الأربعاء، 28 يناير 2026

الحب يشعل… والقدرة تبني!

 

الحب يشعل… والقدرة تبني!

 

"العاطفة وحدها لا تكفي، بل القدرة على الاستمرار والصمود"

 




الحب شعور عظيم، وربما هو أحد أقوى الدوافع التي عرفها الإنسان. به تُخاض المخاطر، وتُحتمل المشاق، ويُعاد ترتيب الأولويات. لكنه، رغم كل ذلك، ليس مادة بناء، بل شرارة بداية. لا يصلح وحده ليكون أساسًا لبيت، ولا ضمانًا لاستمرارية علاقة. ما يبني البيوت حقًا هو القدرة: قدرة على التحمل، على القرار، على المسؤولية، وعلى المواجهة حين تختفي الرومانسية.

 

كثير من العلاقات تبدأ بحب صادق، ثم تنهار لا لأن الحب كذب، بل لأن القدرة لم تكن موجودة. الحب يجيب عن سؤال: "هل أريد؟"، لكنه لا يجيب عن سؤال: "هل أستطيع؟". وبين السؤالين فرق شاسع، يتجاهله كثيرون.

 

القدرة ليست مجرد قوة مادية، رغم أهميتها. هي منظومة متكاملة: نفسية، عقلية، سلوكية. أن تكون قادرًا يعني أن تعرف كيف تتخذ قرارًا تحت الضغط، وكيف تتحمل تبعاته دون تعليق اللوم على الآخر. يعني أن تستطيع حماية العلاقة من الخارج، لا أن تكون أول من يتخلى عنها عند أول اختبار.

 

الحب قد يجعلك تعد بالكثير، لكن القدرة هي ما يحدد ما يمكنك الوفاء به. هنا تبدأ الفجوة الخطيرة: حين تتقدم الوعود على الإمكانيات. حين يُبنى الحلم أكبر من الأدوات المتاحة لتحقيقه. في هذه الحالة، لا يكون الفشل مفاجئًا، بل مؤجلًا.

 

من علامات غياب القدرة أن يتحول أحد الطرفين إلى محور كل شيء. هو الذي يخطط، ويقرر، ويدفع، ويحتوي، بينما الطرف الآخر يكتفي بالنية الحسنة. ومع الوقت، يتحول هذا الخلل إلى عبء نفسي ثقيل. لأن العلاقة السوية لا تقوم على التضحية الدائمة من طرف واحد، بل على توازن الجهد والمسؤولية.

 

القدرة تعني أيضًا الاستقلالية. ليس بمعنى الانفصال عن الآخرين، بل بمعنى عدم الاتكاء الكامل عليهم. الشخص القادر لا يحتاج إلى من ينقذه باستمرار، ولا يبني حياته على افتراض أن الآخر سيتكفل بكل شيء. هو شريك، لا عبء.

 

ومن أخطر الأوهام الشائعة أن الحب "سيُعلّمنا" ما لم نتعلمه قبل. أن العلاقة نفسها ستصنع فينا النضج، أو ستدفعنا إلى تحمل ما لم نكن مستعدين له. أحيانًا يحدث هذا، لكن الثمن يكون باهظًا، وغالبًا يدفعه الطرف الأكثر قدرة.

 

الحب قد يشعل الرغبة في البناء، لكنه لا يحمل الطوب، ولا يرسم المخططات، ولا يصمد أمام العواصف وحده. القدرة هي التي تفعل ذلك. القدرة على الصبر دون كبت، على الحوار دون انسحاب، على العمل دون تذمر، وعلى الاعتراف بالنقص دون دفاعية.

 

حين نعيد الاعتبار لمفهوم القدرة، لا نقلل من قيمة الحب، بل نضعه في مكانه الصحيح. نجعله دافعًا لا بديلاً، وبداية لا ضمانًا. نفهم أن الحب، مهما كان صادقًا، يحتاج إلى أرض صلبة يقف عليها. وإلا تحول من نعمة إلى عبء، ومن حلم إلى مصدر خيبة.

 

البيت لا يُبنى بالشعور وحده، بل بالاستعداد لتحمل ما بعد الشعور. هذا هو الفرق بين علاقة تعيش، وأخرى تستهلك أصحابها حتى النهاية. القدرة تجعل العلاقة قابلة للبقاء، والحب يجعلها جديرة بالبقاء.

 

وبعد كل هذا، يبقى السؤال الأعمق: كم من الحب في حياتنا صُنع ليبقى، وكم صُنع ليشعل فقط ثم يختفي؟

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحلم والانبعاث بين ظلال الليل

  الحلم والانبعاث بين ظلال الليل   "حين يحلم الإنسان بنفسه… يولد كما لم يولد من قبل"   في كل مساء، حين يهبط الليل على العا...