الخميس، 8 يناير 2026

حين لا تتصافح النوايا

 

حين لا تتصافح النوايا

 

"عن الاجتماعات التي تبدأ باتفاق… وتنتهي بكشف القلوب"

 


 

في الشراكات المهنية، لا يحدث الخلل دائمًا عند توقيع العقود، بل غالبًا قبل ذلك بكثير؛ يحدث في تلك المساحة الرمادية بين مكالمة هاتفية تبعث الأمل، ولقاءٍ وجهًا لوجه يكشف النوايا.

 

كنت أظن، مثل كثيرين، أن الحماسة مؤشر صدق، وأن الكلمات الدافئة في بدايات الطريق كافية لإشعال المسار. لكنني تعلمت، متأخرًا قليلًا، أن بعض الشعلات لا تنطفئ لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تكن يومًا موجهة في الاتجاه نفسه.

 

دخلتُ اللقاء وأنا أحمل تصورًا واضحًا لما نريده: لسنا بصدد مجاملة مهنية، ولا محاولة لإعادة وصل شكلي، بل بحثٌ جاد عن شراكة واعية، تتقاطع فيها القدرات مع البيئة، وتلتقي فيها الفكرة مع التنفيذ، ويُختبر فيها الطموح بميزان المسؤولية.

 

كنت أؤمن - وما زلت - أن الشراكة ليست جمع موارد، بل توافق نيات. ليست سؤالًا عن: من يملك ماذا؟ بل عن: من يلتزم بماذا، ومتى، ولماذا؟ لكن ما إن بدأ الحديث، حتى أدركت أن الطاولة التي جلسنا حولها لم تكن واحدة. كلٌّ منا كان يجلس إلى طاولة مختلفة، ينظر من زاوية مختلفة، ويحسب الزمن بمقياس مختلف.

 

كنت أعود بالحديث إلى جدول النقاش المتفق عليه، فيعود هو إلى مساحته الخاصة. كنت أفتح نافذة على مشاريع تبحث عن سوقها، فيغلقها ليحدثني عن سوق يعرفه جيدًا. لم يكن خلافًا صريحًا، بل انزلاقًا هادئًا في مسار الحديث، ذلك النوع من الانحراف الذي لا يُسمع له صوت، لكنه يغيّر الوجهة بالكامل.

 

وهنا تظهر إحدى أعقد مفارقات الشراكات: أن تجلس مع شخص متحمس، منصت في الظاهر، لكنه في داخله لا يسمع إلا صوته. في تلك اللحظة، لم أشعر بالغضب، بل بشيء أعمق. شعرت بأن التوقعات التي بنيتُها بعناية، كانت أعلى من الأرض التي نقف عليها.

 

تساءلت بصمت: هل نحن نبحث عن شراكة؟ أم عن توسعة نفوذ؟ عن عمل مشترك؟ أم عن عبور مؤقت إلى علاقات الآخر؟ في عالم الأعمال، هناك أصول لا تُسجَّل في الدفاتر: العلاقات، الأفكار، الثقة، والوقت. وهذه هي أكثر ما يُستنزف عندما يغيب الوضوح.

 

أدركت حينها أن بعض الاجتماعات لا تُعقد للتخطيط، بل للاختبار. اختبار حدودك، ومدى استعدادك للتنازل، وكم يمكن للطرف الآخر أن يحصل دون أن يلتزم بشيء واضح.

 

ليس كل استسلام هزيمة. فأحيانًا نُكمل الحديث لا لأننا مقتنعون، بل لأننا نريد أن نرى الصورة كاملة. لكن الخطر الحقيقي هو أن يتحول هذا المرور المؤقت إلى عادة، وأن يتحول الصمت العابر إلى موافقة غير معلنة.

 

تعلمت من هذه التجربة أن "اليد الواحدة لا تصفق" ليست مجرد حكمة شائعة، بل قاعدة عمل. فالفريق لا يُبنى بالنيات الطيبة، ولا بالأصدقاء، ولا بالوعود المؤجلة. يُبنى بالالتزام، وبالوضوح، وبالاستعداد لتحمّل العبء قبل التفكير في اقتسام العائد.

 

كما تعلمت أن المشاريع السريعة ليست عيبًا، وأن البيئات المستقرة ليست فضيلة مطلقة. القيمة الحقيقية تكمن في التوازن: أن تعرف متى تبحث عن العائد، ومتى تستثمر في المسار. أما الإصرار على نموذج واحد، فغالبًا ما يكون تعبيرًا عن خوف، لا عن قوة.

 

أكثر ما أوجعني في التجربة لم يكن اختلاف الرؤى، بل ذلك الشعور الغامض بأن الاتفاقات الشفهية تشبه الرمال الرطبة: تبدو متماسكة، لكنها تتفكك عند أول ضغط. وهنا، لا يعود السؤال مهنيًا فقط، بل إنسانيًا: كيف نحمي أنفسنا من خيبات لا تُعلن؟ كيف نقرأ ما بين السطور؟ وكيف نُفرّق بين من يريد أن يعمل معنا، ومن يريد أن يعمل من خلالنا؟

 

ربما لا توجد إجابات نهائية، لكن هناك إشارات. من يهرب من وضوح النقاش، غالبًا يهرب من الالتزام. ومن يطلب العلاقات قبل الاتفاق، غالبًا يخلط بين الشراكة والاستفادة. ومن لا يحترم وضوحك، لن يحترم وقتك لاحقًا.

 

في النهاية، خرجتُ من اللقاء بخسارة صغيرة، وربح كبير: وعي أعمق بطبيعة البشر في مساحات المصالح، وفهم أصدق لمعنى الشراكة. فالشراكة الحقيقية لا تبدأ بالحماسة، بل بالوضوح. ولا تستمر بالكلام، بل بالفعل. ولا تُقاس بما نكسبه اليوم، بل بما لا خسره غدًا: كرامتنا المهنية، وحدودنا، وصفاء نيتنا.

 

أما القلوب، فستبقى دائمًا تحمل ما تسرّه. لكننا نستطيع - على الأقل - ألا نضع مفاتيح أبوابنا في يد من لا يعرف كيف يطرق.

 

جهاد غريب

يناير 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...