الثلاثاء، 21 أبريل 2026

ما لا تصل إليه الضوضاء

 

ما لا تصل إليه الضوضاء

 

"سلامٌ لا يعتمد على هدوء العالم"



 

 

ليس السلام ما يحدث حين يصمت العالم. 

فالعالم لا يصمت.

 

الضجيج يتبدل فقط، 

يتحوّل من شكل إلى آخر، 

ومن صوت إلى صوت، 

لكنه لا يغيب تمامًا.

 

ومع ذلك… 

هناك من يعيش وسط هذا كله، 

ولا يتكسّر.

 

ليس لأنه محاط بظروف أفضل، 

ولا لأنه نجا من الفوضى، 

بل لأنه يحمل في داخله مساحة 

لا تصلها هذه الفوضى.

 

السلام، في جوهره، 

لا يُستورد من الخارج، 

ولا يُبنى على هدوء مؤقت في المحيط. 

هو حالة داخلية 

تتشكل رغم ما يحدث… لا بسببه.

 

وهنا يبدأ الالتباس.

 

كثيرًا ما نخلط بين غياب الصراع 

ووجود السلام. 

نظن أن الهدوء الخارجي كافٍ، 

أن عدم الاحتكاك يعني الاستقرار، 

أن الابتعاد عن التوتر… هو الحل.

 

لكن ما يُؤجل… 

لا يختفي.

 

الصراعات التي لا تُواجه 

تتراجع إلى الداخل، 

تتراكم في طبقات أعمق، 

وتستمر—بهدوء—في تشكيل ردود أفعالنا، 

في توجيه مشاعرنا، 

في خلق فوضى لا نراها مباشرة، 

لكننا نعيش آثارها.

 

الفوضى الخارجية، في كثير من الأحيان، 

ليست سوى امتداد لما لم يُحسم في الداخل.

 

والسلام، لذلك، 

لا يبدأ من الخارج… 

بل من مواجهة هذه الطبقات.

 

ليس مواجهة صاخبة، 

ولا محاولة لفرض السيطرة، 

بل اقتراب هادئ 

ننظر فيه إلى ما تجنبناه طويلًا.

 

أن نجلس مع ما يزعجنا 

دون أن نهرب منه. 

أن نصغي لما في الداخل 

حتى حين لا يكون مريحًا.

 

هذه الرحلة ليست سهلة، 

لأنها تُسقط أوهامًا كثيرة: 

أوهام أننا متماسكون دائمًا، 

أو أننا نفهم أنفسنا بالكامل، 

أو أن ما نشعر به واضح وبسيط.

 

لكن ما يظهر في هذه المواجهة 

ليس ضعفًا… 

بل حقيقة.

 

ومع كل حقيقة تُرى كما هي، 

يحدث شيء صغير… 

لكن عميق.

 

تتسع الرؤية.

 

نبدأ في فهم أن التناقض جزء من طبيعتنا، 

وأن التوتر ليس دائمًا عدوًا، 

وأن ما نحاول قمعه 

قد يكون بحاجة إلى أن يُفهم، لا أن يُلغى.

 

هذا الاتساع لا يزيل الصراع فورًا، 

لكنه يغيّر حدّته.

 

لم نعد نحاربه بنفس العنف، 

ولا نخافه بنفس الدرجة، 

ولا نُفسّره كتهديد مطلق.

 

وهنا يتحول السلام من فكرة… 

إلى ممارسة.

 

ليس حالة نصل إليها ثم نبقى فيها، 

بل فعلًا يتكرر.

 

أن نختار، كل مرة، 

أن لا ننجرّ بالكامل خلف ما يضطرب فينا. 

أن نمنح أنفسنا مساحة 

بين ما نشعر به… وما نفعله.

 

أن نهدّئ، 

لا لأن العالم هدأ، 

بل لأننا تعلمنا كيف لا ننفعل مع كل موجة.

 

هذا الاختيار، 

حين يُمارس باستمرار، 

يبني تلك المساحة الصامتة في الداخل.

 

مساحة لا تُلغي الضجيج، 

لكنها لا تسمح له أن يسيطر.

 

مساحة يمكننا أن نعود إليها 

كلما اشتد كل شيء في الخارج، 

وكلما ازدحم كل شيء في الداخل.

 

ومع الوقت، 

لا يبقى السلام محصورًا داخلنا.

 

لا كفعل مقصود، 

ولا كمحاولة للتأثير، 

بل كنتيجة طبيعية.

 

أن من يجد هذه المساحة 

يحملها معه. 

في صوته، 

في حضوره، 

في طريقته في التعامل مع ما يحدث.

 

لا يفرض هدوءه، 

ولا يعلنه، 

لكنه يصبح ملموسًا.

 

كأن شيئًا من الضجيج 

يفقد حدّته… حين يمرّ عبره.

 

وهنا، 

لا يكون السلام هروبًا من العالم، 

ولا انسحابًا منه، 

بل طريقة مختلفة للوجود فيه.

 

طريقة لا تلغي الفوضى، 

لكنها لا تُسلم لها.

 

طريقة تبدأ من الداخل، 

وتتسع… 

حتى تمسّ ما حولها، 

دون أن تحاول.

 

وهذا، في جوهره، 

ليس نهاية رحلة، 

بل بداية شكل جديد منها:

 

أن تعيش، 

وفي داخلك 

مساحة… 

لا تصلها الضوضاء.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرآة تعكس ما اعتدت رؤيته

  مرآة تعكس ما اعتدت رؤيته   "صورة نصدقها… وهي لم تعد تشبهنا"     ليست المشكلة في ما نحن عليه،   بل في الطريقة التي نر...