سياسة
الانتباه
"من
السيطرة على الأجساد إلى هندسة الوعي"
ثمة تحول صامت
يحدث في أعماق المجتمعات البشرية، تحول لا تلتقطه عدسات الكاميرات ولا تعلن عنه
البيانات الرسمية، لكنه يتسرب بهدوء إلى الخلايا العصبية ومسارات التفكير. لقد
تجاوزت آليات السيطرة حدود السيطرة على الأجساد بالجدران والأسوار والأسلاك
الشائكة، لتستهدف ما هو أخطر وأعمق: الانتباه البشري، ذلك المورد النادر الذي صار
معركة الوجود الجديدة.
لم تعد القوة
تقاس بعدد الدبابات أو مساحة الأرض، بل بعدد الساعات التي يقضيها العقل البشري
أسيرًا لشاشة هنا أو منصة هناك، وبالقدرة على تشكيل رغباته ومخاوفه وطموحاته دون
أن يشعر.
تبدأ القصة من
داخل المجتمعات نفسها، من تلك الهشاشة الداخلية التي تجعل الأمة جاهزة للاختراق
قبل أن يأتيها المخترق من الخارج. حين تتفكك الروابط الاجتماعية، وتتلاشى الثقة
بالمؤسسات التقليدية، وتصبح الهوية الجمعية مهزوزة مشتتة، هنا تنفتح ثغرات عميقة
في الجدار الجماعي. علم الاجتماع يسمي هذا "تراجع رأس المال الاجتماعي"،
وهو المفهوم الذي طوره العالم روبرت بوتنام ليصف كيف أن المجتمعات التي تضعف فيها
شبكات العلاقات والثقة المتبادلة تصبح أكثر عرضة للتفكك والاختراق.
المجتمعات التي
تفقد بوصلتها الأخلاقية، أو تغرق في الاستهلاكية الفارغة، أو تنشغل بصراعات هامشية
على حساب بناء مناعتها الفكرية، إنما تهيئ أرضها لتنمو فيها بذور السيطرة
الخارجية.
ليس المستعمر
الجديد من يغزو بالدبابات، بل من يجد أرضًا خصبة من التشتت والفراغ الروحي
والمعرفي، فيزرع فيها تطبيقاته ومنصاته وأدواته، لتصبح الشعوب وكأنها تختار
العبودية الرقمية بيدها. المفارقة أن الضحية لا يشعر بأنه ضحية، بل يظن أنه يمارس
حريته حين يمنح وقته وانتباهه طواعية لمن يسرقه منه. إنه استعمار بلا جنود، وسيطرة
بلا احتلال، تستبدل الخندق بالخوارزمية، وتستبدل الرصاصة بالإشعار الذي لا يتوقف.
هنا نقف أمام ما
يمكن وصفه بالتحول الأكثر دقة في تاريخ السيطرة البشرية: الانتقال من الرقابة
الفيزيائية إلى الاستعمار الرقمي للوعي. "الغرف السوداء" في الماضي كانت
أماكن حقيقية، زنازين مغلقة، ملفات سرية، عملاء يتجسسون على تحركات الناس. اليوم،
الغرف السوداء لم تعد مكانًا، بل أصبحت آلية. إنها الخوارزميات التي تراقب كل
نقرة، وتيرة كل تمريرة إصبع على الشاشة، الوقت الذي تتوقف عنده العين عند صورة أو
خبر. البيانات الضخمة هي الجاسوس الجديد، والتطبيقات المجانية هي أداة الاختراق
المثالية، لأن الناس يدفعون ثمن "المجانية" بأغلى ما يملكون: انتباههم
وبياناتهم الحميمة.
لعل أشهر تجسيد
لهذا الخطر كان قضية "كامبريدج أناليتيكا" عام 2018، حيث استُخدمت بيانات 87 مليون مستخدم لفيسبوك في بناء نماذج نفسية
دقيقة استهدفت الناخبين برسائل مخصصة للتأثير على انتخابات الرئاسة الأمريكية
واستفتاء بريكست. لم تكن العملية دعاية تقليدية، بل كانت تلاعبًا بالترددات
الشعورية عبر توقيت دقيق ومحتوى مخصص، يهدف إلى استحضار غضب أو خوف أو حماسة لدى
فئات محددة من الناس.
وكشفت الوثائق
المسربة التي قدمتها الموظفة السابقة في فيسبوك فرانسيس هوغن أن خوارزميات المنصة
صُممت أصلًا لتعزيز المحتوى التحريضي، لأنه الأكثر قدرة على إطالة زمن المشاهدة،
وبالتالي زيادة الربح الإعلاني.
هل تريد أن تغضب
جمهورًا؟ قدم لهم محتوى يستفزهم في وقت ذروة التعب. هل تريد أن تطفئ حماسة أمة؟
أشعل أمامها متاهات من المحتوى الترفيهي السطحي. ما كان حلمًا لأورويل في روايته
"1984" صار واقعًا تقنيًا دقيقًا، لكن مع
اختلاف جوهري: في رواية أورويل كان "الأخ الأكبر" يراقبك رغمًا عنك، أما
اليوم فأنت من تضع الكاميرا في غرفة نومك طواعية.
وإذا كان التلاعب
بالانتباه هو الهدف المباشر، فإن الهدف الأبعد يكمن في مشروع "تبديل
الخلق"، أي إعادة تشكيل الفطرة الإنسانية ذاتها. حين تتحكم في ما يراه
الإنسان وما يسمعه، حين تكرر أمامه رسائل معينة عن الحب والكراهية، عن الخير
والشر، فإنك لا تقدم معلومات فقط، بل تعيد برمجة نظامه القيمي.
علم الأعصاب يؤكد
اليوم مفهوم "المرونة العصبية" (Neuroplasticity)،
أي أن الدماء يتغير تركيبيًا استجابة للتجارب المتكررة. الطفل الذي ينشأ على
مشاهدة محتوى عنيف أو مشوه للقيم، لا يكتسب معلومات جديدة فحسب، بل تتشكل دوائره
العصبية بطريقة تجعل العنف أو الفجور أمرًا عاديًا.
بل إن عالم النفس
باري شوارتز كشف في تجربته عن "مفارقة الاختيار" (Paradox of
Choice) أن وفرة الخيارات الهائلة -التي تقدمها المنصات الرقمية- لا تؤدي
إلى حرية أكبر، بل إلى شلل في اتخاذ القرار وقلق مزمن، مما يجعل الإنسان أكثر
استعدادًا للخضوع لأي جهة تريحه من عبء الاختيار.
إنه تغيير في
"البرنامج البشري" نفسه، محاولة لإنتاج إنسان جديد، منفصل عن جذوره
الروحية، مفصول عن فطرته، سهل الانقياد والاستهلاك. هنا يلتقي التلاعب بالانتباه
مع أخطر مشاريع الهندسة الاجتماعية، حيث لم تعد الغاية مجرد كسب مادي، بل إعادة
خلق الإنسان على صورة تخدم مشاريع الهيمنة الجديدة.
لكن السؤال الذي
يطرح نفسه: هل نحن أمام مؤامرة ممنهجة بوعي كامل، أم أن هذه النتائج هي تراكم غير
مقصود لتطور رأسمالي متوحش؟ ربما يكون الجمع بين الاثنين، فما يهم في النهاية هو
النتيجة: تحويل الإنسان إلى سلعة، وانتباهه إلى وقود يغذي آلات الربح العملاقة.
هذه المعركة
الخفية على الوعي البشري تكاد تكون الأخطر في تاريخ البشرية. حين تستيقظ أمة لتجد
أن أبناءها يقضون ست ساعات يوميًا في متاهات رقمية، وأن لغتها تتراجع أمام لغات
الآخرين، وقيمها تذوب في خضم قيم عالمية سطحية، وأن شبابها يحلمون بحياة مشاهير
التيك توك أكثر من العلم أو الاختراع، حينها تدرك أن الاحتلال تم بالفعل، لكن بلا
جندي واحد على أرضها. سياسة الانتباه هي الوجه الجديد للاستعمار.
لكن الوعي بهذا
الاحتلال هو بداية التحرر. فكما أن الخوارزميات تُصمم لسرقة الانتباه، يمكن
للإرادة الجمعية أن تُصمم برامجها الخاصة للاستعادة. السؤال الذي يبقى مفتوحًا: من
ينتصر في معركة انتباهك أنت؟ الخوارزميات المصممة في وادي السيليكون، أم النداء
الخفي لفطرتك التي لم تُخلق لتكون مجرد مستهلك، بل إنسانًا يبحث عن معنى؟
جهاد غريب
فبراير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق