مرآة
تعكس ما اعتدت رؤيته
"صورة
نصدقها… وهي لم تعد تشبهنا"
ليست المشكلة في ما نحن عليه،
بل في الطريقة التي نراه بها.
هناك، في الداخل، مرآة لا تُرى.
لا تُعلّق على جدار،
ولا نقف أمامها بوعي،
لكننا نعود إليها في كل مرة
نحاول فيها أن نُعرّف أنفسنا.
هذه المرآة لا تعكس الحاضر كما هو،
بل تعيد إنتاج صورة تشكّلت ببطء،
طبقة فوق طبقة،
موقف فوق موقف،
إلى أن أصبحت تبدو ثابتة…
كأنها حقيقة.
لكنها، في جوهرها،
ليست قرارًا اتُّخذ،
بل نتيجة تراكم طويل
لم يُراجَع.
نقول: “أنا هكذا”،
دون أن نتذكر متى بدأ هذا التعريف،
ولا كيف استقر،
ولا لماذا لم يتغير
رغم أن كل شيء حوله تغيّر.
هنا يظهر الفرق الدقيق، لكنه حاسم:
بين من نكون،
وما نعتقد أننا نكون.
الأول متحرك،
يتبدل مع التجربة،
يتوسع مع الفهم.
أما الثاني…
فيميل إلى الثبات،
لا لأنه حقيقي،
بل لأنه مألوف.
وهنا تبدأ المفارقة.
قد تتغير ظروف الإنسان،
تتسع خبراته،
تختلف أدواره،
لكنه يستمر في رؤية نفسه
من خلال نفس الإطار القديم.
كأن المرآة لا تلتقط التغير،
بل تفرض صورة مسبقة
على كل ما يمر أمامها.
هذه هي آلية التثبيت الخفية.
نحن لا نرى أنفسنا كما نحن الآن،
بل كما اعتدنا أن نكون
في وعيٍ سابق.
ثم نعيد تفسير كل تصرف جديد
بما يتوافق مع تلك الصورة.
إذا نجحنا، نقول: صدفة.
إذا تقدمنا، نقلل من شأن الخطوة.
إذا تغيّرنا، نعيد تأويل التغير
ليبقى داخل حدود التعريف القديم.
ليس لأننا نرفض التغير،
بل لأن المرآة
لا تعرف كيف تعكسه.
وهنا، لا يكون الواقع هو ما يقيدنا،
بل العدسة التي ننظر من خلالها.
لحظة الإدراك
لا تأتي كاكتشاف كبير،
بل كاختلال بسيط في الانسجام.
حين لا تعود الصورة مقنعة بالكامل.
حين نشعر أن هناك فجوة
بين ما نعيشه،
وما نقوله عن أنفسنا.
حين لا يعود الوصف الذي نستخدمه
كافيًا لاحتواء ما أصبحنا عليه.
هناك، يحدث الشرخ.
ليس في الذات،
بل في المرآة.
ندرك—ببطء—
أن المشكلة لم تكن يومًا في قدرتنا،
بل في الإطار الذي حصرناها فيه.
لكن الإدراك وحده لا يكفي.
فالمرآة، حتى وهي مشروخة،
تستمر في إعادة نفس الصورة،
إلى أن نتدخل بوعي.
وهنا تبدأ العملية الأكثر تعقيدًا:
إعادة البناء.
لا عبر استبدال صورة بصورة،
بل عبر تفكيك ما نعتقد أنه ثابت.
أن نسأل:
ما الذي يجعلني أرى نفسي بهذه الطريقة؟
أيّ تفسير أكرّره دون أن أراجعه؟
وأيّ جانب منّي
لم أسمح له أن يظهر
لأنه لا يتوافق مع الصورة القديمة؟
هذه الأسئلة لا تهدمنا،
بل تفتح مساحات لم تكن مرئية.
شيئًا فشيئًا،
نبدأ في إعادة تركيب المرآة،
لا لتكون مثالية،
بل لتكون صادقة بما يكفي
لتعكس التغير.
نجرّب أن نرى أنفسنا
في موقف جديد
دون أن نعيده فورًا
إلى التعريف القديم.
أن نسمح لفعل مختلف
أن يبقى مختلفًا،
دون أن نُخضعه لتفسير مألوف.
وهنا فقط،
يبدأ التحول الحقيقي.
ليس لأننا تغيّرنا فجأة،
بل لأننا توقفنا
عن رؤية أنفسنا
بنفس الطريقة القديمة.
التصرفات لا تتغير أولًا،
بل التعريف.
وحين يتغير التعريف،
تتبعه الأفعال
دون جهد مُفتعل.
نجد أنفسنا نتصرف بشكل مختلف،
ليس لأننا نحاول،
بل لأننا لم نعد نرى أنفسنا
كما كنا نراها.
وهذا هو الفارق الجوهري.
أن تتصرف بطريقة جديدة،
وأنت ما زلت تؤمن
أنك الشخص القديم،
يعني أنك ستعود.
أما أن ترى نفسك بشكل مختلف،
فهذا يعني أن العودة
لم تعد منطقية.
وفي النهاية،
لا نحصل على صورة نهائية،
ولا تعريف مكتمل.
بل على شيء أكثر هدوءًا…
وأكثر ثباتًا.
نسخة لا تحتاج أن تُثبت نفسها،
ولا أن تُقنع أحدًا،
ولا أن تدافع عن ذاتها.
نسخة لا تسأل:
“هل أنا كما يجب أن أكون”
بل تعيش،
وتدع أفعالها تعكسها،
دون أن تعود كل مرة
إلى المرآة لتتأكد.
وهنا فقط،
لا تعود المرآة سلطة،
بل أداة.
تعكس…
ولا تُقرّر.
جهاد
غريب
أبريل
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق