الثلاثاء، 6 يناير 2026

الدواء أم الاستماع؟

 

الدواء أم الاستماع؟

 

"حين يتحول العلاج النفسي إلى أداة لإسكات المشاعر في البيوت"

 



 

في بعض العائلات، يتحول الدواء من وسيلة علاجية إلى أداة لقمع المشاعر وإسكات الأسئلة المحرجة. فبدلًا من مواجهة الحقائق المؤلمة والانخراط في حوار صادق، يُختزل الألم النفسي إلى مجرد خلل كيميائي يحتاج إلى تهدئة. هذه الآلية الدفاعية ليست سوى هروب من مواجهة الذات والاعتراف بالتقصير، حيث يفضل البعض إسكات صوت المعاناة بدلًا من الاستماع إلى ما تحمله من رسائل.

 

عندما تعبر المرأة عن قلقها أو ألمها، تواجه رد فعل مفاجئًا يتمثل في الرغبة في "إعادتها إلى طبيعتها" عبر الدواء. لا يتم هذا بدافع الرغبة في شفائها، بل بدافع الرغبة في استعادة الهدوء المفقود وإيقاف مصدر الإزعاج العاطفي. فالصرخة التي تطلقها لا تُفهم كنداء استغاثة، بل كمصدر إزعاج يعكر صفو الحياة اليومية. وهكذا تتحول الحبة الدوائية إلى أداة للرقابة العاطفية، لتصبح ستارًا يخفي الأعطال الحقيقية في بنية العلاقات الأسرية.

 

اللافت في هذه الظاهرة هو التناقض الصارخ بين الاهتمام الظاهري والرفض الجوهري. العائلة التي تقدم الدواء قد تبدو مهتمة بصحتها، لكنها في الواقع ترفض تحمل مسؤولية مشاركتها ألمها. بدلًا من السؤال الصعب: "ما الذي جعلها تصل إلى هذه الحالة؟"، يُطرح سؤال أسهل: "ما الدواء الذي سيجعلها تتوقف عن الشكوى؟". هذا النوع من الاهتمام المشروط يحوّل العلاج من عملية شفاء إلى عقاب خفي، حيث تتعلم المرأة أن صمتها أكثر قيمة من مشاعرها.

 

الأكثر إيلامًا أن المرأة نفسها قد تبدأ في تصديق هذه الرواية المغلوطة، فتُحمّل نفسها وزر مشاعرها، وتعتقد أنها مريضة لأنها تجرؤ على الإحساس بما لا يُسمح بالإحساس به. لكن الحقيقة أن الألم النفسي غالبًا ما يكون مؤشرًا على صحوة الضمير، وناقوس خطر ينبه إلى وجود خلل يحتاج إلى المعالجة، لا إلى التخدير.

 

في النهاية، معادلة "الدواء بدل الحوار" هي معادلة خاسرة للجميع. فهي تحرم المرأة من حقها في الفهم والاستماع، وتحرم العائلة من فرصة النمو والتطور، وتحول البيت من ملاذ آمن إلى مصحة صامتة. الشجاعة الحقيقية لا تكمن في إسكات الأصوات، بل في الجلوس إلى طاولة الحوار، والاستعداد لسماع ما قد يكون مؤلمًا وغير مريح. فالدواء الحقيقي لأوجاع الروح لا يوجد في الصيدليات، بل في القدرة على قول: "أنا أسمعك" بصدق.

 

الاستماع بصدق أحيانًا هو أعظم علاج لكل الجروح التي لا تُرى، وأثمن دواء للقلب قبل العقل.

 

الدواء قد يضبط نبضات القلب، لكنه لن يرمم انكسار الروح الذي سببه الإهمال.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...