الأحد، 22 فبراير 2026

آفاق التأمل العلمي: هل تمتلك المادة ذاكرة شعورية؟

 

آفاق التأمل العلمي

 

"هل تمتلك المادة ذاكرة شعورية؟"

 




ما إن تطأ قدماك عتبة مسجد قديم، أو تجتاز بوابة كنيسة ظلت قرونًا تستقبل المصلين، أو تقف في فناء معبد لم تنقطع عنه الزيارة منذ آلاف السنين، حتى يغمرك إحساس لا يُفسر. سكينة تغشى القلب، وهدوء يتسرب إلى الروح، وشعور بأن الجدران ذاتها تتنفس معك، وكأن الحجارة تردد همسات المصلين الذين سبقوك. هل هو مجرد تأثير نفسي بحت، وهم جماعي نصنعه لأنفسنا؟ أم أن ثمة ما هو أعمق من ذلك؟ ربما يكون للعلم، وبخاصة في أقصى تخومه الفلسفية، ما يقوله في هذه الحيرة القديمة المتجددة.

 

منذ فجر التفكير البشري، ظل السؤال عن طبيعة المادة يؤرق العقول. هل هي مجرد كتلة صماء جامدة، خالية من أي بصيص حياة أو وعي؟ أم أنها تحمل في طياتها استعدادًا خفيًا للتأثر والتفاعل مع ما حولها؟ مع ظهور فيزياء الكم في مطلع القرن العشرين، تغيرت المعادلة بشكل جذري.

 

فمع ماكس بلانك، مؤسس نظرية الكم، بدأت المادة تفقد صلابتها الميكانيكية لتصبح أشبه بحقل من الاحتمالات والطاقات. بلانك، الذي كان رجلًا ذا ميول فلسفية عميقة، لم ير في المادة مجرد جسيمات عمياء تتحرك وفق قوانين صارمة، بل رأى فيها استعدادًا لأن تحمل "بيانات" أو "معلومات". طرح بلانك فكرة أن هناك "وعيًا كونيًا" هو أساس كل شيء، والمادة ما هي إلا تجلي أو مظهر من مظاهر هذا الوعي.

 

هذه الرؤية الفلسفية وجدت امتدادًا لها لدى علماء لاحقين، أبرزهم الفيزيائي ديفيد بوم، تلميذ أينشتاين، الذي طور نظرية "النظام المطوي" (Implicate Order). يرى بوم أن الوعي والمادة ليسا كيانين منفصلين، بل هما متداخلان في نسيج كوني واحد، وأن كل جزء من المادة يحوي ضمنيًا معلومات عن الكل.

 

لو صحت هذه الفرضيات الجريئة، يمكننا أن نتأمل احتمال أن تكون الجمادات من حولنا ليست صامتة ولا ميتة بالمعنى المطلق، بل هي أشبه بأقراص صلبة قابلة للتسجيل، تلتقط بإتقان ما يحدث في محيطها. إنها قد تكون حاملة للبيانات، والبيانات هنا ليست مجرد أرقام، بل انطباعات، طاقات، وترددات تغوص في نسيجها فتشكل ذاكرتها الخفية. هذا الفهم، لو تأملناه بعمق، لقلب تصورنا للواقع رأسًا على عقب، ولجعل من العالم المادي سجلًا حيًا لا يمحى لكل ما يجري عليه.

 

إذا كانت المادة بهذه الصفة، أي قابلة لأن تحمل أثر ما يحدث حولها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: كيف يمكن أن تتشكل ذاكرتها؟ هنا يدخل عنصر الإيقاع والتردد. تخيل معي سيمفونية كونية لا تسمعها الأذن وحدها، بل تترنم بها الذرات والجزيئات.

 

في بيوت العبادة، على مر العصور، يتكرر المشهد نفسه: تجمعات بشرية، أصوات تعلو بالذكر والتلاوة والترانيم، حركات منتظمة كالركوع والسجود، كلها تخلق ترددات صوتية واهتزازات طاقة لا تنقطع. هذه الترددات ليست مجرد موجات تذهب في الهواء وتضمحل، بل هي ضربات إيقاعية مستمرة على نسيج المكان. حجارته، أعمدة رخامه، حتى ذرات الغبار العالقة في هوائه، كلها تتعرض لهذا الغمر المستمر.

 

العلم الحديث يخبرنا أن للصوت قدرة مذهلة على تشكيل المادة. ففي تجارب العالم إرنست كلادني (Chladni) منذ القرن الثامن عشر، ترتب ذرات الرمل نفسها في أشكال هندسية بديعة وفقًا لترددات صوتية محددة.

 

وفي العقود الأخيرة، كشفت أبحاث علم الأعصاب أن ترددات معينة، مثل 528 هرتز -المرتبط بالترميم والشفاء في بعض الدراسات- يمكن أن تؤثر على الخلايا الحية. فما بالنا بتكرار يمتد لقرون، بأصوات مشحونة بالإيمان والخشوع، بمشاعر جياشة تفيض من قلوب المصلين؟ من المعقول افتراض أن هذه الترددات المتراكمة تترك بصماتها في البنية المعلوماتية للمادة، فتصبح الجدران حاملة لذاكرة صوتية وشعورية. إنها ليست مجرد جدران صماء، بل هي عود ضخم تتردد في أعماقه أصداء كل نشيدة وكل دعاء وكل همسة خاشعة ترددت في جنباته.

 

وهنا نصل إلى أعمق نقطة في هذا التأمل الفلسفي العلمي، ألا وهي جدلية الذاكرة المادية والبشرية. العلاقة بين الإنسان والمكان المقدس ليست علاقة منفعلة باتجاه واحد، بل هي تفاعل معقد ومستمر.

 

الإنسان يأتي إلى المسجد أو الكنيسة أو المعبد حاملًا شحناته النفسية والروحية، فيغمر المكان بها. ثم يأتي دور المكان الذي يمتص هذه الشحنات عبر القرون، ليعيد إرسالها إلى الإنسان الزائر. حين يدخل شخص إلى مسجد قديم، لا يواجه فراغًا محايدًا، بل يواجه كتلة هائلة من الذكريات الشعورية المتراكمة. المكان "يتحدث" إليه، ليس بكلمات مسموعة، ولكن بطريقة غير مباشرة، عبر ذلك الإحساس الغامر بالسلام أو الخشوع الذي يجتاحه.

 

بهذا المعنى، يدخل الإنسان والجماد في حوار صامت، يتبادلان فيه التأثير الشعوري. المادة تلتقط ما يصدر عن البشر من طاقات، ثم تعيد بثها لمن يأتي بعدهم. يصبح المكان المقدس أشبه ببطارية عملاقة تخزن الطاقة الروحية، أو بمرآة تعكس للمصلين ما تراكم فيها من تراث وجداني عميق. هذه الحلقة من التأثير والتأثر قد تفسر لماذا تشعر في بعض الأماكن المقدسة بسكينة لا تجدها في غيرها، ولماذا يبدو أن الهواء ذاته أثقل بالروحانية. ربما لا يكون الأمر وهمًا محضًا، بل واقعًا فيزيائيًا شعوريًا بدأ العلم للتو في اقتراب أسراره.

 

في نهاية هذا التأمل، لا نستطيع أن نقدم إجابة قاطعة. يبقى السؤال معلقًا بين رحابة الفلسفة وتواضع العلم التجريبي. لكن ما يمكن قوله هو أن الحدود الصلبة التي وضعناها بين الذات والموضوع، بين الإنسان والمادة، بين الروح والجماد، لم تعد بهذه الصلابة التي كنا نعتقد. ربما يكون العالم المادي أكثر حياة مما نتصور. ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا كانت الجدران تحفظ أسرار المصلين وتردد أصداءهم، فماذا عن قلوبنا نحن؟ وأي ذاكرة نخزنها في حجارتها كل يوم؟

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...