الأحد، 22 فبراير 2026

المناعة الشعورية: أدوات استعادة الوعي في زمن التيه

 

المناعة الشعورية

 

"أدوات استعادة الوعي في زمن التيه"

 




بعد هذا الغوص في أعماق الصراع على الرموز، وفي متاهات الذاكرة الكونية للمادة، وعلى تخوم معركة الانتباه الكبرى، يبرز سؤال مصيري: كيف نحمي وعينا في خضم هذا السيل الجارف من المؤثرات والتلاعب؟ كيف نصنع لأنفسنا حصانة ذاتية وجمعية تعصمنا من محاولات التنميط والاختراق الوجداني؟

 

هنا يتحول الكلام من التحليل إلى الفعل، من وصف الداء إلى اقتراح الدواء. إنها رحلة بحث في "المناعة الشعورية"، تلك القدرة التي يمتلكها الإنسان على حماية جوهره الروحي والفكري، مستلهمًا من سنن الله في الكون ومنهج النبوة دروسًا عملية تصلح لحاضرنا المضطرب.

 

تبدأ رحلة بناء المناعة من نقطة الارتكاز الأولى: العلاقة مع القرآن، ليس ككتاب يتلى فقط، بل كخارطة طريق وبوصلة توجه في زمن التشويش المعلوماتي. حين يقرأ المسلم آيات الله بتدبر، لا يكتسب معلومات جديدة فحسب، بل يدرب عقله على التمييز بين الحق والباطل، على رؤية الأنماط الخفية وراء الأحداث.

 

القرآن يعلم "السنن الإلهية" أي القوانين الثابتة التي تحكم سير التاريخ والمجتمعات. من يفقه هذه السنن يمتلك ناظورًا يرى به ما لا يراه الآخرون. يعلم أن للباطل جولة وللحق جولات، وأن العاقبة للمتقين، وأن الأمم لا تنهض إلا بأسبابها ولا تسقط إلا بذنوبها. هذا الفهم العميق يجعل الفرد أقل عرضة للتضليل الإعلامي، لأنه يمتلك معايير ثابتة يقيس بها الأحداث، لا ينجرف وراء كل موجة ولا يخدعه كل بريق.

 

حين يقرأ قوله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، لا يقرأ عزاءً نفسيًا فقط، بل يقرأ قانونًا وجوديًا: الإيمان يمنح علوًا معنويًا حتى في لحظات الضعف المادي. هذا اليقين يحصن النفس من اليأس، ويجعلها قادرة على رؤية النور في آخر النفق، مهما طال الظلام.

 

لكن المناعة الفردية وحدها لا تكفي، فالسيل الجارف لا يقاومه قشة منفردة، بل حزمة متماسكة. هنا تنتقل المسؤولية إلى المستوى الجمعي، إلى بناء مجتمع محصن شعوريًا. هذا المجتمع لا يُصنع بقرارات فوقية، بل بخطوات عملية تبدأ من الأسرة، المدرسة، المسجد، وحلقة الذكر.

 

ولدينا نماذج واقعية ناجحة يمكن الاستئناس بها. فحلقات تحفيظ القرآن المنتشرة في كل بقعة من العالم الإسلامي ليست مجرد فصول لتعليم التلاوة، بل هي حواضن تربوية حقيقية تبني شخصية النشء وتربطهم بهويتهم. كذلك تجربة "الأوقاف" عبر التاريخ الإسلامي، التي لم تكن فقط مؤسسات خيرية، بل كانت منظومة متكاملة لحماية الهوية وتمويل التعليم والرعاية الاجتماعية، ولا يزال إحياؤها ممكنًا اليوم. وعلى المستوى المعاصر، تقدم مؤسسات مثل "مركز دلائل" في الإمارات أو "المنتدى الإسلامي" في لندن نماذج لمؤسسات مجتمع مدني ناجحة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

 

أولى الخطوات العملية لبناء هذه المناعة الجمعية هي استعادة ثقافة "السؤال" و"النقد البناء"، حيث ينشأ الفرد على ألا يبلع كل ما يقدم له، بل يمتحنه بميزان الشرع والعقل. ثانيها: بناء شبكات تواصل بديلة، دوائر اجتماعية حقيقية تعوض عن العزلة التي تفرضها الشاشات، ففي الزمالة الإيمانية قوة ومنعة. ثالثها: الاهتمام باللغة العربية وإتقانها، لأنها وعاء الفكر وهويتها، وبضعفها تضعف القدرة على فهم النص الأصلي ومقاومة التغريب اللغوي.

 

المناعة الجمعية تحتاج إلى مشروع متكامل يشارك فيه الجميع، يشعر فيه كل فرد أنه جزء من نسيج كبير، وأن سقوط الآخر هو إنذار بسقوطه هو. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". هذا التكافل الشعوري هو الدرع الأعظم.

 

وإذا كنا نبحث عن ممارسات عملية تعيد للوعي استقلاليته، فإننا نجدها ماثلة في تاريخ الأمة وسيرة نبيها. فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم، عاشوا في مجتمع يموج بالفتن والمؤامرات، من كيد المنافقين في الداخل إلى مكائد المشركين واليهود في الخارج، ومع ذلك حافظوا على نقاء بصيرتهم وقوة إرادتهم.

 

تأمل في مصعب بن عمير، ذلك الشاب القرشي المدلل الذي ترك نعيم مكة ليذهب إلى المدينة يعلم الأنصار دينهم، فواجه صنوفًا من التحديات بصبر ويقين. أو سلمان الفارسي، الباحث عن الحقيقة الذي تنقل بين الأديان والأوطان، فلما وجدها في الإسلام ثبت عليها وواجه الفتن بحكمة وبصيرة. كيف فعلوا ذلك؟ كانوا يرتبطون بالوحي ارتباطًا يوميًا، يلتقون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيتزودون منه إيمانًا وعلمًا، ويتعاهدون أنفسهم بمدارسة القرآن، ويتواصون بالحق والصبر.

 

وعلى المستوى المعاصر، ثمة نماذج ملهمة للصمود في وجه محاولات الطمس. ففي الشيشان، استطاعت المساجد وحلقات الذكر أن تحافظ على الهوية الإسلامية رغم عقود من الإلحاد السوفيتي القسري. وفي الأزهر الشريف، شكلت هذه المؤسسة العريقة على مر القرون حصنًا للعقيدة الوسطية في وجه تيارات الغلو والتطرف من جهة، وموجات الإلحاد والعلمانية من جهة أخرى. هذه النماذج تؤكد أن الاستمرارية والثبات ممكنان مهما اشتدت التحديات.

 

من أبرز وسائل الاستعادة وأعظمها أثرًا مواسم الطاعات، وفي مقدمتها شهر رمضان. هذا الشهر الكريم ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل هو دورة تدريبية سنوية لإعادة ضبط البوصلة الروحية. فيه يصوم الجسد عن الشهوات لتنطلق الروح محررة من ثقل المادة. فيه تكثر الصلاة والذكر والقرآن، فتتجدد خلايا الإيمان في القلب. فيه يتدرب المسلم على التحكم في رغباته، فيستعيد سيطرته على نفسه بعد عام كامل من صخب الحياة. شهر رمضان محطة لتعزيز المناعة الشعورية، يخرج منها المسلم وقد أعاد شحن بطاريته الإيمانية.

 

لكن التحديات اليوم لم تعد تقليدية. فنحن نواجه خوارزميات توصية مصممة لحبسنا في فقاعات معلوماتية ضيقة، ومنصات مثل "تيك توك" تبرمج عقول أبنائنا على الإدمان القصير وتشتت الانتباه.

 

كما أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي وتقنيات "التزييف العميق" (Deepfakes) يجعل التمييز بين الحقيقة والكذب شبه مستحيل على من لا يمتلك أدوات نقدية راسخة. هنا تظهر أهمية التدبر القرآني ليس فقط كممارسة روحية، بل كآلية لتدريب العقل على النقد والتمييز، وهو ما تؤكده اليوم أبحاث علم النفس المعرفي التي تثبت أن الممارسات التأملية المنتظمة تزيد من قدرة الدماغ على مقاومة التضليل.

 

هذه الحقيبة من الأدوات ليست مجرد نصائح عابرة، بل هي استراتيجية بقاء في زمن التيه. زمن صارت فيه المعركة على الوعي هي المعركة الأم، ومن يخسرها يخسر كل شيء. لكن السنن الإلهية التي لا تتبدل تؤكد أن الرحمن لم يترك عباده سدى، بل أودع في فطرتهم وفي كتابه وفي سنة نبيه وفي تاريخ أمتهم ما يكفيهم لصنع مناعة لا تُقهر. المهم أن نعي حجم الخطر، وأن نأخذ الأسباب، وأن نثق بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا.

 

ما نحتاجه اليوم ليس أبطالًا خارقين، بل وعيًا جماعيًا يقظًا، وقلوبًا متعلقة بالله، وعقولًا تعمل على فهم سننه في الكون، وأجسادًا تصبر على الطاعة. عندها نكون قد بنينا لأنفسنا مناعة حقيقية، تجعلنا نعبر كل الفتن كالطير تعبر المطر، تبتل قليلًا ثم تنفض ريشها وتكمل الطيران، أقوى مما كانت، وأكثر إشراقًا.

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...