صوت
آخر
"عن
الرجل الذي يبحث عن حضنٍ لا يراه أحد"
كان الرجل دائمًا
يُرى من الخارج: كتفٌ عريض، خطوات ثابتة، وصوتٌ يعرف كيف يعلو حين يُطلب منه ذلك.
لكن ما لا يراه أحد هو أن هذا الصوت نفسه يتهدّج في داخله، وأن الصدر الذي اعتاد
أن يكون ملاذًا لغيره، يضيق أحيانًا بما يحمله، ويحتاج إلى من يوسّعه بحضنٍ بسيط،
بحضورٍ صامت، بيدٍ تُوضع على كتفه دون سؤال. الرجل الذي يبدو متماسكًا ليس دائمًا
كذلك، والرجل الذي يقدّم الأمان ليس دائمًا ممتلئًا به. هناك لحظات، قليلة لكنها
حقيقية، يشعر فيها أن العالم يطلب منه أكثر مما يستطيع، وأنه يقدّم أكثر مما يملك،
وأنه يبتسم بينما شيء في داخله يتعب من حمل كل هذا.
في داخله صوت
آخر، صوت لا يسمعه أحد، ولا يجرؤ هو على إظهاره. صوت يقول له إنه بشر، وإنه يحق له
أن يتعب، وأن ينهار، وأن يطلب ما لم يعتد أن يطلبه. لكنه حين يقترب من الاعتراف، يتراجع.
ليس خوفًا من الضعف، بل خوفًا من أن يُساء فهمه. فالرجل الذي اعتاد أن يكون سندًا،
يخشى أن يظن الآخرون أنه فقد قدرته على الوقوف. يخشى أن يُنظر إليه على أنه يحتاج،
لا كمن يُحتاج إليه. يخشى أن يراه أحد وهو يبحث عن حضن، بينما اعتادوا أن يأتوا
إليه ليبحثوا عن حضنهم فيه.
ومع ذلك، هناك
لحظة لا يمكنه الهروب منها. لحظة يتوق فيها إلى أن يضع رأسه على كتف أحدهم، دون أن
يشرح شيئًا، ودون أن يُسأل عن شيء. لحظة يريد فيها أن يكون هو المُحتضَن، لا
المُحتضِن. يريد أن يشعر بأن صدره الذي احتضن كثيرًا، يمكن أن يجد صدرًا آخر يخفّف
عنه، ولو مرة واحدة. يريد أن يتنفس بعمق، لا لأنه قوي، بل لأنه مطمئن. يريد أن
يسمع جملة واحدة فقط: "تعال… أنا هنا". جملة لا تحمل تكليفًا ولا
انتظارًا ولا مسؤولية. جملة تُقال له، لا منه.
الرجل لا يبحث عن
ضعف، بل عن مساحة آمنة. لا يبحث عن شفقة، بل عن فهم. لا يبحث عن منقذ، بل عن إنسان
يراه كما هو، لا كما يجب أن يكون. يريد أن يشعر أن له الحق في أن يكون هشًا، ولو
للحظة. أن له الحق في أن يتعب، وأن يتألم، وأن يطلب. يريد أن يشعر أن صمته مفهوم،
وأن حزنه ليس عبئًا، وأن خوفه ليس نقصًا. يريد أن يشعر أن أحدًا ما يستطيع أن يقرأ
ما بين سطور صمته، وأن يلمس ما لا يقوله، وأن يقترب منه دون أن يطالبه بأن يكون
قويًا طوال الوقت.
وفي تلك اللحظة،
حين يقترب أحدهم منه دون أن يطلب، يشعر الرجل بأن شيئًا في داخله يلين. يشعر بأن
الصدر الذي ضاق يتّسع، وأن الصوت الذي اختنق يعود ليهدأ. يشعر بأن العالم ليس
مكانًا قاسيًا كما ظن، وأنه ليس مضطرًا لأن يحمل كل شيء وحده. يشعر بأن هناك من
يستطيع أن يراه، لا من خلال دوره، بل من خلال قلبه. يشعر بأن هناك من يقترب منه
لأنه هو، لا لأنه قوي، ولا لأنه ثابت، ولا لأنه قادر على الاحتمال. يشعر بأن هناك
من يلمس إنسانيته، لا صورته.
وفي تلك اللحظة،
يدرك الرجل أن الاحتواء ليس ضعفًا، وأن طلب الأمان ليس تنازلًا، وأن الاعتراف
بالحاجة ليس سقوطًا. يدرك أن القوة ليست في الصمود وحده، بل في القدرة على أن يسمح
لنفسه بأن يُحتضن. يدرك أن الصوت الآخر في داخله ليس عيبًا، بل جزءًا منه، جزءًا
ظلّ صامتًا طويلًا لأنه لم يجد من يسمعه. يدرك أن هذا الصوت يستحق أن يُسمع، وأن
يُفهم، وأن يُحتضن.
وهكذا، حين يجد
الرجل ذلك الحضن — حضنًا لا يسأله، ولا يطالبه، ولا يحمّله — يبدأ شيء جديد في
داخله. يبدأ في التصالح مع صوته الداخلي، مع هشاشته، مع حاجته. يبدأ في فهم أن
الرجولة ليست قناعًا، بل مساحة واسعة تتسع للقوة والضعف معًا. يبدأ في إدراك أن
الصدر الذي احتضن كثيرًا، يحق له أن يجد من يحتضنه. وأن الصوت الذي ظلّ مختبئًا،
يحق له أن يُسمع. وأن الرجل، مهما بدا قويًا، يظل إنسانًا يبحث عن ملاذ، عن يد، عن
كتف، عن قلب يقول له ببساطة: "أنا هنا… لا تحمل كل شيء وحدك".
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق