الاثنين، 20 أبريل 2026

بين صوتين… حيث لا يُسمع أحد كما هو

 

بين صوتين… حيث لا يُسمع أحد كما هو

 "الإصغاء الذي يكشف ما لا يُقال"

 

 



لم يكن يتكلم كثيرًا. 

لم تكن مهمته أن يضيف صوتًا ثالثًا، 

بل أن يحتمل صوتين… كما هما.

 

كان يقف في تلك المسافة الدقيقة، 

لا ينتمي لأيٍّ منهما، 

ولا ينفصل عنهما تمامًا. 

مكان لا يُرى، 

لكن كل ما يُقال يمرّ عبره، 

ولو بصمت.

 

في البداية، ظنّ أن الوساطة تعني نقل الكلمات: 

ما قاله هذا لذاك، وما قاله ذاك لهذا. 

كأنها عبور بسيط للعبارات من ضفة إلى أخرى.

 

لكن سرعان ما اكتشف 

أن الكلمات ليست ما يحتاج أن يُنقل.

 

ما يُقال ليس دائمًا ما يُقصد. 

وما يُسمع ليس بالضرورة ما قيل.

 

هناك طبقة خفية تحت العبارات، 

تسكن في نبرة الصوت، 

في التردد، 

في الصمت بين الجمل.

 

وهنا تبدأ الوساطة الحقيقية.

 

أن تُنصت لما يحاول أن يُقال ولا ينجح. 

أن تلتقط ما يهرب من اللغة، 

وما يتعثر في التعبير، 

وما يختبئ خلف القسوة أو البرود.

 

ليس كل غضب غضبًا، 

وأحيانًا يكون ألمًا لم يجد شكله. 

وليس كل صمت حيادًا، 

بل ازدحامًا لا يمكن قوله.

 

الوسيط هنا لا يسمع بوضوح… 

بل بحساسية.

 

يرى التوتر لا كخطر، 

بل كطاقة لم تُفهم بعد. 

شيء يمكن تحويله لو أُعطي شكلًا آخر.

 

لكن هذا التحويل له ثمن.

 

في الداخل يبدأ صراع هادئ: 

أن تكون حياديًا يعني ألّا تنحاز، 

لكن أن تكون إنسانيًا يعني أن تتأثر.

 

كيف تفهم الألم دون أن تميل إليه؟ 

كيف تقترب بما يكفي لتدرك، 

دون أن تذوب فيما تدركه؟

 

هذا التوازن ليس قاعدة، 

بل ممارسة دقيقة تُختبر في كل لحظة.

 

أن تترك مساحة لكل صوت، 

دون أن تسمح له أن يطغى. 

أن تفهم الطرفين، 

دون أن تفقد وضوحك.

 

ومع الوقت، يتغير الدور.

 

لم يعد نقلًا للكلام، 

ولا إعادة ترتيب لما قيل. 

بل أصبح شيئًا آخر:

 

إعادة صياغة.

 

أن تأخذ ما خرج مشوّهًا من الألم، 

وتعيد تقديمه بلغة يمكن احتمالها. 

أن تُترجم القسوة إلى حاجة، 

والاتهام إلى خوف، 

والصمت إلى معنى.

 

ليست خيانة للكلام، 

بل إنقاذ لما لم يُفهم فيه.

 

وهنا لا يعود الوسيط ناقلًا بين طرفين، 

بل صانعًا لمساحة لم تكن موجودة.

 

مساحة يُسمع فيها الصوت دون مقاطعة، 

ويظهر فيها المعنى دون تشويه.

 

ليس لأن الخلاف انتهى، 

ولا لأن التوتر اختفى، 

بل لأن شيئًا أعمق حدث:

 

للمرة الأولى، 

لم يعد كل طرف يسمع نفسه فقط.

 

وفي تلك اللحظة، 

لا يوجد انتصار، 

ولا هزيمة، 

بل بداية شيء آخر.

 

شيء لا يُفرض، 

ولا يُعلن، 

بل يتكوّن بهدوء…

 

مساحة مشتركة 

لم تكن لتوجد 

لولا أن أحدهم 

اختار أن يسمع 

ما لا يُقال.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين صوتين… حيث لا يُسمع أحد كما هو

  بين صوتين… حيث لا يُسمع أحد كما هو   "الإصغاء الذي يكشف ما لا يُقال"     لم يكن يتكلم كثيرًا.   لم تكن مهمته أن يضيف ص...