الأحد، 18 يناير 2026

فلسفة البراءة!

 

فلسفة البراءة!

 

"في سحر الطفولة الداخلي ودهشة الحياة المستمرة"

 


 


تلك اللحظات المكثفة تتسرب ضوءًا خافتًا بين شقوق الزمن اليومي، فتهب علينا ذكرى تنبض بالحياة. ليست صورة ثابتة في ألبوم الماضي، وإنما كائن حي يقبع في أعماقنا، يتنفس وينبض في صمت. إنها لحظات يذوب فيها الحاضر، وتنفتح على حالة أصيلة؛ حيث كان النقاء رؤية للعالم، والانبهار فلسفة للسؤال، والرشاقة قانونًا للحياة. إنها عودة لا إلى الزمن، وإنما إلى جوهرنا الأول؛ إلى ذلك "الطفل المتجذر فينا" الذي لا يزال يحمل في صدره أسئلة الكون الأولى.

 

لغة الكون الأولية

الطفولة ليست مرحلة نستذكرها، بل لغة أولية نتحدث بها مع الكون. ذلك الفضاء الشفيف حيث كانت الأشياء تتحدث بلسانها الأول: القطرة مطرًا، والورقة رحلة، واللعبة عالمًا موازيًا. لم يكن هناك فصل بين الذات والعالم، بل كان ثمة انسياب حميمي، وتوق عضوي إلى التوحد مع اللحظة. كانت الأيام تشبه القصائد المفتوحة: مقطوعة ضحك تحل محل قافية، وذهول عابر يقوم مقام بيت شعري، وسؤال بريء ينسف يقين العادة الرتيب.

 

المعمل الفلسفي البدئي

هنا، في هذا المعمل الفلسفي البدئي، وُلِدَت الأسئلة الكبرى من رحم الانبهار لا من عبء المعاناة. "من أين جئنا؟" "لماذا السماء زرقاء؟" "أين يذهب الليل؟" – استفهامات تشبه أجنحة فراشة تلامس الغيب دون رغبة في امتلاكه. السؤال لم يكن بحثًا عن إجابة قاطعة، بل احتفاءً بالغموض نفسه، برقصه الجميل في فضاء الذهن الصافي. كانت المعرفة مغامرة لا منهجًا، والفضول جناحين يرفرفان نحو المجهول بلا وجل.

 

حلم الكبر: من النقاء إلى الأثر

ذات يوم، أرادت تلك الروح المتوثبة أن تمنح أحلامها أفقًا أرحب. حين كان الطفل يتخيل نفسه كبيرًا، لم يرَ في النضج قفصًا أو انفصالًا عن ذاته الأولى، بل رأى فيه امتدادًا لذلك التوق الأصيل نحو صنع المعنى؛ رغبة في أن تصبح اليد قادرة على العطاء، والقلب قادرًا على احتواء أسرار العالم وبهجته، والعقل قادرًا على تحويل الأسئلة البكر إلى حكمة تضيء درب الآخرين. حلم الكبر، في جوهره، ليس رفضًا للطفولة، بل هو شوقها إلى التجسد في الفعل؛ نقاء يريد أن يتحول إلى أثر ملموس في دنيا الناس.

 

وهذا التحول هو لب المسألة الجوهرية: كيف نحمل معنا تلك الشرارة الأولية ونحن ننسج خيوط المسؤولية؟ إنه تحدي التوازن بين عمق التجربة وصفاء البداية، بين ثقل المعرفة ورشاقة الاكتشاف. الرحلة ليست من "هنا" إلى "هناك"، بل هي ارتقاء في مدار واحد: مدار الذات التي تتسع لتحتفي بجذرها الضارب في أغوارها.

 

جغرافيا الروح السرية

مع السنين، لا تختفي تلك الحالة، بل تهاجر من السطح إلى الأعماق، تتراجع نحو الداخل لتشكل جغرافيا سرية داخل النفس، تطل منها في اللحظات الفاصلة: في وقفة تأمل أمام بحر لا نهائي، في ضحكة تفلت من عقال الجدية، في ذهول مفاجئ أمام لوحة أو نغمة موسيقية تعيد تعريف الجمال. إنها ذاكرة القلب حين كان يرى الكون بلا وسائط، حين كان الحضور الكلي في "الآن" هو الحكمة الوحيدة التي يعرفها.

 

إننا لا نسترجع ذكريات، بل نسترجع "نحن" الأصلي الذي نكتشف أنفسنا من خلاله. هذا هو جوهر الشوق الحقيقي: ليس تعلقًا بزمن مضى، بل توق إلى ذلك الكائن الذي كناه، وإلى قدرته على اختبار الحياة مباشرةً، بلا حواجز التفسير أو ثقل التراكم. إنه التوق إلى "الصفاء الأصلي".

 

التحدي الأعلى: حضور ورشد

وهنا يكمن التحدي الأعلى: صياغة رشاقة في التعامل مع الحياة تسمح لنا بالجدية من غير ثقل، وبالمسؤولية مع الانبهار، وبالحكمة مع حيوية السؤال. فالطفولة لم تكن غفلة، بل كانت حضورًا مطلقًا. والرشد ليس انشغالًا، بل قدرة على تنظيم هذا الحضور ليصبح قوة فاعلة ومبدعة.

 

يمكن للحياة أن تكتسب عمق النهر دون أن تفقد خفة النبع. نستطيع أن نحمل أعباء الكينونة بيدين تعرفان ثقل الحجر وطهارة الوردة في آن. هذا هو السر: أن نتعلم من الطفل فن الحضور في اللحظة، وأن نمنح الراشد قدرة تحويل هذه اللحظة إلى معنى يتسع للآخرين. فالطفولة لم تكن مرحلة نقص، بل كانت اكتمالًا مؤقتًا، والرشد ليس نفيًا لها، بل بحث عن اكتمال أكثر شمولًا يحمل في قلبه ذكرى ذلك الاكتمال الأول.

 

الخاتمة: رحلة إلى القارة المفقودة

في النهاية، ليست الطفولة زمنًا نحمله في جيب الذاكرة، بل موقفًا يمكن استعادته بالوعي والإرادة. ذلك الجزء منا الذي يرفض أن يرى العالم مجرد وظائف وحسابات، ويصر على رؤيته كمعجزة متجددة. استعادتها ليست عودة إلى الوراء، بل قفزة إلى الأمام نحو إنسانية أكثر اكتمالًا، تحمل في داخلها نقاء السؤال، ورشاقة الحلم، وذهول الاكتشاف.

 

ربما تكون أعظم حكمة نبلغها بعد طول ترحال هي إدراك أن التوق إلى الطفولة هو في الحقيقة شوق إلى أعلى أشكال الحرية: حرية الروح في أن تكون كما هي؛ شفافة، متسائلة، منذهلة، رشيقة كالنسيم، وعميقة كالكون.

 

فلنحزم أمتعة التأمل، ونتوجه في رحلة إلى تلك القارة المفقودة داخلنا، حيث لا تزال السماءُ تُرى لأول مرة، والقلبُ هو البوصلةُ، والدهشةُ جوازَ سفر إلى أبدٍ لا ينتهي.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...