الأربعاء، 22 أبريل 2026

على حافة الضوء

 

على حافة الضوء

 

"العزلة زمنٌ مؤجَّلٌ للحضور"

 



 

كان يقف دائمًا هناك… 

لا في الظل تمامًا، ولا في الضوء. 

في تلك المسافة الرقيقة التي تسمح له أن يرى كل شيء، 

دون أن يراه أحد.

 

لم يكن مختبئًا، 

ولم يكن غائبًا. 

كان حاضرًا بطريقته الخاصة؛ 

حضورًا لا يترك أثرًا واضحًا، 

ولا يطالب بأن يُلتفت إليه.

 

العزلة، في حالته، 

لم تكن انسحابًا من العالم، 

بل شكلًا آخر من أشكال البقاء فيه. 

كأنه اختار أن يؤجل ظهوره، 

أن يمنح نفسه وقتًا أطول 

ليصير ما لم يتشكل بعد.

 

في الداخل، كان هناك عالم كامل: 

تفاصيل لا تُحصى، 

أفكار تتشابك، 

مشاعر تتكاثر في صمت، 

صور تتكوّن ثم تتلاشى دون أن تُقال. 

كان يعيش امتلاءً لا يُرى، 

فيضًا داخليًا لا يجد طريقه إلى الخارج.

 

وهنا بدأ التناقض يتشكل بهدوء.

 

كلما ازداد عمقًا من الداخل، 

ازداد اختفاؤه من الخارج. 

كلما اتسعت مساحته الداخلية، 

ضاقت ملامحه في أعين الآخرين.

 

لم يكن هذا يؤلمه دائمًا، 

لكنه كان يترك أثرًا خفيفًا… 

كحافة سؤال لا يكتمل:

 

هل يكفي أن أكون ممتلئًا في داخلي، 

إن لم يلمس هذا الامتلاء أحد؟

 

لم يكن يبحث عن إجابة. 

كان يواصل العيش على الحافة، 

يرى، يفهم، يلاحظ… 

دون أن يتقدم خطوة.

 

إلى أن حدث شيء لا يُشبه القرارات.

 

لم يكن إعلانًا، 

ولا رغبة واضحة، 

بل نداءً صامتًا؛ 

كأن شيئًا في الداخل 

لم يعد يكتفي بأن يُرى من الداخل فقط.

 

لم يكن مستعدًا تمامًا، 

ولم يكن يعرف كيف، 

لكنه شعر—لأول مرة— 

أن البقاء على الحافة لم يعد كافيًا.

 

خطوته الأولى لم تكن واثقة؛ 

كانت أقرب إلى انزلاق خفيف نحو الضوء.

 

وهناك… 

حدث الارتباك.

 

الضوء لم يكن قاسيًا، 

لكن التعرض له كان جديدًا. 

الأصوات بدت أعلى، 

التفاصيل أكثر كثافة، 

والحضور نفسه كان شعورًا غير مألوف.

 

أن تكون مرئيًا… 

ليس أمرًا بسيطًا لمن اعتاد أن يكون مراقبًا فقط.

 

في تلك اللحظة، 

لم يكن الصراع مع العالم، 

بل مع الإحساس المفاجئ بالانكشاف. 

كأن الداخل الذي كان آمنًا في صمته، 

صار فجأة بلا جدران.

 

تردد، 

تراجع قليلًا، 

كاد يعود إلى مكانه القديم، 

إلى تلك الحافة التي يعرفها جيدًا.

 

لكن شيئًا ما لم يسمح له.

 

ربما لأنه، بعد أن خطا، 

لم يعد يرى العزلة كما كانت. 

لم تعد مساحة اختيار خالص، 

بل صارت أيضًا حدًّا 

لما يمكن أن يكونه.

 

فبقي.

 

ليس بثبات كامل، 

بل بمحاولات صغيرة، 

باقترابات مترددة من الضوء، 

وانسحابات قصيرة حين يشتد عليه الشعور.

 

شيئًا فشيئًا، 

بدأ يكتشف أن الحضور 

لا يعني أن يتغير كليًا. 

لا يعني أن يصبح صاخبًا، 

ولا أن يتخلى عن عمقه 

ليكون مفهومًا بسرعة.

 

الحضور… كان شيئًا آخر.

 

أن يبقى كما هو، 

لكن في مساحة يمكن أن يُرى فيها. 

أن يسمح لما في داخله أن يخرج 

دون أن يفقد شكله. 

أن لا يختبئ… 

دون أن يتخلى عن هدوئه.

 

بدأ الضوء يتغير أيضًا.

 

لم يعد مساحة تهديد، 

بل مساحة تفاعل. 

لم يعد يكشفه فقط، 

بل يمنحه امتدادًا.

 

صار يرى نفسه 

في انعكاس ما يصل منه إلى الخارج، 

لا كصورة مشوهة، 

بل كجزء من اكتمال 

لم يكن ممكنًا في العزلة وحدها.

 

ومع الوقت، 

لم يعد يقف على الحافة.

 

لم يتركها تمامًا، 

لكنه لم يعد محكومًا بها.

 

صار يتحرك بين الداخل والخارج، 

يحمل عالمه معه، 

دون أن يضطر لإخفائه، 

ودون أن يفقده في الطريق.

 

لم يتحول إلى شخص آخر، 

بل إلى نسخة أوسع من نفسه. 

نسخة لا تكتفي بأن ترى العالم، 

بل تسمح للعالم—بهدوء—أن يراها.

 

وهكذا، دون إعلان، 

ودون لحظة فاصلة واضحة، 

لم تعد العزلة مكانه.

 

بل صارت مجرد مرحلة… 

مرّ بها، 

ليتعلم كيف يكون حاضرًا 

دون أن يتخلى عن الضوء 

الذي تشكّل في داخله.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

على حافة الضوء

  على حافة الضوء   "العزلة زمنٌ مؤجَّلٌ للحضور"     كان يقف دائمًا هناك…   لا في الظل تمامًا، ولا في الضوء.   في تلك...