سرّ
الحجب
"في
نعمة ما لم يُكشف"
ليس كل ما يُحجب
نقصًا.
بعض الحجب رحمة
لا تُرى من الجهة الأخرى.
نحن نخطئ حين نظن
أن المعرفة ضوءٌ دائم، وأن كل ما خفي يجب أن يُكشف. كأن الوجود لغز ناقص لا يكتمل
إلا إذا عُري بالكامل. لكن ثمة أشياء لا تُحجب لأنها أقل قيمة، بل لأنها أثقل من
أن تُحتمل دفعة واحدة. الحجب هنا ليس جدارًا، بل توقيت. ليس إنكارًا، بل عناية
صامتة.
في البدء، لا
يظهر السؤال.
يظهر ظلّه.
ظلّ السؤال هو ما
يسبق الوعي به. هو ذلك الارتباك الخفيف الذي لا نعرف مصدره، كأن شيئًا فينا يتحرك
قبل أن نولد. وذلك الانزعاج النبيل الذي لا يجد اسمًا. لا نسأل لأننا نريد جوابًا،
بل لأن شيئًا فينا شعر أن الجواب، لو قُدّم الآن، سيفسد التكوين. بعض الأسئلة لا
تُطرح احترامًا، ربما خوفًا.
الجهل، في هذه
اللحظة، ليس فقرًا.
الجهل ستر.
نعمة الجهل لا
تعني العمى، بل تعني أن العين لم تُدعَ بعد. أن ترى قبل أوانك يشبه أن تقطف ثمرة
لم تكتمل: الطعم موجود، لكن المعنى ناقص. لذلك، تُبقي الحياة بعض الأبواب مواربة،
لا لتمنعك، بل لتؤجلك. في هذا التأجيل، تنمو القدرة على الاحتمال.
ما لم يُكشف لا
يغيب.
هو يعمل في
العمق.
الأشياء الخفية
لا تصمت، بل تُعيد ترتيب الداخل. تعمل ببطء، بلا ضجيج، كالجذور. لا تطلب انتباهًا،
ولا تفرض تفسيرًا. حضورها هادئ، لكنه فعّال. وحين يحين الوقت، لا تأتي كصدمة، بل
كألفة متأخرة: كأنك كنت تعرفها، دون أن تتذكر متى.
في هدوء ما خفي،
تتربى الروح.
الضجيج يعلّم
السرعة، لكن الخفاء يعلّم الوزن. ما يُكشف سريعًا يُستهلك سريعًا، وما يُخفى
طويلًا يتراكم فيه المعنى. ليس كل وضوح حكمة، وليس كل غموض نقصًا. أحيانًا يكون
الغموض شكلًا أرقى من الصدق، لأنه لا يدّعي الاكتمال.
ثم يأتي الإدراك
- خفيفًا، لا كاشفًا.
لا تنقشع الستارة
فجأة. إنها تُرفع ببطء، حتى لا يُصعق النظر.
وهنا نفهم: أن
الحجب لم يكن ضدنا. كان يعمل معنا، دون أن ننتبه.
ما لم يُكشف في
وقته، لم يكن غائبًا، بل كان يُعدّنا. كان يعلّمنا كيف لا ننهار حين نعرف. كيف
نُبقي السؤال حيًا دون أن نختنق به. كيف نحتمل أن نعيش فترة بلا إجابة، دون أن
نُسمّي ذلك خسارة.
ظلّ السؤال لا
يطلب حلًّا.
يطلب سعة.
في السعة، يتغيّر
السؤال نفسه. لا يعود استجوابًا، بل رفقة. لا يعود قلقًا، بل مؤشرًا. من عاش
طويلًا في ظل السؤال، لا يخاف من انكشافه، لأنه لم يعد ينتظر منه خلاصًا، بل فهمًا
أهدأ.
وهكذا، حين يُكشف
ما كُتب له أن يُكشف، لا يأتي كفتحٍ عظيم، بل كاستمرار. كأنك لم تصل، بل عدت. لا
تصفق الروح، ولا تحتفل. تبتسم فقط، لأنها أدركت أن بعض الحقائق لا تُدهش… بل
تُسكن.
ليس كل ما نجهله
عدوًا.
وليس كل ما نعرفه
مكسبًا.
الحكمة ليست في
كثرة الكشف، بل في احترام ما لم يُكشف بعد. في أن نعرف متى نسأل، ومتى نصمت، ومتى
نترك للسؤال ظله، كي لا يحترق الجواب.
فليس في الحياة
أن تُقال لك الحقيقة كاملة، لكن فيها أن تُعطى بقدر ما تستطيع أن تبقى بعدها:
إنسانًا، غير مكسور، تمشي.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق