في
فقه الوضوح وأدب المسافات
"حين
يصبح الوضوح فعل كرامة في شراكات المبدعين"
في
ميزان الشراكات الكبرى، لا تُقاس القيمة بمجرد الأرقام أو العقود المبرمة، بل
بالوضوح الذي يسبق الخطوة، والوفاء الذي يتلو الوعد. إن أقسى ما يواجه المبدع في
رحلته ليس عناء الإنجاز، بل أن يجد أحلامه التي صاغها بانتماءٍ كامل قد باتت
معلقةً في "ردهات الانتظار" أو مركونةً تحت وطأة "علم الغيب".
حين
يصبح العتاب لغةً ضرورية، فهو ليس إعلانًا عن خصومة، بل هو النفَس الأخير لإنقاذ
"شمس اليقين" في علاقة مهنية يغشاها ضباب الصمت وتأجيل المستحقات. فكما
أن للمبدع قلبًا يسكن في مشاريعه ويراها جزءًا من كيانه، فإن له كرامة مهنية تأبى
أن يتحول فيها "شركاء النجاح" إلى "غرباء في المراسلات".
إن
الوقوف عند مفترق الطرق يتطلب شجاعةً لترميم ما انكسر من جسور الثقة، أو أدبًا
رفيعًا في الفراق يحفظ الود القديم ويمنح كل ذي حق حقه، قبل أن تُطوى الأيام وتبدأ
فرصٌ جديدة في البحث عن مظلاتٍ أكثر إنصافًا ووضوحًا.
ليس
العتاب في بيئة العمل دليلًا على الضعف، بل هو "صمام أمان" يحمي
العلاقات من الانفجار المفاجئ. عندما يختار الشريك أن يعتب، فهو في الحقيقة يمنح
الشراكة فرصة أخرى للحياة.
العتاب
المهني الرفيع هو الذي يبتعد عن "شخصنة الخلاف" ليركز على "إصلاح
المسار"، محولًا الضيق النفسي إلى نقاط عملية تستند إلى المنطق والوضوح،
فالعلاقات التي لا تُسقى بماء المصارحة، تيبس أغصانها تحت حرارة التجاهل.
في
عالم الأعمال، "الكلمة" هي العملة الحقيقية التي تسبق النقد. الالتزام
بالدفعات والمواعيد ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو تجسيد للمروءة والاستقامة
المهنية. وإبقاء المستحقات في متاهة "علم الغيب" يهز أركان الثقة من
أساسها، محوّلًا الشريك من "حالمٍ بصناعة المستقبل" إلى "حارسٍ
لأرشيف المطالبات"، وهو ما يتنافى مع كرامة العمل. الحقوق التي تأتي في
موعدها هي التي تبارك الجهود وتفتح أبواب البركة في التعاون القادم.
أصعب
شعور قد يمر به المبتكر هو أن يشعر بأنه "خارج الدائرة" في مكانٍ كان
يظن أنه أحد أعمدته. عندما يبني الإنسان مشروعًا بقلبه، فإنه يضع فيه جزءًا من
روحه، وتجاهل الرد أو غياب التفاعل يُشعر المبدع بـ "الاغتراب المهني".
الشريك الحقيقي ليس مجرد "مورد خدمات"، بل هو "فرد من العائلة
الكبيرة للكيان"، وتقديره معنويًا بالاستماع والرد يوازي في أهميته التقدير
المادي.
ليس
كل تعاون مهني مقدرًا له الخلود، ولكن كل فراق مهني يجب أن يكون
"جميلًا". إن البحث عن "مظلات أخرى" هو حق مشروع عند غياب
الرؤية المشتركة، لكن النبل يقتضي إنهاء الملفات العالقة أولًا. مفهوم
"الخروج بكرامة"، يتضمن إغلاق الدفاتر القديمة بوفاء، لتبقى جسور المودة
ممدودة حتى لو افترقت المسارات العملية، فالمهن تذهب والسمعة الطيبة هي ما يبقى.
الوقت
هو رأس المال الأوحد الذي لا يُسترد. وإن تأخير القرار – قبولًا أو رفضًا أو أداءً
– هو "سرقة للأعمار" قبل أن يكون خسارة للأموال. المبدع يحتاج إلى
"أرض صلبة" من المواعيد ليتمكن من تشييد صروح مشاريعه القادمة. الضرورة تكمن
في حسم المواقف؛ فالوضوح (حتى لو كان بالاعتذار عن الإكمال) أكرم بكثير من الوعود
المعلقة التي تستهلك طاقة الإنسان في الانتظار بدلًا من الإنتاج.
في
نهاية المطاف، ليست العقود هي ما يربط الناس ببعضهم، بل تلك "الخيوط
الخفية" من الثقة والتقدير التي تُنسج في صمت. إن أسمى ما يتركه الإنسان في
ميدان العمل ليس مشروعًا ناجحًا أو رصيدًا مصرفيًا، بل هو ذلك الأثر النبيل الذي
نتركه في نفوس من شاركونا الحلم؛ أثرٌ يخبرهم بأننا كنا حقيقيين، وأن كلماتنا كانت
صادقة، وأن كرامة الإنسان عندنا أثمن من كل مكسب عابر.
إننا
لا نكتب لنطالب بحق مادي فحسب، بل نكتب لنحمي ذلك "الرقي الإنساني" من
أن يغرق في بحر الماديات الجافة. فالمشاريع تتكرر، والفرص تتجدد، ولكن "السمت
والوقار" في الخصومة والاتفاق هو العملة النادرة التي لا تقبل التزوير. ولعل
أبلغ ما نتعلمه عند مفترق الطرق، هو أن المواقف الصعبة لا تكشف لنا معادن الآخرين
فقط، بل تعيد تعريفنا نحن لأنفسنا؛ فإما أن نخرج منها بمرارة تملأ الصدور، أو نخرج
بابتسامة الواثق الذي أدّى أمانته كاملة، وترك الباب مواربًا للقدر، مؤمنًا بأن
الأرزاق بيد خالقها، وأن الودّ الصافي هو الاستثمار الوحيد الذي لا يعرف الخسارة.
هذا
النص موجّه لكل مبدع وجد نفسه يومًا بين الشغف والانتظار.
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق