الهندسة
الرمزية
"ما
وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"
في صمت المتاحف
الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضاءة محسوبة بدقة، تتربع قطع أثرية لا تُقدر
بثمن. نظرة عابرة قد ترى فيها مجرد تحف قديمة، لكن من يُمعن النظر يرى عوالم كاملة
من المعنى والهوية والتاريخ. إنها ليست مجرد أشياء، بل جذور ممتدة في أعماق الوعي
الجمعي لأمم بأسرها. ومن هنا تحديدًا تبدأ اللعبة الكبرى، لعبة الهندسة الرمزية،
حيث تتحول المقتنيات المقدسة من موضوع للتبجيل إلى ساحة صراع ناعم، وأدوات لإعادة
تشكيل الذاكرة وصياغة المستقبل.
لم يعد الصراع
على هذه الرموز مجرد رغبة في التملك المادي، كما كان الحال في قرون سابقة حين كانت
الجيوش تغزو لتأخذ معها غنائم المعابد والقصور. اليوم، تجاوزت استراتيجيات القوى
الكبرى مرحلة "الاقتناء" البسيط إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وأعمق أثرًا:
مرحلة "الاستحواذ الرمزي". إنها عملية دقيقة تبدأ بالوضع المادي ليد على
قطعة أثرية، ولكنها لا تتوقف عند هذا الحد. الهدف الأسمى هو إعادة تأويل السردية
المرتبطة بهذه الرموز، وتفكيك شيفرة الاتصال الثقافي التي تجعلها أوتارًا تهتز لها
قلوب الملايين.
ولعل ما جرى
لمخطوطات "تمبكتو" في مالي خير مثال على ذلك. فبعد أن تعرضت للتهديد
خلال النزاعات المسلحة، انتقل كثير منها إلى مراكز بحثية غربية للترميم والدراسة.
هناك، تحولت هذه المخطوطات من نصوص حية يهتدي بها الناس في دينهم وحياتهم إلى مواد
أكاديمية تدرس ضمن سياق "تراث إنساني" جامد. تُنزع عنها هالة القداسة
لتصبح مجرد دليل على عظمة حضارة "تراثية جامدة"، لا عنصرًا فاعلًا في
تشكيل وعي حاضر.
بهذا الفعل،
يُعاد كتابة تاريخ الرمز، وتُصادر صلاحيته في التوجيه والإلهام، ليحل محله سردية
المتاحف الجديدة التي تمتلك أدوات العرض والتفسير. إنها سرقة للمعنى قبل أن تكون
سرقة للحجر أو الورق.
هذا الاستحواذ
الرمزي يأخذ أبعادًا أكثر خطورة حين تتسلح الهيمنة الثقافية بأدوات العصر الحديث.
فالتقنية، التي يُفترض فيها أن تكون جسرًا للتواصل ونشر المعرفة، تتحول هنا إلى
أداة ناعمة للهيمنة والتوسع. مشاريع "رقمنة التراث" العالمية الكبرى،
التي تهدف ظاهريًا إلى حفظ المخطوطات النادرة وصونها من الضياع، تحمل في طياتها
أبعادًا أخرى. عندما تمتلك مؤسسة كبرى النسخة الرقمية الوحيدة عالية الدقة لمخطوطة
دينية مقدسة، فإنها تحتكر حق الوصول إلى المعنى وتفسيره.
تأمل فقط مشروع
"مكتبة الفاتيكان الرقمية" الذي يضم آلاف المخطوطات النادرة، أو منصة
"Google
Arts & Culture" التي تؤرشف كنوزًا ثقافية من جميع
أنحاء العالم. يصبح الباحثون من بلدان المنشأ مضطرين للجوء إلى هذه المؤسسات
للحصول على "علم" تراثهم، وتُفرض عليهم شروط وتفسيرات قد تكون مجردة من
العمق الروحي الذي يعيشونه. التحليل المخبري للمواد المقدسة، كألياف ورق البردي أو
مكونات أحبار التوراة، لا يخدم فقط أغراض الترميم، بل يمنح المختبر الذي يجريه
سلطة علمية مطلقة لتأريخ القطعة وتحديد أصالتها. إنها عملية هيمنة ناعمة عبر
"علمنة" المقدس وتحويله إلى مادة قابلة للقياس والفحص المخبري، مما
يفرغه من شحنته الروحية ويضعه تحت المجهر البارد للسياق الأكاديمي الغربي.
وفي سياق متصل،
تتجه استراتيجيات الهندسة الرمزية نحو خلق رموز بديلة؛ أيقونات حديثة تُصنع في
مختبرات الإعلام والفكر لتزاحم الرموز التقليدية في الذاكرة الجمعية. هذه العملية
تشبه ما تفعله المياه الجوفية حين تنخر أساسات البناء القديم بهدوء. تُصنع أيقونات
جديدة، قد تكون شخصيات تاريخية أعيد اكتشافها بقراءة حداثوية، أو رموزًا معمارية،
أو حتى مفاهيم حقوقية معاصرة تُقدم كبديل "مضيء" عن الرموز الدينية التي
يُروَّج لها كونها "متطرفة" أو "جامدة".
خذ مثلًا شخصية
المسيح في بعض الإنتاجات الغربية المعاصرة. كثيرًا ما تُقدَّم اليوم كرمز ثوري
يساري، أو مدافع عن حقوق الإنسان، أو أيقونة للسلام العالمي المتسامح، في تجريد
واضح من لاهوته وقدسيته. الهدف ليس إلغاء الرمز القديم بقدر ما هو إزاحته تدريجيًا
من مركز الذاكرة الجمعية إلى هامشها، ليحل محله رمز جديد أكثر انسيابية وتوافقًا
مع السردية العالمية. هذا الصنع المتعمد للأيقونات يعيد تشكيل مرجعيات الأجيال
الجديدة، ويفصلهم عن جذورهم الرمزية العميقة، رابطًا إياهم برموز تحمل نفس الوظيفة
الروحية لكن بقالب علماني حديث: توجيه الوعي وتوحيد الطاقات حول مركز جديد.
في النهاية، يظل
الصراع على المقتنيات المقدسة حربًا خفية في طبقات المعنى. الرموز الدينية
والتراثية تحمل في طياتها ما هو أعمق من كونها قطعًا أثرية، إنها برامج مشحونة
بالطاقة الروحية والتاريخية، قادرة على توجيه مسارات المستقبل. تبقى هذه الرموز
كالألماس، كلما زاد الضوء المنعكس عليها، زادت أوجهها تألقًا. والسؤال الذي يطرح
نفسه: من يملك زاوية الضوء هذه اليوم؟ ومن سيحافظ على بريقها الأصيل، لا على
ظلالها المنعكسة على جدران متاحف الآخرين؟
جهاد غريب
فبراير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق