الاثنين، 2 مارس 2026

فقهُ المسافة: طمأنينةٌ لا تُجادل العاصفة

 

فقهُ المسافة

 

"طمأنينةٌ لا تُجادل العاصفة"




 

لا يبدأ القلق من الخارج، بل من اقترابٍ زائد.

العالم لا يقتحمنا دفعة واحدة، نحن من نفتح له الباب أكثر مما ينبغي.

 

في زمنٍ يضجّ بالأخبار، تختلط الأصوات حتى تفقد معانيها. كل حدثٍ يستدعي حدثًا، وكل خوفٍ يستولد خوفًا آخر. لا ينقص المشهد تفسير، بل ينقصه ميزان. من لا يملك مسافته، يبتلعه التفاصيل. ومن يبالغ في الانفصال، يفقد صلته بالحياة. بين الاندفاع والانسحاب، تنشأ منطقة ثالثة: وعيٌ يقف ولا يهرب.

 

المسافة ليست برودًا.

المسافة حرارةٌ منضبطة.

 

أن تقترب بقدر ما يليق، وأن تبتعد بقدر ما يحفظ القلب، ليس حيادًا سلبيًا، بل اختيارًا أخلاقيًا. ليست الحكمة أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف ما الذي يستحق أن يسكن صدرك. بعض الأخبار عابرة، لكن أثرها يبقى طويلًا إذا استقبلناه بلا حراسة. لذلك، لا يُقاس النضج بكمّ ما نتابع، بل بقدرتنا على ألا نُستدرج.

 

العاصفة لا تسأل من يقف أمامها.

لكنها تمرّ.

 

ما يثبت ليس من يقاومها بالصراخ، بل من يعرف أنها مؤقتة. الطمأنينة ليست إنكارًا لما يحدث، بل إدراكًا لحجمه الحقيقي. أن ترى الحدث بحجمه، لا أكبر منه ولا أصغر، تلك بداية الاتزان. من يضخّم كل موجة يظنها طوفانًا، ومن يستخفّ بها تفاجئه. بين التهويل والتهوين، يقف القلب متزنًا.

 

الطمأنينة لا تعني غياب الاضطراب.

تعني أن الاضطراب لا يقود.

 

في الداخل، مساحة لا تصلها نشرات عاجلة. هناك، يقيم سلامٌ لا يُعلن نفسه. لا يحتاج إلى تصفيق، ولا إلى شهادة. هو فقط باقٍ، مثل جذع شجرةٍ يعرف أن الفصول تتبدل. تتساقط أوراق، وتأتي أخرى، لكن الجذع لا يساوم على ثباته.

 

ليس كل ما يحدث يستحق أن يحدث فينا.

 

هذه الجملة ليست ترفًا، بل ضرورة. العالم واسع، لكن القلب أضيق من أن يحمل كل هذا الاتساع دفعة واحدة. من لا ينتقي ما يُدخله إلى داخله، يُثقل روحه بما لا طاقة لها به. الاختيار هنا ليس أنانيًا، بل رحيم. أن تحمي صفاءك ليس انسحابًا، بل حفاظ على القدرة على البقاء إنسانًا.

 

الإنسان لا يُختبر فقط بما يواجه،

بل بما يسمح له أن يؤثر فيه.

 

في لحظات الاضطراب، يكثر الكلام. كل رأيٍ يريد أن يكون صدىً أعلى من غيره. لكن الضجيج لا يمنح وضوحًا. أحيانًا يكون الصمت شكلًا من أشكال الفهم. لا لأننا لا نملك رأيًا، بل لأننا لا نريد أن نضيف طبقة أخرى من التشويش. الهدوء ليس ضعفًا، بل ثقة بأن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت.

 

هكذا يُفهم فقه المسافة.

 

أن تعرف متى تقترب، ومتى تتراجع خطوة. متى تتابع، ومتى تغلق النافذة. متى تشارك، ومتى تكتفي بالمراقبة. ليست المسألة في عدد الخطوات، بل في اتجاهها. خطوة إلى الداخل قد تكون أهم من عشرٍ إلى الخارج.

 

والعالم، مهما اشتدّ عصفه، لا يملك أن يسلبك هذا الاختيار. قد يرفع صوته، وقد يُكثر إشاراته، لكنه لا يستطيع أن يقتحم قلبًا تعلّم حدوده. من عرف حدّه، عرف حريته. ومن ضبط مسافته، لم يعد رهينة لكل موجة.

 

العاصفة تمرّ.

والثابت يبقى.

 

ليس الثبات حجرًا لا يشعر، بل جذورًا تشعر ولا تقتلع. أن تبقى واقفًا لا يعني أنك لا تتأثر، بل أنك لا تتبعثر. المسافة هنا ليست جدارًا بينك وبين العالم، بل جسرًا لا يسمح بالانهيار. تمرّ عليه الأحداث، لكنها لا تستقر.

 

وفي نهاية كل عصف، يبقى سؤال واحد: ماذا بقي فيك؟ إن بقي السلام، فقد أحسنت المسافة. وإن بقي الامتنان لما لم يقتحمك، فقد فهمت الحكمة. ليس المطلوب أن نغيّر حركة الريح، بل أن نثبت موضعنا منها.

 

أن تظل حاضرًا،

دون أن تُستهلك.

 

 

جهاد غريب

مارس 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هندسة الانكسار

  هندسة الانكسار   "في قلب الوجع... نورٌ"     هناك، حيث لا شيء يُنادى، يبدأ كل شيء يُسمّى.   في رحاب الفراغ الأرحب م...