الأربعاء، 28 يناير 2026

حين تحمل المرأة العلاقة وحدها… هل يبقى الحب كما هو؟

 

حين تحمل المرأة العلاقة وحدها… هل يبقى الحب كما هو؟

 

"عندما تتحول القوة الفردية إلى عبء للعلاقة"

 




تبدأ الحكاية غالبًا بنوايا طيبة. امرأة محبة، واعية، قادرة، ترى أن الشراكة تعني الدعم، وأن القوة تُقاس بالقدرة على الاحتمال. في البداية، يبدو الأمر طبيعيًا: هي أكثر تنظيمًا، أكثر حسمًا، أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية. لا مشكلة في ذلك… إلى أن تتحول هذه الأفضلية المؤقتة إلى نمط دائم ومتوقَّع.

 

عندما تصبح المرأة هي صاحبة القرار الأساسي، والملاذ عند الأزمات، والمحرّك عند التوقف، تبدأ العلاقة في الانزلاق بهدوء من الشراكة إلى الاختلال. لا يحدث هذا فجأة، ولا يعلنه أحد صراحة. يحدث لأن الطرف الآخر لم يكن مستعدًا، أو لم يُطلب منه أن يكون مستعدًا، أو لأن الحب غطّى على الفجوة في القدرة.

 

أن تكون المرأة "زوجًا وزوجة" في آن واحد لا يعني فقط أنها تتحمل العبء العملي، بل العبء النفسي أيضًا. هي التي تفكر وتقلق وتخطط وتحتوي، ثم تتحمل نتائج القرارات، ثم تُطالب في الوقت نفسه بأن تبقى أنثى مرتاحة، غير متوترة، وغير متطلبة. هذا التناقض، مهما طال، لا يمكن أن يستمر دون ثمن.

 

في هذه الحالة، لا ينهار الحب بالضرورة، لكنه يتغير. يتحول إلى إحساس بالإنهاك، ثم إلى ضيق صامت، ثم إلى تساؤل مؤلم: "لماذا أنا وحدي من يحمل كل هذا؟". السؤال لا يُطرح بدافع الجحود، بل بدافع التعب.

 

ومع الوقت، يظهر أثر هذا الاختلال بوضوح أكبر. الخطر الحقيقي في هذا النمط ليس فقط على المرأة، بل على العلاقة ككل. لأن الطرف الآخر، حين يُعفى من المسؤولية عمليًا، يفقد تدريجيًا ثقته بنفسه، أو دافعيته للنمو. ليس لأنه سيئ النية، بل لأن الظروف سمحت له بالبقاء في منطقة الراحة. وهكذا، تتسع الفجوة بدل أن تضيق.

 

كثير من النساء لا يدخلن هذا الدور عن ضعف، بل عن قوة. القوة هنا ليست المشكلة، بل غياب التوازن، فالقوة غير الموزعة تتحول إلى عبء. الشراكة الصحية لا تقوم على أن يكون أحد الطرفين دائمًا في موقع القيادة، والآخر في موقع التبعية، بل على تبادل الأدوار، وتكامل القدرات، ومواجهة الواقع معًا.

 

المشكلة أن هذا الاختلال لا يُرى في البدايات. يُنظر إليه أحيانًا على أنه "تفاهم"، أو "مرونة"، أو "تضحية". لكن مع مرور الوقت، تبدأ المرأة في الشعور بأنها الراعية لا المُراعَاة، المسؤولة لا المحمية. وهنا، يبدأ التصدع الداخلي.

 

ليس المطلوب أن تتراجع المرأة عن قوتها، ولا أن تخفف من وعيها، بل ألا تُضطر لأن تكون كل شيء وحدها. ألا يُبنى البيت على طاقتها فقط. لأن البيوت التي تقوم على جهد طرف واحد قد تصمد فترة، لكنها تُرهق ساكنيها.

 

حين تصبح المرأة زوجًا وزوجة في آن واحد، فهذه ليست علامة نجاح، بل إشارة خلل. خلل لا يُعالج باللوم، بل بإعادة توزيع الأدوار، وبالاعتراف بأن الحب وحده لا يكفي، وأن القدرة يجب أن تكون متبادلة، لا محتكرة من طرف واحد.

 

وفي النهاية، يبقى جوهر العلاقة معلقًا على سؤال واحد: هل يمكن للشراكة أن تبقى متوازنة حين تصبح القوة فردية؟ أم أن لكل علاقة موعدها مع الانزلاق إذا لم تُبنى على تقاسم المسؤولية حقًا؟

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟

  هل يمكن للوضوح أن يعيش مع الأمل؟   "الشروط ليست قيودًا، بل أدوات لحماية وضوح الطريق والعلاقة"   الحديث عن الشروط غالبًا ...