الاثنين، 2 مارس 2026

الحنين... بوصلة!

 

الحنين... بوصلة!

 

"على حافة الضوء"

 

 




على حافة الضوء لا نقف لنرى أكثر، بل لنرى أقلّ.

الضوء الكامل يُعمي.

والعتمة الكاملة تُطمئن.

أما الحافة، فهي المكان الذي يتعلّم فيه البصر كيف يكون بصيرًا.

 

هناك تمتدّ اليد.

لا لتقبض، بل لتسأل.

 

اليد التي تسأل لا تشير إلى الأشياء، بل إلى ما بين الأشياء. تلامس الهواء كما لو أنه يحمل معنى مؤجّلًا. لا تبحث عن جواب، بل عن اتجاه. فبعض الأسئلة لا تريد حلًّا، بل موضعًا تقف فيه بثبات. سؤالٌ لا يريد جوابًا هو سؤالٌ يريد حضورًا.

 

الحضور ليس امتلاء.

الحضور انتباه.

 

وحين تنتبه، تسمع ما لا يُقال. تسمع الريح وهي تمرّ بين الكلمات، لا فوقها. الريح التي تتذكّر لا تعود إلى الأمس، بل تعيد الأمس إلى موضعه الصحيح. لا تقتلع، بل تُعيد ترتيب الغبار. لا تصرخ، بل تُذكّر. في هبوبها الخفيف، ينكشف أن الذاكرة ليست أرشيفًا، بل اتجاهًا.

 

الحنين لا يشير إلى الوراء.

الحنين يشير إلى الداخل.

 

نخطئ حين نظنه استدعاءً لما مضى. هو في حقيقته اختبار لما بقي. ما الذي ظلّ حيًا رغم الغياب؟ ما الذي لم تُطفئه الأيام؟ الحنين إصبع خفيّ يلمس القلب ليتأكد أنه ما زال دافئًا. دفءٌ لا يُشبه الشمس، لأنه لا يأتي من علٍ، بل من عمق. ليس حرارة، بل طمأنينة. ليس اشتعالًا، بل استمرارًا.

 

على الحافة، تتغيّر المقاييس.

 

القرب لا يُقاس بالمسافة.

والبعد لا يُقاس بالخطوات.

ثمة أشياء بعيدة تسكنك، وأشياء قريبة لا تعرف اسمك. اليد التي تسأل تفهم هذا مبكرًا، فلا تُسرع. هي تعرف أن السؤال الذي يُطرح بعجلة، يُجاب بعجلة. وأن الجواب السريع غالبًا ما يُغلق ما كان يجب أن يبقى مفتوحًا.

 

ليس كل كشفٍ وضوحًا.

وليس كل غموضٍ نقصًا.

 

أحيانًا يكون الضوء رحيمًا حين يتراجع. يترك للعين فرصة أن تتدرّب. أن ترى التفاصيل الصغيرة التي كانت تضيع في الفيض. على الحافة، يتعلّم الإنسان أن لا يطلب الحقيقة دفعة واحدة. الحقيقة التي تُعطى كاملة تُسقِط صاحبها. أما التي تأتي على قدر السؤال، فتُقيمه.

 

الريح تمرّ مرة أخرى.

لا تغيّر المشهد.

تغيّر القارئ.

 

ما كنتَ تراه طريقًا، يصير أثرًا. وما كنتَ تراه نهاية، يصير منعطفًا. الريح التي تتذكّر لا تحملك إلى مكان، بل تعيدك إلى نفسك. تذكّرك بأنك لم تكن تبحث عن الضوء، بل عن موضعك فيه. أن تكون على الحافة لا يعني أنك خارج المعنى، بل أنك تختار المسافة التي تحميه وتحميك من الاحتراق.

 

اليد التي تسأل ترتجف أحيانًا.

لا من خوف، بل من وعي.

 

الوعي ليس طمأنينة دائمة. هو حساسية. أن تشعر بالفرق بين ما يلمع وما يضيء. بين ما يدهشك وما يثبتك. الضوء قد يدهشك، لكن الدفء هو ما يثبتك. لذلك، لا تطلب أن ترى كل شيء. اطلب أن تبقى قادرًا على الرؤية.

 

سؤالٌ لا يريد جوابًا يعلّمك الصبر. يعلّمك أن بعض الأبواب لا تُفتح، لأنها ليست أبوابًا. هي مرايا. تقف أمامها طويلًا، حتى تدرك أن الذي كان يطرق هو أنت. وأن الحافة لم تكن حدًّا بينك وبين العالم، بل بينك وبين استعجالك.

 

حيث يشير الحنين، لا تمشِ سريعًا.

امشِ خفيفًا.

 

الحافة ليست مكانًا للسقوط، بل مكانًا للتوازن. الضوء ليس غاية، بل رفقة. واليد التي تسأل لا تعود فارغة، حتى إن لم تحمل جوابًا. يكفيها أنها لم تعد تخاف السؤال.

 

فليس المهم أن تعبر إلى الضفة الأخرى،

بل أن تعرف لماذا تقف هنا —

على حافة الضوء،

مطمئنًا،

لا لأنك وجدت الجواب،

بل لأنك لم تعد تطارده.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحنين... بوصلة!

  الحنين... بوصلة!   "على حافة الضوء"     على حافة الضوء لا نقف لنرى أكثر، بل لنرى أقلّ. الضوء الكامل يُعمي. والعتمة...