ما
يتغيّر فينا… دون أن نعلن عنه
"الهوية
ليست ما نعرفه عن أنفسنا… بل ما يتبدّل بصمت"
لا يحدث التغيّر دائمًا بصوت واضح.
أحيانًا يحدث في الخلفية،
بهدوء يكاد لا يُلاحظ،
حتى نظنّ أننا ما زلنا كما كنّا.
نتمسّك بصورة عن أنفسنا،
لا لأنها دقيقة،
بل لأنها مألوفة.
نعرفها،
ونستطيع أن نعرّف بها أنفسنا للآخرين،
ونستند إليها حين نحتاج إلى تفسير سلوكنا.
لكن هذه الصورة…
لا تبقى كما هي.
في كل تجربة،
في كل قرار،
في كل موقف مرّ بنا وترك أثرًا،
كان هناك شيء يتغيّر.
ليس بشكل كامل،
ولا بطريقة مفاجئة،
بل عبر تحوّلات صغيرة
تكاد لا تُرى،
لكنها—مع الوقت—تعيد تشكيل البنية.
والمفارقة،
أن هذا التغيّر يحدث
بينما نظل نستخدم نفس التعريف القديم.
نقول: “أنا هكذا”،
كما لو أن هذه الجملة
صمدت أمام كل ما مرّ بنا.
نُصرّ على نسخة لم تعد دقيقة،
ونتصرف أحيانًا
بما يتناسب مع ما كنّا عليه،
لا مع ما أصبحنا عليه فعلًا.
وهنا،
لا يكون التناقض في الواقع،
بل في الإدراك.
أن تعيش بنسخة متأخرة عن نفسك،
يعني أن تتأخر في فهمك،
وفي قراراتك،
وفي علاقتك بما يحدث لك.
لكن لماذا نفعل ذلك؟
لأن التغيير—حتى لو كان حقيقيًا—
لا يمنحنا دائمًا شعورًا بالأمان.
بل العكس.
هو يفتح سؤالًا مزعجًا:
إذا لم أعد كما كنت… فمن أنا الآن؟
وهذا السؤال
أصعب من أن نواجهه بسهولة.
لذلك نؤجل.
نؤجل الاعتراف،
ونتمسّك بما نعرفه،
حتى لو لم يعد يعكسنا.
لكن التأجيل
لا يوقف التحوّل.
هو يستمر،
بصمت،
دون أن ينتظر موافقتنا.
إلى أن تأتي لحظة
ليست كبيرة بالضرورة،
ولا درامية،
لكنها كاشفة.
لحظة نشعر فيها بأن ردّ فعلنا
لم يكن كما توقّعنا،
أو أن قرارًا ما خرج منّا بطريقة مختلفة،
أو أن شيئًا كنا نرفضه…
لم يعد كذلك.
هناك،
يحدث الانتباه.
ليس إلى ما تغيّر حولنا،
بل إلى ما تغيّر فينا.
نبدأ في ملاحظة الفجوة
بين من نظن أننا عليه،
ومن نتصرف على أساسه.
وهذه الفجوة
ليست خللًا…
بل دليل.
دليل على أن شيئًا تحرّك،
وأن الهوية التي نتمسك بها
لم تعد كافية.
في هذه اللحظة،
لدينا خياران:
إما أن نعيد أنفسنا إلى القالب القديم،
فنبرر،
ونتجاهل،
ونُسكت هذا الاختلاف…
أو أن نتوقف.
أن ننظر دون دفاع،
ودون محاولة سريعة لإعادة التوازن.
أن نسأل،
لا “ما الخطأ؟”
بل: “ما الذي تغيّر فعلًا؟”
هذا السؤال
لا يمنح إجابة فورية،
لكنه يفتح مساحة.
مساحة نرى فيها أنفسنا
كحالة متحركة،
لا كتعريف ثابت.
وهنا،
يتحوّل فهم الهوية.
لم تعد شيئًا نصل إليه،
ثم نحافظ عليه،
بل شيئًا نواكبه.
نتبعه،
نلاحظه،
ونسمح له أن يتشكل
دون أن نفرض عليه صيغة جاهزة.
لا نحتاج أن نعلن هذا التغيّر،
ولا أن نفسّره دائمًا،
ولا أن نمنحه اسمًا.
يكفي أن لا نقاومه.
أن نكون صادقين بما يكفي
لنرى أننا لم نعد كما كنّا،
ومتّسعين بما يكفي
لنسمح لأنفسنا أن نكون… ما نصبحه.
في النهاية،
ليست المشكلة في أننا نتغيّر،
بل في أننا نحاول أن نبقى كما كنا
بعد أن نكون قد تغيّرنا بالفعل.
والتحرر الحقيقي
لا يأتي من تثبيت الهوية،
بل من التخلّي عن الحاجة إلى تثبيتها.
أن لا تسأل نفسك باستمرار: “من أنا”
بل أن تكون حاضرًا بما يكفي
لتعرف… كيف تكون الآن.
وهذا،
بهدوئه،
وبساطته،
هو التحوّل الأعمق.
جهاد
غريب
أبريل
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق