الاثنين، 30 مارس 2026

بين الغياب واللقاء

 

بين الغياب واللقاء

 

"عن الحب الذي يحمي نفسه حين يبتعد، ويعيد بناء الأمان حين يعود"

 




بين الغياب واللقاء، يعيش الحب حالته الأكثر صدقًا. ففي الغياب، يتخفف من الضجيج، من التفاصيل اليومية، من الاحتكاك الذي يرهقه أحيانًا. وفي اللقاء، يستعيد شكله، صوته، نبضه، وكأنه يعود إلى نفسه بعد رحلة طويلة. الحب لا يموت حين يغيب، بل يختبر قدرته على البقاء. يختبر عمقه، صدقه، جذوره. يختبر ما إذا كان مجرد عادة أم حاجة، مجرد حضور أم معنى. وفي كل مرة يعود فيها بعد غياب، يعود مختلفًا، أكثر نضجًا، أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على أن يحمي نفسه من الانطفاء.

 

في الغياب، يتعلم القلب أن يسمع نفسه. يسمع ما كان يختلط بصوت الآخر، وما كان يضيع بين الكلمات المشتركة. يسمع خوفه، اشتياقه، وحدته، وحنينه. يسمع ما لم يكن قادرًا على سماعه حين كان اللقاء قريبًا. الغياب ليس عقابًا، بل مساحة. مساحة يبتعد فيها كل طرف عن الآخر ليقترب من نفسه. مساحة يعيد فيها ترتيب مشاعره، رغباته، مخاوفه. مساحة يكتشف فيها ما إذا كان الحب الذي يحمله هو حب حقيقي، أم مجرد تعلق، أم مجرد خوف من الفقد.

 

وفي هذه المساحة، يحدث شيء غريب: الحب يحمي نفسه. يحمي نفسه من التآكل، من الاعتياد، من الاستهلاك. يحمي نفسه بأن يبتعد قليلًا، ليعود أقوى. يحمي نفسه بأن يترك مسافة صغيرة يتنفس فيها، يتأمل فيها، يعيد فيها بناء ما تهدّم دون أن يشعر. الغياب ليس نهاية، بل طريقة من طرق البقاء. طريقة يقول فيها الحب: "أنا هنا، لكنني أحتاج أن أتنفس". طريقة يقول فيها القلب: "أحبك، لكنني أحتاج أن أعود إلى نفسي قليلًا".

 

ومع ذلك، يبقى اللقاء هو اللحظة التي تُختبر فيها كل هذه المسافة. اللقاء هو الامتحان الحقيقي: هل تغيّر شيء؟ هل انطفأ شيء؟ هل اشتعل شيء؟ هل بقي الحب كما هو، أم عاد بشكل آخر؟ اللقاء بعد غياب يشبه فتح باب ظلّ مغلقًا طويلًا. لا تعرف ما الذي ينتظرك خلفه: هل هو الدفء الذي تعرفه، أم هو شيء جديد لم تختبره من قبل؟ لكنك رغم ذلك تفتح الباب، لأن شيئًا في داخلك يقول لك إن العودة تستحق.

 

حين يحدث اللقاء، يحدث ببطء. لا يبدأ بالعناق، بل بالنظرة الأولى. النظرة التي تحمل كل ما لم يُقل، وكل ما لم يُكتب، وكل ما لم يُعترف به. النظرة التي تقول: "اشتقت"، دون أن تنطق الكلمة. النظرة التي تكشف ما إذا كان الغياب قد أطفأ شيئًا، أو أشعل شيئًا، أو أعاد ترتيب الأشياء بطريقة مختلفة. ثم يأتي الصوت، صوت خافت في البداية، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا. صوت يسأل عن الحال، عن الأيام، عن التفاصيل الصغيرة التي كانت يومًا جزءًا من الحياة المشتركة. صوت يقترب ببطء، كمن يخشى أن يلمس جرحًا لم يلتئم بعد.

 

ثم يأتي الاقتراب. خطوة صغيرة، ثم خطوة أخرى. يد تمتد، لا لتأخذ، بل لتمنح الطمأنينة. يد تقول: "أنا هنا". يد تعيد بناء الأمان الذي تهدّم في الغياب. الأمان لا يعود دفعة واحدة، بل يعود كنبض خفيف، كدفء يتسلل إلى الصدر، كتنفّس عميق بعد اختناق طويل. اللقاء ليس مجرد عودة، بل إعادة بناء. إعادة بناء للثقة، للطمأنينة، للمعنى. إعادة بناء لما كان، ولكن بشكل جديد، أكثر نضجًا، أكثر وعيًا، أكثر صدقًا.

 

وفي هذه العودة، يدرك القلب شيئًا مهمًا: أن الحب الذي يعود بعد غياب ليس هو الحب الذي كان قبل الغياب. إنه حب أكثر هدوءًا، أقل خوفًا، أقل استعجالًا. حب يعرف أن المسافة ليست تهديدًا، بل اختبارًا. حب يعرف أن اللقاء ليس مكافأة، بل اختيارًا. حب يعرف أن الأمان لا يُستعاد كما هو، بل يُبنى من جديد، حجرًا فوق حجر، كلمة فوق كلمة، نظرة فوق نظرة.

 

بين الغياب واللقاء، يتعلم القلب أن الحب ليس امتلاكًا، بل مشاركة. ليس قربًا دائمًا، بل قدرة على البقاء حتى حين يبتعد الطرفان. ليس وعدًا بعدم الرحيل، بل وعدًا بالعودة. ليس خوفًا من الفقد، بل ثقة بأن ما هو حقيقي لا يضيع. يتعلم القلب أن الحب الذي يختبر الغياب، ثم يعود، هو حب يعرف قيمته. حب لا يحتاج إلى ضجيج ليؤكد وجوده، ولا إلى حضور دائم ليشعر بالأمان. حب يكفيه أن يعرف أن هناك قلبًا آخر ينتظره، ولو بصمت.

 

وفي النهاية، حين يلتقيان بعد الغياب، يدركان أن ما بينهما لم يكن مجرد علاقة، بل رحلة. رحلة فيها مسافة، وفيها عودة. فيها خوف، وفيها طمأنينة. فيها غياب يحمي الحب، ولقاء يعيده إلى الحياة. يدركان أن الحب الحقيقي لا يخاف من المسافة، ولا ينهار أمام الغياب، ولا يتلاشى حين يبتعدان. بل يبقى، يتنفس، ينتظر، ثم يعود — أقوى، أعمق، وأصدق.

 

جهاد غريب

مارس 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

غفران: عن الستر الذي يأتي بعد الجرح، وعن القوة التي لا تُرى

  غفران   "عن الستر الذي يأتي بعد الجرح، وعن القوة التي لا تُرى"   الغفران ليس كلمة تُقال، ولا قرارًا يُتخذ في لحظة صفاء. ...