد الأسمى للوجود الإنساني. نحن لا نوجد فقط بما نفعل، بل بما نقول عمّا نفعل. اللغة ليست أداة نقل محايدة، بل فضاء تتشكل فيه الهوية. من لا يستطيع صياغة فكرته، يبقى حبيس شعورٍ غامض، كأن في داخله بحرًا لا يجد مجراه. والكتابة، حين تُفهم بهذا المعنى، ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية؛ بها نعيد ترتيب فوضى الداخل، وبها نمنح تجاربنا معنىً يتجاوز لحظتها العابرة.

 

في عالم الأعمال، يبدو الحديث عن البيان كأنه شأن أدبي منفصل عن لغة السوق، لكن الحقيقة أن كل نجاح مستدام يبدأ بوضوح السرد. المشروع الذي لا يُحكى جيدًا لا يُفهم جيدًا، والذي لا يُفهم لا يُدعم ولا ينتشر. خلف كل عرض تقديمي ناجح قصة مُحكمة، وخلف كل علامة تجارية راسخة حكاية قادرة على لمس وجدان الناس. الأرقام تقنع العقل، لكن السرد يُحرّك الإرادة. والقرار في النهاية ليس عملية حسابية باردة، بل استجابة لمعنى مُقنع.

 

هنا يلتقي المشهد المهني بالبيان في نقطة جوهرية: القدرة على هندسة المعنى. فالتعبير الاحترافي ليس زخرفة لغوية، بل بناء جسر نفسي بين الرؤية وصاحب المصلحة، بين الفكرة والسوق، بين الحلم والواقع. القادة الذين يتركون أثرًا ليسوا الأكثر حديثًا، بل الأقدر على تكثيف رؤيتهم في كلمات واضحة، نابضة، صادقة. هم الذين يدركون أن اللغة ليست غلاف المشروع، بل بنيته الخفية.

 

لكن هذا التحول لا يحدث بقرار لحظي، بل بمسار طويل من المصالحة مع القراءة والكتابة. القراءة ليست جمعًا للمعلومات، بل توسيع لزوايا النظر. كل كتاب عميق يضيف نافذة، وكل نص جيد يدرّب الحساسية تجاه الإيقاع والمعنى. ومع الوقت، يتحول الحرف إلى رفيق يومي، لا إلى مهمة مؤجلة. نكتب لأننا نريد أن نفهم، لا لأن أحدًا طلب منا ذلك. نكتب لنختبر أفكارنا، لننقّحها، لنراها من الخارج كما يراها الآخرون.

 

وحين تتكرر هذه الممارسة، تتحول الكتابة من عبء إلى طقس. من واجب ثقيل إلى مساحة حرية. نكتشف أننا لم نكن نتعلم كيف نكوّن فقرة صحيحة فحسب، بل كيف نصير أنفسنا بوضوح أكبر. كل نص صادق يترك فينا أثرًا، يعيد تشكيلنا بصمت، ويقرّبنا خطوة من نسخةٍ أكثر وعيًا من ذواتنا.

 

غواية الحرف ليست نزوة لغوية عابرة، بل نداء داخلي خافت يقول: اكتب لتكون. اكتب لأن الصمت الطويل يبهت الملامح، ولأن الفكرة التي لا تُصاغ تذبل في الظل. حين تتحرر الكلمة من قفص العلامة، وتتحرر الروح من رهبة التقييم، يبدأ البيان الحقيقي. هناك، خارج أسوار الاختبار، يبدأ الامتحان الأصدق: أن نحيا ببيانٍ يشبهنا، وأن نصوغ رؤانا كما نصوغ مشاريعنا، بوعيٍ ومسؤولية وشغف.

 

وفي النهاية، نكتشف أن العالم لا يتغير فقط بالقرارات الكبرى، بل بالجمل الصادقة التي تسبقها. وأن كل أثر باقٍ كان في بدايته حرفًا آمن صاحبه بقوته. تلك هي غواية الحرف حين تتعلّم الروح أن تكتب؛ أن تتحول الكتابة من تمرين مدرسي إلى قدرٍ شخصي، ومن مهارة هامشية إلى قوة تصنع المعنى، وتبني الذات، وتفتح للإنسان فضاءً أوسع من كل قاعة اختبار، وأرحب من كل قيدٍ قديم.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

فخ "الجوكر"

 

فخ "الجوكر"

"لماذا قد يقتلك تميزك في بيئة العمل؟"

 


 


في حياة الإنسان لحظات تبدو بسيطة، لكنها تحمل في أعماقها سؤالًا يطرق جدار الروح: ما الذي يليق بي؟ ومتى يكون سحب اليد ضرورة أخلاقية تفوق فضيلة مدّها؟ فالعطاء ليس نهرًا مفتوحًا، والقبول ليس دائمًا فضيلة، كما أن الرفض ليس جفاءً، بل قد يكون أرقى أشكال الحكمة وأصدق تعبير عن احترام الذات.

 

تلمعُ في ذاكرتنا عبارات مثل "خادم القوم سيدهم"، كحِكمة مكتملة، لكنها حين تُختبر في تفاصيل الحياة اليومية تفقد شيئًا من يقينها. تتحول من مبدأ أخلاقي جامد إلى سؤال وجودي مفتوح: هل كل خدمة تُفضي إلى سيادة؟ أم أن بعض العطاء لا يُنتج إلا الاستنزاف، وسوء الفهم، وتشويه الأدوار؟

 

ليست الإشكالية في العطاء ذاته، بل في غياب الوعي الذي يضبطه ويحدد إطاره. فالعطاء، حين يُمارَس بلا إدراك لموقعه وحدوده، يتحول من فعل نبيل إلى عبء صامت، ومن قيمة إنسانية إلى التباس أخلاقي خطير. هناك خدمة تولد من المحبة وأخرى من الوعي، وثالثة تولد من غشاوة تجعل الإنسان يخلط بين الكرم وبين التعدي على مساحة قدسه الداخلي. ليس كل عطاء نورًا يرفع صاحبه، فبعضه يهبط بالإنسان لأنه يخرجه من موقعه الطبيعي، ويضعه في دور لا يشبهه.

 

الانزياح من الموقع: عندما تختلط الأدوار

 

في العلاقات الإنسانية والمهنية، لكل إنسان موضع يقف فيه، ومفاصل واضحة تتحرك داخلها علاقاته، ودور يمنحه شرعية الفعل. حين يُطلب منك تجاوز هذه المفاصل، لا بد أن تتوقف. لا اعتراضًا مجردًا، بل وعيًا. تسأل نفسك: هل ما يُطلب امتداد طبيعي لموقعي؟ أم قفز في مساحة لا تخصني، وستُحسب عليّ لا لي؟

 

المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس لا يقيّمونك على نيتك الطيبة، بل على نتيجتك الملموسة. ولا يرون حدودك الشخصية، بل يتعاملون معك كأداة صالحة لكل استعمال. وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية: حين تُلبّي طلبًا خارج نطاق دورك، فإنك لا تُقاس فيه بمعايير ذلك الدور الجديد فقط، بل تُعاد قراءة كل أدوارك السابقة من خلاله. خطأ صغير في مهمة ليست من صميم اختصاصك قد يُسقط، وبظلم، قيمة الدور الذي هو جوهر كيانك الحقيقي.

 

في بيئات العمل، يبدأ الأمر بطلب صغير "مؤقت"، ثم يتسع حتى يصبح الإنسان مطالبًا بأن يكون أكثر مما هو عليه، وأن يؤدي أدوارًا لا تمتّ بصلة إلى موقعه الأصلي. وما إن يقبل، حتى يجد نفسه محاصرًا بتقييم لا علاقة له بمهارته وجدارته الأساسية، بل بمدى نجاحه في لعب دور لم يُخلق له. فتضيع هويته بين المهام المتراكمة، ويختل الميزان: بدل أن يُقدَّر على ما يجيده، يُحاسَب على ما لا يجيده.

 

وهم "الجوكر": تعدد الأدوار بين التكريم والاستهلاك

 

نحن نعيش في زمن يُكافئ – ظاهريًا – ما يمكن تسميته بـ "شخصية الجوكر" أو صاحب الأدوار المتعددة؛ ذاك الشخص القادر على لعب أكثر من دور، والتدخل في أكثر من مساحة، والذي يُستدعى كلما ظهر فراغ أو استعصى حل. وهو ليس بالضرورة شخصًا عديم الكفاءة، بل غالبًا ما يكون متعدد القدرات، مرنًا، ومبادرًا.

 

غير أن هذا التكريم سريع الزوال، سرعان ما ينقلب إلى استهلاك صامت. فـ "الجوكر" لا يُنظر إليه بوصفه صاحب موقع محدد وقيمة مستقرة، بل بوصفه "حلًا جاهزًا". وحين يفشل الحل – وهو حتمًا سيفشل في بعض الأحيان لأنه يعمل خارج اختصاصه – يُنسى الجهد كله، وتبقى النتيجة السلبية وحدها شاهدة. الأكثر خطورة أن المؤسسات، في أوقات الأزمات، تستغني أولًا عن صاحب الأدوار المتعددة؛ لأنه بلا هوية ثابتة في أذهانهم، ولأن تعدد مهامه يجعله يبدو قابلًا للاستبدال بسهولة. إنه يشبه الماء: يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، لكنه لا يحتفظ بملامح ثابتة في ذاكرة من حوله.

 

الدرس العميق هنا: الناس لا يتذكرون كم أعطيت، بل يتذكرون أين أخطأت. ولا يسألون: "هل كان هذا من اختصاصه؟" بل يكتفون بالقول: "كان موجودًا، وكان عليه أن ينجح."

 

الحصانة الداخلية: ميزان القيمة بين القبول والرفض

 

من هذا المنطلق تنشأ الحاجة الملحة إلى حصانة داخلية. ليست هذه الحصانة جدارًا منيعًا من الرفض الجاف، بل وعيًا رفيعًا يجعل الإنسان يقف أمام كل طلب ويسأل نفسه، بميزان دقيق:

- هل يضيف هذا العمل قيمة حقيقية إلى مساري وهويتي؟

- هل يحفظ حدود دوري الأساسي، أم يخلق التباسًا يطمس صورتي؟

- هل أنسجم معه، أم سأكون مجرد أداة تؤدي وظيفة غريبة عنها؟

 

إن لم تكن الإجابات مؤكدة، فالاعتذار الواعي أولى. لأن قبول ما لا يشبهك هو باب مفتوح على مصراعيه للتقييم غير المنصف، ولتحمُّل تبعات نتائج ليست من صميم مسؤوليتك.

 

العطاء الحقيقي، إذن، لا يعني الذوبان ولا التنازل عن الهوية، ولا القبول الأعمى بكل ما يُلقى في طريقك باسم الطيبة. بل هو فعل واعٍ ومحسوب، يعرف متى يقول "نعم" بكل كرم، ومتى تكون كلمة "لا" هي أصدق أشكال الاحترام للذات وللعلاقة وللعمل نفسه. الرفض، في هذا السياق، ليس قسوة، بل حكمة مؤجلة: حماية للعلاقة من سوء التأويل، وحماية للذات من ظلم التقييم، وحماية للبيئة من الفوضى التي تنشأ حين تختلط الأدوار بلا ضابط.

 

السيادة تأتي من وعي الحدود، وليس من كثرتها

 

في النهاية، ليست القضية في عدد الأدوار التي تستطيع أن تلعبها، بل في الدور الذي يليق بك، ويحفظ مكانتك، ويضيف إلى حياتك معنى. الأم تُعطي بلا حساب لأنها تمارس دورًا وجوديًا محضًا، والمدير العام يخدم مؤسسته من موقع سلطة ومسؤولية واضحة. هذه النماذج السامية لا تُستنسخ في كل علاقة.

 

السيادة الحقيقية لا تأتي من كثرة الخدمة، بل من وعيها. من إدراك اللحظة التي تكون فيها اليد الممدودة فضيلة، وتلك التي يصبح فيها سحبها ضرورة للبقاء. من القدرة على حماية الذات دون أن نفقد إنسانيتنا، وعلى الاعتذار دون أن نشعر بذنب مزيف.

 

حين نُحسن اختيار أدوارنا، ونرفض بلباقة ما لا يشبهنا، نكون قد صُنّا المعنى أولًا. ومن صان المعنى بداخله، كان أقدر على العطاء الحقيقي، دون أن يُستنزف أو يُساء فهمه. فالحكمة ليست في أن تفعل الكثير، بل في أن تفعل ما يجب، بالقدر الذي يحفظ روحك من التشتت، ويحفظ صورتك من التشويه، ويحفظ عطاءك من أن يتحول إلى مجرد استهلاك.

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

هندسة الروح المهنية

  هندسة الروح المهنية   "سيرة ذاتية من ضوء"     الكتابة ليست فعلًا هامشيًا في حياة المهني، ولا مجرد أداة تسجيل أو وسيلة ...