الاثنين، 20 أبريل 2026

الأبواب تُستفَز: خطوة تسبق المفتاح… وتعيد تعريف الممكن

 

الأبواب تُستفَز! 

"خطوة تسبق المفتاح… وتعيد تعريف الممكن"

 


 


لم يكن الباب مغلقًا كما بدا. 

كان ثابتًا فقط… ينتظر شيئًا لم يحدث.

 

نحن من نسميه مغلقًا حين نقف أمامه طويلًا دون أن نقترب. 

نراقبه من مسافة آمنة، نقيس صلابته بنظراتنا، ونستنتج—بثقة هادئة—أنه لن يُفتح.

 

لكن ما لا ننتبه له أن هذه المسافة… هي أول قفل.

 

الأبواب، في كثير من الأحيان، ليست عائقًا خارجيًا، بل انعكاسًا لحالة داخلية توقفت عند حدّها. 

حدّ نرسمه دون أن نراه، ثم نتعامل معه كأنه واقع مفروض.

 

نقول: هذا ليس متاحًا… هذا صعب… هذا يحتاج وقتًا، بينما لم نختبر شيئًا بعد.

 

الانتظار هنا لا يبدو كسكون، بل كنوع من التفكير. 

نؤجل الفعل تحت اسم الاستعداد، ونؤخر الخطوة بحجة التوقيت المناسب، ونبقى في مكاننا… نراجع، نحسب، نتخيّل.

 

وهكذا يتحول الانتظار إلى شكل متقن من التجميد. 

لا نتراجع، ولا نتحرك. 

نبقى في حالة وسطى نقنع أنفسنا أنها قريبة من الفعل، بينما هي في الحقيقة تبعدنا عنه ببطء.

 

أخطر ما في هذا الوضع أنه لا يبدو كعجزبل كحكمة. 

أن لا نندفع، أن نختار اللحظة المناسبة، أن ننتظر الإشارة… كلها تبدو قرارات عقلانية. 

لكن اللحظة المناسبة ليست دائمًا حقيقة، بل قد تكون ذريعة.

 

ذريعة نؤجل بها المواجهة، نحمي بها أنفسنا من احتمال الفشل، ونبقى داخل مساحة نعرفهاحتى لو كانت لا تقود إلى شيء.

 

إلى أن يحدث خلل بسيط. 

ليس قرارًا مدروسًا، ولا خطة مكتملة، بل حركة غير مبررة بالكامل. 

خطوة تُتخذ… قبل أن تكتمل شروطها.

 

لحظة المبادرة لا تأتي حين نكون جاهزين، بل حين نتوقف عن اشتراط الجاهزية.

 

نقترب. 

هذه هي البداية فقط.

 

نقترب من الباب الذي حكمنا عليه. 

نلمسه، نختبره، نطرق عليه—ولو بخفة.

 

وهنا يحدث أول تصدّع في الفكرة. 

ليس في الباب… بل في حكمنا عليه.

 

بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، بل بالفعل نفسه. 

بمحاولة، باحتكاك مباشر، بقرار أن نختبر… لا أن نتخيّل.

 

نكتشف—بدهشة خفيفة—أن ما بدا مغلقًا لم يكن كذلك تمامًا. 

أنه لم يُفتح فقط لأنه لم يُطرق.

 

وهذا الاكتشاف لا يفتح بابًا واحدًا، بل يعيد ترتيب العلاقة كلها مع ما نظنه ممكنًا. 

لم يعد السؤال: هل يمكن؟ 

بل: هل جرّبت؟

 

وهنا يبدأ التحول الحقيقي.

 

الفعل، حتى حين لا ينجح مباشرة، يُحدث تغييرًا لا يمكن التراجع عنه. 

يكسر وهم الثبات، يفتح احتمالات جديدة، ويحرّك ما كان ساكنًا.

 

لم نعد نفس الشخص الذي وقف بعيدًا يراقب، لأننا دخلنا في علاقة مباشرة مع الواقع… لا مع تصوّراتنا عنه.

 

ومع كل خطوة يتغيّر شيء في الداخل. 

نصبح أقل يقينًا بالأحكام السريعة، وأكثر ميلًا للاختبار. 

أقل انتظارًا، وأكثر حركة.

 

لا لأن العالم تغيّر فجأة، بل لأننا لم نعد نقف خارجه.

 

وفي النهاية، لا نصل إلى عالم بلا عوائق، ولا إلى أبواب مفتوحة بالكامل. 

بل إلى فهم أعمق: 

العالم لا ينفتح لمن ينتظره، ولا يستجيب لمن يدرسه من بعيد. 

بل لمن يقترب، يختبر، ويُحدث فيه اضطرابًا كافيًا ليُظهر ما كان يخفيه.

 

الأبواب لا تُفتح لأنها موجودة، بل لأنها تُستفَز. 

ومن يجرؤ على الاقتراب، يكتشف أن المسافة… كانت دائمًا أقسى من الباب نفسه.

 

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين صوتين… حيث لا يُسمع أحد كما هو

  بين صوتين… حيث لا يُسمع أحد كما هو   "الإصغاء الذي يكشف ما لا يُقال"     لم يكن يتكلم كثيرًا.   لم تكن مهمته أن يضيف ص...