"ما الذي
يقود اليد حين تمنح؟"
هل فكرت يومًا، وأنت تمنح أحدهم شيئًا، من
أين جاءت تلك الرغبة؟ هل كانت اندفاعًا داخليًا لا يقبل التأجيل، أم واجبًا تربيت
عليه، أم محاولة خفية لاستعادة توازن ما في أعماقك؟ ربما كان العطاء عندك تعبيرًا عن
وفرة، وربما كان وسيلة لحماية صورة معينة عن نفسك، أو طريقة صامتة لترميم ندبة
قديمة لا يراها أحد.
العطاء، في حقيقته، ليس فعلًا بسيطًا كما
يبدو. اليد قد تتشابه، لكن ما يقف خلفها مختلف تمامًا. هناك دوافع لا تُرى،
ومسارات داخلية لا تظهر على الملامح، ومع ذلك فهي التي تحدد طبيعة ما نعطيه،
والطريقة التي نعطي بها، وحتى الأثر الذي يتركه العطاء فينا وفي الآخرين.
بعض الناس يعطون كما يفيض الماء من عينٍ
ممتلئة. لا ينتظرون مناسبة، ولا يبحثون عن تفسير لما يفعلونه. العطاء عندهم أقرب
إلى طبيعة داخلية منه إلى قرار. لا يسجلون ما قدموه، ولا يراجعونه لاحقًا، ولا
يتعاملون معه كدين مؤجل السداد. إنهم يعطون لأن الامتلاء الداخلي يحتاج منفذًا،
ولأن بعض الأرواح تختنق إن لم تمنح شيئًا من نورها للآخرين.
وفي الجهة الأخرى، هناك من يتعامل مع
العطاء بوصفه معادلة دقيقة. ليس بالضرورة بدافع السوء، بل لأن الحياة علمته أن كل
شيء يجب أن يُحسب. يعطي، لكنه يحتفظ في داخله بسجل غير معلن: ماذا قدم؟ ولمن؟
ومتى؟ وما الذي قد يعود إليه يومًا ما؟ هنا يصبح العطاء أقرب إلى استثمار عاطفي أو
اجتماعي، حتى لو بدا في ظاهره كريمًا ونبيلًا.
وبين هذين الطرفين، تتعدد الوجوه وتتشابك.
هناك من يعطي لأنه يشعر أن عليه أن يفعل ذلك، لا حبًا ولا انتظارًا للمقابل، بل
لأن ضميره لا يسمح له بالانسحاب. وهناك من يمنح الآخرين شيئًا بينما يحاول، في
الحقيقة، معالجة شيء في نفسه. فيتحول المتلقي أحيانًا إلى مساحة إسقاط لمشاعر لا
علاقة له بها. وهناك من يصنع من العطاء هوية كاملة، حتى يصبح الكرم جزءًا من
الصورة التي يريد أن يراها الناس فيه.
المثير للاهتمام أن هذه المسارات لا تُرى
بوضوح. لا يمكن قراءة النية من طريقة تقديم الهدية، ولا يمكن اكتشاف الدافع
الحقيقي من الكلمات المصاحبة لها. كثير من الناس أنفسهم لا يفهمون تمامًا لماذا
يعطون بالطريقة التي يعطون بها. ولهذا يبدو إطلاق الأحكام على دوافع الآخرين فعلًا
متسرعًا في أغلب الأحيان. فنحن لا نرى إلا السطح، أما الطبقات العميقة فتظل مختبئة
حتى عن أصحابها أحيانًا.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين ينتقل العطاء
بين ثقافات مختلفة. ما يُعد أمرًا طبيعيًا في بيئة ما، قد يبدو غريبًا أو مبالغًا
فيه في بيئة أخرى. هناك مجتمعات ترى العطاء سلوكًا جماعيًا بديهيًا لا يحتاج إلى
احتفاء، بينما تنظر إليه مجتمعات أخرى بوصفه فعلًا شخصيًا استثنائيًا يستحق
الامتنان العلني. وبين هذا وذاك، تنشأ حالات من سوء الفهم الصامت؛ طرف لا يفهم سبب
كل هذا الشكر، وطرف آخر لا يفهم سبب كل هذا البرود.
لعل أول ما يمنحنا النضج في فهم العطاء هو
أن ندرك أن الناس لا يسيرون بالطريق نفسه وهم يمنحون. ما يبدو لك فيضًا قد يراه
غيرك واجبًا، وما تراه أنت حسابًا قد يكون عند صاحبه محاولة لحماية نفسه من
الخذلان. وكلما اتسعت رؤيتنا لهذه الفروق، أصبحنا أقل اندفاعًا نحو التصنيف وأكثر
قدرة على التواضع.
وربما يكون السؤال الأهم في النهاية ليس:
ماذا أعطيت؟ بل: أي إنسان كنت وأنت تعطي؟ لأن العطاء لا يكشف فقط ما في اليد، بل
يكشف — بهدوء شديد — ما في الروح أيضًا.
جهاد
غريب
مايو
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق