سِعة الإنسان
"مرونة الروح في احتواء
المتناقضات"
ليس الإنسان خطًا مستقيمًا يمكن
تتبّعه، ولا معادلة يمكن حلّها، بل هو فضاء داخلي واسع تتجاور فيه الحالات كما
تتجاور الظلال مع الضوء عند الغروب. قلبٌ يحتمل الكون، يتسع للتناقضات كالأفق الذي
يضمّ النور والظلام في لحظة الغروب؛ في داخله تتعاقب المشاعر دون إعلان، وتتداخل
الأضداد دون أن تتقاتل، فيبتسم القلب لحظة ثم يثقل بعد دقائق، لا لأن الفرح كان
زائفًا ولا لأن الحزن طارئ، بل لأن النفس البشرية لا تعرف البساطة المفرطة. كانت
الحكمة تقول: المشاعر ضيوف، لا أصحاب بيت.
ومع ذلك نعيش زمنًا يطالب الإنسان
بالوضوح المستمر، بالثبات الدائم، بأن يكون في حال واحدة يمكن تسميتها وتصنيفها،
وكأن التقلّب صار تهمة، والتأرجح ضعفًا، والحيرة عيبًا ينبغي إخفاؤه. لكن النفس
البشرية لا تزدهر في القوالب؛ هي كالماء، إذا حُبس في شكل واحد فسد، وإذا تُرك
يتدفّق بقي حيًا. فالتناقض ليس ضد الاتزان، بل أحد وجوهه العميقة.
نحن لا نعيش شعورًا واحدًا في كل
مرة، بل نعيش طبقات شعورية، بعضها ظاهر وبعضها يعمل في العمق بصمت يشبه صمت الجذور
تحت الأرض. تأتي المشاعر في طبقاتٍ شفافةٍ متداخلة، كألوان الضوء عندما يمرّ عبر
المنشور، فلا تعرف أين يبدأ الأزرق وينتهي البنفسجي. إننا في هذا التناقض نرى
الأشياء من زوايا متعددة، وفي التداخل نتعلم التواضع أمام تعقيد النفس، ولهذا نعجز
أحيانًا عن تفسير أنفسنا: كيف اجتمع الرضا والضيق، وكيف تزامن الامتنان مع الخيبة،
وكيف لم يُلغِ أحدهما الآخر.
الجواب ليس في الخلل، بل في الطبيعة.
فالإنسان خُلق على هيئة السعة: سعة في الفهم، وسعة في الاحتمال، وسعة في استقبال
التجربة. ولو لم يكن كذلك لانكسرت روحه عند أول تناقض، أو توقفت حياته النفسية عند
أول مفترق شعوري. أدركت الفلسفة القديمة هذا قبل أن يُسمّيه علم النفس، فرأت
الإنسان كائنًا مركّبًا لا يُختزل في انفعال ولا يُعرَّف بحالة عابرة.
وفي هذا الوجود المتعدد الألوان، لا
يلغي الفرحُ الحزنَ، ولا ينفي الحزنُ الفرحَ. بل يجتمعان كصديقين قديمين يعرفان أن
اللقاء مؤقت لكنه ضروري. هناك لحظات تحتوي شعورين متعاكسين تمامًا، كيدٍ ترفع كأس
الفرح بينما تمسح دمعة الحزن. التناقض هنا ليس خللًا، بل أحد وجوه الحياة العميقة؛
برهانٌ على أن القلب يرى أكثر من زاوية، وأن الروح تتذوق طعم الوجود بكل ما فيه من
مرارة وحلاوة.
قد تشعر بالسعادة وفي الوقت ذاته
بانزعاج خافت، لا لأنك جاحد، بل لأن وعيك يلتقط أكثر من إشارة. الفرح الخالص حالة
نادرة، كما أن الحزن الخالص وهم. معظم ما نعيشه مناطق رمادية تختلط فيها المشاعر
كما تختلط ألوان الغروب دون أن يفقد المشهد جماله.
وهنا تظهر عظمة الاحتمال: فالإنسان
لا يتميّز فقط بقدرته على الشعور، بل بقدرته على تحمّل الشعور؛ أن يمر بالغضب دون
أن يتحول إلى شخص غاضب، وأن يختبر الحزن دون أن يصبح كائنًا حزينًا، وأن يفرح دون
أن يفقد عمقه. وما هذه القدرة على حمل الأضداد إلا دليل على مرونةٍ داخليةٍ خفية،
قوةٌ لا تُرى تُشبه مرونة الغصن الذي ينحني مع الريح ولا ينكسر. ليست هذه المرونة
قساوة ولا بلادة، بل ليونة نفسية تسمح لنا بالعبور بين الحالات بسلام، قدرة النفس
على الامتصاص، على أن تتلقى صدمات الوجود ثم تتنفس بعمق وتستمر، كالنهر الذي يشق
طريقه بهدوء.
كثيرًا ما نخطئ حين نعتقد أن النضج
يعني الهدوء الدائم أو التوازن الثابت أو الصفاء الذي لا يُعكَّر، لكن النضج
الحقيقي هو القدرة على العبور: أن تدخل الشعور كاملًا، ثم تعرف متى تخرج دون أن
تحمل الغرفة معك. فالمشاعر لا تطلب حلولًا بقدر ما تطلب حضورًا؛ أن نراها، أن
نعترف بها، ثم نترك لها طريق المغادرة مفتوحًا.
وفي هذا العبور الهادئ بين المشاعر،
يكمن جمال خفيّ. فالتجربة الشعورية ليست عبئًا نحاول التخلص منه، بل دليل على
العمق الذي نسكنه. الألم ليس نقيض الجمال، بل أحد أشكاله الصعبة التي تحتاج إلى
عين حانية لترى جمالها. الامتلاء العاطفي، حتى وإن كان ممزوجًا بالتناقض، علامة
إنسان حيّ ينبض، لا آلة تُبرمج على استجابة واحدة.
ما يجعل الإنسان جديرًا بالإعجاب ليس
خلوّه من الألم ولا صفاء أيامه، بل قدرته الهادئة على الاستمرار دون أن يفقد
حساسيته؛ أن يشعر ولا يتبلّد، أن يتأثر ولا يتحطم، أن يمرّ بالتجربة دون أن يُختزل
فيها. لسنا مطالبين بأن نفهم كل ما نشعر به فورًا؛ بعض المشاعر تحتاج وقتًا كي
تُفهم، وبعضها لا يُفهم أصلًا، بل يُعاش ثم يُترك.
وهذه السعة الداخلية تجعلنا كائنات
قادرة على الاحتمال، لا ببطولات صاخبة، بل بممارسة يومية صامتة. الاحتمال فنّ
الوجود الهادئ، تحمّل لا ينتظر التمجيد، بل يكتفي بأن يمرّ اليوم ويتيح لليوم
التالي أن يأتي.
عظمة الإنسان الحقيقية تكمن في
تحمّله الصامت، في قدرته على النهوض كل صباح وهو يحمل في داخله عالمًا من المشاعر
المتناقضة، ويكمل طريقه. ففي هذا المرور، وفي هذه القدرة المدهشة على حمل أكثر من
شعور ثم النهوض ثم المواصلة، تكمن إحدى أعمق صور الجمال الإنساني؛ جمال لا يُرى
بسهولة ولا يُقاس ولا يُعلن، لكنه حاضر في كل نفس يُؤخذ، وفي كل شعور يُحتوى، وفي
كل عبور صامت من حالة إلى أخرى. هذه السعة ليست ضعفًا، بل دليل حياة.
وحين نقبل أن النفس أوسع من أي
توصيف، نخفف عنها عبء التفسير المستمر، ونمنحها حقها الطبيعي في التقلّب، تمامًا
كما يتقلّب الطقس دون أن يُتَّهَم بالخيانة. فالإنسان ليس وعدًا بالثبات، بل تجربة
في الحركة، ليس مشروع كمال، بل كائن يتعلم عبر المرور.
وفي النهاية، يبقى الإنسان جديرًا
بالاحتفاء كما هو: متقلب كالطقس، حساس كزهرة، عميق كمحيط. مشاعره المتضاربة ليست
عيبًا يُلام عليه، بل دليل نبض، إثبات على أنه لا يزال حيًا، يشعر، يتألم، يفرح،
ويكبر. كائن يستحق الإعجاب لا اللوم، لأنه يحمل في داخله كل هذا العالم، ويمشي به
بهدوء، ويشرق به كل يوم من جديد، كشمس لا تتوقف عن الشروق حتى في أكثر الأيام
غيومًا.
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق