الخميس، 8 يناير 2026

الخريطة والواقع

 

الخريطة والواقع

"عندما تتعثر خططنا في صخور المفاجآت"

 


نحمل بين أضلعنا أكثر من خريطة. خريطة العمر المرسومة بخط منتظم من المهام والأحلام. خريطة القلب المزركشة بمحطات الحب والوداع. خريطة الذات الباطنة، التي نحدثها كل عشية بما أصابنا وما أخطأنا. نرسمها بأنفسنا، بعناية مستكشف عالمي، نضع عليها جبال الإنجاز، ومستنقعات الحذر، وجسور الفرص المحتملة. ننظر إليها فنطمئن. هذا هو المسار. هذه هي الحياة الموعودة. ثم نخرج إلى الواقع، ونمشي على قدمين من الحلم، فإذا بأول صخرة كبيرة تقف في وسط الطريق، لم تكن جزءًا من المسار الذي تخيلناه.

 

الصخرة قد تكون خيبة مدوية، أو مرضًا مفاجئًا، أو حبًا يجيء في غير أوانه، أو فرصة تتساقط بين الأصابع كالرمال. فنقف متحيرين، نتأمل الخريطة ثم الصخرة، الصخرة ثم الخريطة. هل هذه هي الأرض نفسها؟ لقد خُدعنا. أو لعلنا خدعنا أنفسنا. فالخريطة لم تكذب، إنما هي تصوير ساذج لأرض أعقد من أن تُحدَّ بحبر. الخطأ لم يكن في الرسم، بل في الإيمان بأن الرسم هو الأرض.

 

في البداية، نحن نحاول دفع الصخرة. نصرخ في وجهها. نتهم القدر، والظروف، وذائقة من رسموا لنا العالم على هذه الصورة. نحاول تسلقها بلا عدة، فنخدش أيدينا. نحفر تحتها، فنجد صخورًا أخرى. كأننا نريد أن نُقنع الجبل بأن يتزحزح لأجل رغباتنا الصغيرة. هذا هو زمن الغضب والإحباط: زمن الإصرار على أن يكون الواقع هو الخريطة.

 

إلا أن حكمة الأرض تبدأ حيث ينتهي صبرنا. عندما نجلس متعبين عند قاعدة الصخرة، نلقي الخريطة جانبًا، ونرفع رؤوسنا لأول مرة لننظر حولنا. فنرى المنظر الذي كان سيفوتنا لولا هذه الصخرة. نرى مسارًا جانبيًا متلويًا بين الأشجار، جميلًا بغير تقدير. أو نرى نبع ماء صافيًا لم نكن لنعبره لو استمررنا في مسارنا المستقيم. أو نلتقي بشخص كان هو أيضًا قد تعثر بصخرته، فتكون مواجهتكما هي البداية الحقيقية لرحلة لم تكن في خرائط أحد.

 

حينئذ، نفهم الدرس الأعظم: لم تكن الصخرة عقبة، إنما كانت مفتاحًا. مفتاحًا لخريطة أكبر، أعمق، أكثر حيوية. هي التي أرغمتنا على رفع أنظارنا عن الورقة المرسومة، لنرى سعة السماء وغنى الأرض. هي التي علمتنا أن الحياة ليست عبارة عن مسار مستقيم بين نقطتي «المبتدأ» و«المنتهى»، بل هي نسيج معقد من المنعطفات والمصادفات والوقفات الإجبارية.

 

فالخبير ليس من لا تتعثر خططه. الخبير هو من تكسر الصخرة خريطته، فيبسط يده ليلمس خشونتها، ثم يبتسم، ويطوي الخريطة القديمة، ويبدأ في رسم خريطة جديدة على الهواء، بقلم التجربة وحبر التوقيع الوقتي. خريطة تتسع للصخور، وتتسع أكثر للنباتات غريبة الألوان التي تنبت في ظلها.

 

لذلك، لا تأسف على الخريطة التي تمزقت. فقد كانت وسيلة، ليس غاية. غايتنا الحقيقية ليست الوصول إلى نقطة معينة بدون عقبات، بل المغامرة نفسها. مغامرة الوجود في عالم لا يخضع لتخطيطنا. مغامرة التعرف على ذاتنا ونحن نتكيف، نرجع، نتجاوز، أو حتى نجلس نبكي لحظة ثم ننهض لنمشي في اتجاه مغاير كلية.

 

نحن اليوم غارقون في صراع الخرائط. نحن أبناء خرائط تتنازعنا، كل منا يراوغ، ويحاول أن يفرض خريطته على الآخر، وعلى الواقع نفسه. وننسى أن الحضارة العظيمة لم تُبْنَ حسب خريطة واحدة، بل على أطلال آلاف الخرائط التي تمزقت. على رفات أحلام لم تتحقق، ومفاجآت لم تُحسَب، وصدوع جمالية تكونت بسبب زلزال لم يكن متوقعًا.

 

لنحمل خرائطنا برقة، ولنمضِ بها ما استطعنا. فإذا وقفت في طريقنا صخرة الحياة الصلدة، فلننحنِ لها، ونتعلم ما جاءت لتعلّمنا إياه. لنقل: «مرحبًا بك أيتها الحقيقة. أنت لست في خريطتي. لكن لعل خريطتي كانت خاطئة. فتعالي، لنرسم معًا خريطة جديدة، خريطة توسع من حدود قلبي، وتفتح في سمائي نجمًا لم أكن أعرف أنه يشرق». فبهذا الحب للمفاجأة، وهذه الرحمة بخططنا القاصرة، نعيش حياتنا لا كسائرين في ممر محسوب، بل كملاحين شجعان في محيط من المجهول الجميل، نعرف أن أجمل الجزائر هي تلك التي لم تُرسم بعد.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...