حين تُولد الروح من رحم الريح
"رحلة الرحيل بين القلق والخلق"
ليس الرحيل، في جوهره، قرارًا مفاجئًا ولا قطيعة حادّة
مع الماضي، بل نتيجة تراكم داخلي بطيء، أشبه بتصدّع صامت في البنية العميقة
للحياة. يحدث عندما تتوقف الأشياء عن أداء معناها المعتاد، حين تفقد الأمكنة
قدرتها على الطمأنة، وحين تصبح الكلمات، رغم كثرتها، عاجزة عن التعبير عمّا يجري
في الداخل. في تلك اللحظة، لا يكون الرحيل احتجاجًا على الخارج بقدر ما يكون
استجابة لنداء داخلي يطالب بمسافة، لا هروبًا، بل اتساعًا.
الرحيل لا يولد من فراغ، ولا يأتي بلا كلفة. يسبقه شعور
غامض بأن الاستمرار لم يعد إضافة، وأن البقاء، رغم أمانه الظاهري، تحوّل إلى شكل
آخر من أشكال الفقد. هناك قلق لا يُعلن، ليس خوفًا من المكان الجديد، بل من الفراغ
الذي يلي سقوط الهويات القديمة. حين تتراجع الأدوار التي عرّفت الإنسان طويلًا،
يبرز سؤال وجودي لا يمكن تجاهله: من نكون حين لا نُعرَّف من خلال علاقاتنا، ولا من
خلال ما ينتظره الآخرون منا؟
هنا يبدأ الرحيل بوصفه تجربة وجودية كاملة، لا انتقالًا
جغرافيًا. تجربة تتطلب شجاعة من نوع خاص: شجاعة الوقوف أمام الذات دون وسائط، ودون
ضمانات. فالمجهول في هذه المرحلة لا يتمثل في الطريق، بل في إعادة النظر بكل ما
كان يبدو بديهيًا. ما الذي يستحق الاستمرار؟ وما الذي كان مجرّد عادة؟ وما الفرق
بين ما اخترناه فعلًا، وما اعتدنا عليه حتى حسبناه خيارًا؟
في الأيام الأولى بعد الرحيل، لا يبدو العالم مفتوحًا
كما توحي الفكرة الرومانسية للمغادرة، بل يبدو هشًّا، مؤقتًا، وكأنه يختبر قدرة
الإنسان على الاحتمال دون يقين. التفاصيل الصغيرة تصبح نقاط اتزان: فنجان القهوة
في الصباح يتحول إلى علامة على انتظام الوقت، وكأن اليوم ما زال قابلًا للعيش. كوب
الماء البارد لا يكون فعلًا جسديًا فحسب، بل إشارة خفية إلى العناية بالذات، إلى
الاعتراف بأن الجسد ليس تفصيلًا ثانويًا في رحلة المعنى. حتى الصمت، الذي كان
يومًا مصدر قلق، يتحوّل تدريجيًا إلى مساحة إصغاء، إلى مكان تعود فيه الأسئلة
القديمة ولكن بصيغة أقل حدّة.
ومع الوقت، يتغير مفهوم الانتماء نفسه. لم يعد الوطن
موقعًا ثابتًا أو تعريفًا جاهزًا، بل حالة عابرة من الانسجام. قد يكون الوطن
مقعدًا في شارع لا يحمل ذاكرة، أو نافذة تطل على مشهد لا يعرف شيئًا عن الماضي.
تنشأ علاقة جديدة مع المكان، أقل امتلاكًا وأكثر خفّة. لا يعود الانتماء فعل
استقرار دائم، بل قدرة على الحضور دون تشبّث، وعلى المغادرة دون شعور بالاقتلاع.
الرحيل، بهذا المعنى، ليس انفصالًا عن العالم، بل إعادة
تفاوض معه. حركة داخلية تعيد ترتيب المسافات بين الإنسان ونفسه. الحوار الذي يبدأ
في الداخل لا يشبه محاكمة الماضي، ولا جلد الذات، بل أقرب إلى تعارف متأخر. من
نكون حين تسقط الحاجة إلى الإرضاء؟ ماذا يبقى من الرغبات حين لا تكون مقيّدة بنظرة
الآخر؟ هذه الأسئلة لا تُطرح دفعة واحدة، بل تتسلل في لحظات عادية: أثناء السير
بلا وجهة، أو عند ترتيب أشياء فقدت معناها السابق.
في هذا الفراغ بالذات، لا يكتفي الإنسان بإعادة ترتيب ما
كان، بل يبدأ، بوعي أو بدونه، فعلًا خفيًا من الخلق؛ خلق معنى لا يستعير لغته من
الماضي، ولا ينتظر اعترافًا من الخارج.
وفي لحظة الوداع، تلك التي يُفترض أن تكون مثقلة بالأسى
أو الغضب، يظهر شكل آخر من النضج. لا رغبة في الإدانة، ولا حاجة لإعادة كتابة
القصة بنبرة انتقامية. فقط مسافة كافية لرؤية ما كان دون تشويه. يُترك خلف الرحيل
ما لم يكتمل، وربما ما لم يُفهم تمامًا، لكن يُترك أيضًا أثر من الامتنان الهادئ.
ليس لأن التجربة كانت عادلة، بل لأنها انتهت دون أن تسلب الإنسان احترامه لذاته.
هذا النوع من الرحيل لا يبقى شأنًا فرديًا خالصًا. دون
قصد أو خطاب، يتحول إلى إشارة صامتة للآخرين. فكرة أن الاختيار ما زال ممكنًا، وأن
البقاء ليس دائمًا دليل حكمة، وأن الحياة لا تُقاس فقط بقدرة الإنسان على
الاحتمال، بل بقدرته على أن يظل حاضرًا من الداخل. الرحيل الواعي لا يدّعي
البطولة، لكنه يترك شقًّا صغيرًا في الجدار، كافيًا لمرور الضوء.
ومع مرور الزمن، يتبدّل الألم. لا يختفي، لكنه يفقد
سلطته الأولى. يتحوّل إلى معرفة داخلية، إلى وعي أكثر حساسية وحدّة. الجرح لا يعود
نقطة ضعف، بل أداة فهم. يصبح الماضي جزءًا من السرد، لا عبئًا عليه. لا يعود
المطلوب محوه، بل إدراك موقعه في تشكّل الوعي.
وفي النهاية، لا يكون الرحيل إعلان قطيعة مع الحياة، بل
إعادة صياغة للعلاقة معها. نافذة تُفتح بدل باب يُغلق، ومسار يُستأنف دون وعود
كبيرة. تبدأ الرحلة من جديد، لا بوهم البداية النقية، بل بوعي أعمق بما يجعل
الاستمرار ممكنًا: قلب أكثر اتساعًا، نظرة أقل استعجالًا في الحكم، وروح تعلّمت أن
قيمتها لا تُمنح من الخارج، بل تُكتشف عبر التجربة.
الرحيل، حين يُفهم على هذا النحو، لا يُنهي الأشياء بقدر
ما يعيد تسميتها. إنه الأثر الذي تتركه الروح قبل أن تواصل طريقها، أثر لا يُرى
مباشرة، لكنه يبقى. يبقى في الطريقة التي يُنظر بها إلى العالم بعد ذلك، وفي الصمت
الذي لم يعد مخيفًا، وفي القدرة على العيش دون يقين كامل. وربما في هذا بالذات
يكمن المعنى: أن نغادر لا لنفقد ما كنّا، بل لنمنح ما سنكون فرصة أن يتشكّل.
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق