الخميس، 8 يناير 2026

في دهاليز الاختيار

 

في دهاليز الاختيار

"عندما تتحول النفس إلى ساحة معركة"

 




تقف على مفترق دهليزين. يمين. وشمال. لا لوحة إرشاد، لا بصمة على الجدار تحدد ما قد يختبئ خلف المنعطف. مجرد صمت مُطبق، يمتلئ بهتافات الماضي وتنبؤات المستقبل. هذه هي اللحظة القَبْلية: لحظة الوقوف الخالدة حيث تتحول نفسك إلى ساحة معركة صامتة تهدد أن تتحول إلى ضجة تقصف رأسك.

 

بدأت تعبئة الجيوش. من عتمة الذاكرة، يخرج فيلق «المسؤولية» بدروع الواجب التي تثقل الكتفين. من جناح الحلم، يندفع فصيل «الرغبة» الخفيف الحركة، الحافل بألوان المتعة والحرية. في الزاوية، يتخذ «الخوف من الندم» موقعه كقنّاص متمكن، مصوبًا نظره نحو القلب. و«الطموح» يرفع راية الفخر بعيدًا في الأفق الأيسر. أنت لست سوى قائد لجيش متفرق، يتحدث بلغات متباينة، ويتحارب تحت سمائك الداخلية. كل جندي يأتي بخريطته الخاصة للنصر: خريطة القلب تتحدث عن الأنس والدفء، وخريطة العقل تحصي الكلفة والمنفعة، وخريطة الروح تشير إلى مجهول عميق لا أسماء له.

 

وفي أعالي الساحة، من شرفات الوعي، تطلق أصوات الآخرين قذائفها المغرضة. صوت الأب المحتجب خلف سحابة: «كن رجلًا!». همس الأم الحنون القادم مع نسيم الذكرى: «الطريق الآمن أحبّ إليّ». ضحكة زميل قديم تتحول إلى قنبلة استهزاء: «هل تعتقد أنك قادر؟». أنت تسمعهم جميعًا، وتعلم أنهم جزء من حصارك، وأنك لا تستطيع إسكاتهم. فهم يعيشون في دهاليز نفسك كأطفال شاخوا، أو كأشباح أصبحت لها سلطة التصويت. أصواتٌ لا تموت، بل تغيّر نبرتها فقط.

 

المفارقة الأليمة أنك، في وسط هذه العاصفة، تشعر بأن الأمر مفوَّض إليك وحدك. أن السلام والحرب، النصر والهزيمة، موقوفة على إشارة رأسك. هذا هو ثقل الحرية الحقيقي: ليس في اختيارك، بل في إدراكك أن خيوط كل هذه الأصوات والرؤى والمخاوف تمتد من يدك أنت. أنت الجندي والقائد والساحة والساكن في البناء المطل عليها. هذا الإدراك يشعل الحرب ويطفئها في لحظة واحدة.

 

ثم تأتي لحظة الهدنة الأخيرة، لحظة الهروب إلى دهليز «التأجيل». دهليز وهمي، إنما هو ممر مستدير يعيدك إلى نفس المفترق، إلا أن الجيوش تكون قد أضناها الكمين والقيامة على أهبة القتال. فتدخل في المعركة مجبرًا ليس بقرار، بل بتراكم زمن التردد.

 

تسمع صفارة الهجوم الأخيرة لنفسك، وتختار. تدخل أحد الدهاليز. وفي الحال، يسكن ضجيج المعركة كله. صمت مُطبق آخر، أثقل من الأول. هذا هو صمت ما بعد الفعل. تدير رأسك نحو الدهليز الذي لم تدخله، وتراه يتضاءل سريعًا حتى يغيب في ظلمة لا تنتهي. في هذه اللحظة تبدأ معركة جديدة، أهون صخبًا وأعمق جرحًا: معركة العيش مع الظل.

 

فكل اختيار هو موت صغير. موت الإمكان الذي لم تختره. وما نسميه «حرية الإرادة» هو، في حقيقته القاسية، حرية الحزن على ما فات. أنت لا تكسب مسارًا فقط، بل تخسر عالمًا كاملًا كان سيولد لو أنك سلكت الممر الآخر. تخسر نفسك التي كنت ستكونها. وهذا الحزن الهادئ على الذات المفقودة هو ثمن كل قرار ناضج؛ هو الإقرار بأن الحياة سلسلة من الوداعات الداخلية.

 

لذلك، لا تطلب أبدًا أن تخلو ساحة نفسك من المعارك. ذلك يسمى «الجمود». ولا تتمنَّ أن تكون هذه المعارك سهلة؛ فالاختيار الهين هو اختيار لا قيمة له. إنما تمنَّ أن تخرج من كل معركة وأنت تحمل جراحك بوقار، وتحمل ظل الدهليز الذي تركته برقة. لأن الحكمة ليست في اختيار المسار «الصحيح» دائمًا – فمن يعرف الصواب؟ – بل في أن تمشي في مسارك وأنت تعرف أنك تدفع ثمنًا باهظًا هو نفسك الأخرى، وأن تقدّر ذلك الثمن، فلا تضيع ما اخترته.

 

عالمنا اليوم غارق في صراخ اليقينيين الذين لا تهزهم معارك الدهاليز، لأنهم لم يدخلوها أصلًا. هم يعيشون على هامش نفوسهم. إنما الحقيقيون، الألمعيون، هم الذين يعرفون طعم التراب في ساحة المعركة الداخلية، ويخرجون منها ليقولوا للعالم، بصوت متعب وصادق: «لقد اخترت. وأنا أعلم أني خسرت أشياء جميلة كي أربح هذا الشيء الواحد. وهذا يكفيني». فلا حكمة بلا خسارة، ولا نضج بلا وداع. هذا هو الصوت الإنساني الأصيل: صوت من يبني حضارته ليس من حجارة اليقين، بل من ركام شكه الخلاق، وعلى أطلال نفسه التي كانت، والتي اختار ألا تكون.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...