الخميس، 15 يناير 2026

حين لا يكفي الدعاء

 

حين لا يكفي الدعاء

 

"الإنسان بين الإيمان والعلاج"

 


 


عن جراحٍ تحتاج إلى نور السماء... ويدٍ على الأرض.

 

عندما يهتز كيان الإنسان، يبدو اللجوء إلى الإيمان خيارًا فطريًا وأصيلًا. الدعاء يخترق صمت السماء، والكلمات المخلصة قد تهدئ اضطراب الروح وتعيدها إلى سكونها الأول. وهذا المنطلق الروحي هو أساس متين لا غنى عنه، يمنح الإنسان شعورًا بالسكينة والارتكاز وسط اضطراب الحياة.

 

لكن حكمة الخلق اقتضت أن بعض الجراح تتجاوز ما يمكن للكلمة وحدها أن تشفيه. جراح تنفذ إلى العمق، تؤثر في كيمياء الجسد وتشابكات العقل، وتتطلب – إلى جانب العزاء الروحي – فعلًا أرضيًا: يدًا حانية، علمًا يفسّر، وعلاجًا يعيد التوازن لما اختلّ. وليس في هذا التكامل أي انفصال أو تناقض؛ فطلب العلاج من وسائله المشروعة هو في ذاته استجابة لأمر الخالق بالسعي والأخذ بالأسباب.

 

لا ينطوي هذا على إنكار لقوة الإيمان، بل هو اعتراف بتعقيد الإنسان الذي خُلق من جسد وروح. بعض الآلام تستدعي مقاربة متكاملة، تجمع بحكمة بين البعد الروحي الرفيع والبعد العلمي الدقيق، بين الدعاء الخاشع والفعل الواعي. ومن هذا المنظور، يمكننا النظر إلى العلاج كامتداد للفهم، ولغة ثانية تفسر ما يعجز عنه اللسان.

 

صحيح أن النصوص المقدسة تقدم هدىً ونورًا وإشارات إلى الطمأنينة، لكنها – في منهجيتها الربانية – لا تحل محل التشخيص الطبي لاضطراب الدماغ، ولا بديلًا عن التفكيك العلمي للصراعات النفسية المتراكمة. هنا تتضح حدود التوجيه الروحي المنفرد، وتبرز أهمية البحث عن أدوات أخرى وهبنا الله إياها لفهم الذات ومداواة الجراح.

 

وعندما ينهار الإنسان نفسيًا، تتكرر النصائح التقليدية بلطف نيّة: "اقرأ القرآن وستجد الراحة"، أو "أكثر من الدعاء والاستغفار". إلا أن هناك من يقرأ بقلب مكسور، ويستغفر بدموع، ويملأ ليله بالآيات، ومع ذلك يظل الألم قائمًا في الداخل كجرح نازف. هل يعني هذا ضعفًا في الإيمان؟ كلا على الإطلاق. بل قد يعني أن الإيمان نفسه يأمرنا أن نبحث عن العلاج كما نحث على الدعاء، وأن نكمل أحدهما الآخر.

 

إدراك أن الإيمان لا يغني عن العلاج ليس انتقاصًا من قدسية الدين، بل هو قراءة متأنية أمينة للواقع البشري والسنن الإلهية. الإيمان يصبح أصفى وأكثر نضجًا حين يعترف بحدود الأدوات، ويُدرك أن الله وضع في العلم سببًا، وفي الدواء رحمة، وأن السعي للشفاء جزء من تكامل الإنسان وعبادته.

 

فالإنسان كيان متداخل: جسد، روح، وعقل، وكل عنصر فيه يؤثر ويتأثر بالآخر. اختلال أحد هذه العناصر ينعكس مباشرة على البقية، والألم النفسي – إذن – ليس بالضرورة مؤشرًا على ضعف في التقوى، بل هو تعبير عن اختلال داخلي، أو أثر لصدمات لم تجد بعد من يعالجها بالطريقة المناسبة.

 

وفي هذا السياق، لا يتعارض العلاج النفسي مع الدعاء، بل يمكن النظر إليه كامتداد للفهم، ولغة ثانية تفسر ما يعجز عنه اللسان، وتقدّم أدوات عملية للتعامل مع الجراح النفسية. حين يُوجَّه الإنسان نحو العلاج، لا يُقصي الإيمان أو يقلل من قيمته الروحية، بل يُمنحه بعدًا إضافيًا للشفاء، وتتحقق بذلك المعونة المزدوجة: معونة السماء بالدعاء، ومعونة الأرض بالعلم والتطبيق الواعي، ليصبح التكامل بينهما أصدق تعبير عن الرحمة والوعي الإنساني.

 

النجاة لا تتحقق من خلال اختيار بين الإيمان والعلاج، بل في الجمع الحكيم بينهما: بين نور السماء وحكمة الأرض. طلب المساعدة الطبية ليس إنكارًا لقدرة الله، بل استجابة للوسائل التي وضعها، وتقديرٌ للعقل الذي ميّز الله به الإنسان. وهكذا، يصبح الفعل الواعي جزءًا من التعبد، والدعاء امتدادًا للجهد العقلي والعملي.

 

وعندما يتضح أن الدعاء لا يتعارض مع الدواء، بل يتكاملان، يصبح واضحًا أن كليهما يعبّر عن معنى واحد أعمق: الرحمة. رحمة السماء بالوحي والدعاء، ورحمة الأرض بالعلم والدواء. وكل منهما طريق موصل إلى برّ الأمان والحياة الكريمة، متكاملين لا متناقضين.

 

إذا لم يكن الدعاء وحده كافيًا في لحظة ما، فهذا لا يعني صمت السماء أو غياب الاستجابة، بل يشير إلى أن الرحمة الإلهية قد رسمت مسارات أخرى متعددة للشفاء، علينا أن نسلكها بثقة. الإيمان الحقيقي لا ينتظر المعجزة فحسب… بل يسعى إليها في كل مكان قد وضعها الله فيه.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...