الفرق بين فتح باب الحوار وفتح باب
الوهم
"كيف نصنع الوهم دون أن نشعر؟"
الحوار، في جوهره، فعل إنساني نبيل. هو اعتراف بحق الآخر في أن
يُسمَع، وبحق الفكرة في أن تُناقش قبل أن تُرفض أو تُقبل. لكنه، دون وعي، قد يتحول
إلى مصدر أذى عميق. فليس كل حديث صحي، وليس كل انفتاح دليل حكمة. أحيانًا، تكون
المسافة بين الحوار والوهم شعرة رفيعة، لا تُرى إلا بعد فوات الأوان.
فتح باب الحوار يعني السماح للفكرة بأن تُطرح على الطاولة، لا
أن تُعتمد تلقائيًا. يعني الإصغاء دون التزام، والتفكير دون وعد، والمناقشة دون
تحميل المستقبل أكثر مما يحتمل. أما فتح باب الوهم، فيحدث حين يُترك الحوار بلا
إطار، وبلا لغة دقيقة، وبلا وعي بتفاوت النضج بين الأطراف.
الوهم لا يُصنع دائمًا بالكذب. كثيرًا ما يُصنع باللطف الزائد،
أو بالغموض غير المفسَّر، أو بالخوف من قول "لا" بشكل صريح. حين نخشى أن
نُحبط الآخر، فنترك له مساحة يملؤها بتوقعاته الخاصة. وحين نخشى أن نبدو قساة،
فنستخدم عبارات مطاطة تحتمل أكثر مما نقصد. وهكذا، يتحول الحوار من مساحة أمان إلى
أرض خصبة للتعلق والخذلان.
المشكلة أن الوهم لا يظهر فورًا، كأن يسمع أحدهم عبارة لطيفة
فيفهمها كإشارة مستقبلية. إذ ينمو الوهم بهدوء. يبدأ بفكرة صغيرة: "ربما يحدث
هذا"، ثم يتحول إلى انتظار: "دعنا نرَ"، ثم يصبح يقينًا داخليًا:
"هو قادم لا محالة". وعندما يتضح لاحقًا أن الأمر لم يكن كذلك، لا يكون
الألم في الرفض نفسه، بل في سقوط البناء الذي شُيّد على فهم غير مكتمل.
فتح باب الحوار مسؤولية، لا مجاملة. يتطلب وعيًا ليس فقط بما
نقوله، بل بكيف قد يُفهم. خاصة حين يكون الطرف الآخر في مرحلة يبحث فيها عن
الأمان، أو عن تثبيت، أو عن معنى يعلق عليه قلقه. في هذه الحالات، تصبح الكلمة غير
المحسوبة أشبه بوعد مؤجل، تحمل على عاتقها أعباء لم يُقصد لها أن تكون.
هناك فرق كبير بين أن نقول: "نحن نتحدث لنفهم"، وبين
أن يُفهم الكلام على أنه: "نحن نمضي في هذا الاتجاه". هذا الفرق لا
يُترك للتخمين، بل يجب أن يُقال بوضوح. لأن الوضوح، خلافًا لما يُظن، لا يقتل
العلاقات، بل ينقذها من التشوه، ويمنح كل طرف مساحة للتصرف بوعي.
ومع ذلك، تظهر مشكلة أخرى: البعض يعتقد أن وضع حدود للحوار
يعني إغلاقه. الحقيقة أن الحدود هي ما يجعل الحوار ممكنًا دون أن يتحول إلى
استنزاف نفسي. حين يعرف كل طرف أين يقف، وما الذي يمكن توقعه، يصبح الحديث أكثر
أمانًا، حتى لو لم يؤدِّ إلى نتيجة فورية. الحدود ليست جدارًا، بل شبكة أمان تتيح
التوازن بين الإفصاح والاستماع.
فتح باب الوهم غالبًا ما يكون حسن النية، لكنه سيئ العاقبة.
لأنه حين ينكشف، يخلّف شعورًا بالخديعة، حتى لو لم يكن هناك خداع مقصود. يشعر
الطرف المتعلق بأنه تُرك وحيدًا مع توقعاته، وأن الكلمات التي سمعها كانت أكبر من
حقيقتها، وأن ما بُني من أفكار على الكلام لم يكن قائمًا على أرض صلبة.
الحكمة لا تكمن في كثرة الكلام، بل في دقته. وفي القدرة على
الجمع بين اللطف والوضوح، بين الإصغاء والحزم. أن نكون حاضرِينَ دون أن نكون
معلقين، وأن نفتح الحوار دون أن نفتح بابًا لا نستطيع أو لا نريد العبور منه. أن
نميز بين المشاركة في النقاش، وبين إصدار وعود ضمنية قد تتحوّل لاحقًا إلى جرح.
الحوار الصحي لا يعد، ولا يلمّح، ولا يترك الطرف الآخر في
منطقة رمادية. بل يقول بصدق: "نحن نفكر، ولسنا نعد". وبين التفكير
والوعد مسافة يجب احترامها، ومسؤولية يجب إدراكها. فالتواصل الواعي هو الذي يمنع
الوهم، لا الذي ينكره أو يجعله صامتًا.
إن القدرة على التفريق بين الحوار والوهم ليست مهارة بسيطة، بل
فن يستلزم وعيًا مستمرًا، ونضجًا في قراءة الذات والآخر. يتطلب أن نضع حدودًا
واضحة، وأن نتخيل كيف قد يُفهم الكلام قبل أن يُقال، وأن نتحمل مسؤولية أثر
كلماتنا على من حولنا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يثير التأمل: كم من الحوار
الذي فتحناه كان حقًا منفتحًا، وكم كان مجرد باب أمل نُسي أنه بلا أساس؟
جهاد غريب
يناير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق