الخميس، 8 يناير 2026

تحت سماء الوعي المخملية

 

تحت سماء الوعي المخملية

"تأملات في جغرافيا الصمت الداخلي"



 


ترسم خرائطنا الداخلية بحبر من ضجيج صامت. كل حدث لم يفسَّر، وكل دمعة لم تُسكَب، وكل صرخة لم تخرق حاجز الحلقوم، تتبع خطًا غير مرئي على أرضية الروح، وقد تظل معلّقة في الهواء الداخلي كطائرٍ خائف لا يعرف أين يهبط. هناك، تحت سماء الوعي المخملية، تقع قارة «الصمت». ليست أرضًا جرداء، بل غابة كثيفة من الكلمات المعلّقة، تتدلى من أغصان الذاكرة كثمرٍ مُرٍّ لا يجرؤ أحد على قطافه.

 

نعيش جميعًا على حافة تلك الجغرافيا. ندعي معرفة مدننا وبحارنا وشوارع أنفسنا، ونخطط لرحلة الغد وأحلام الأفق البعيد. ولكن، في الأصيل، حين تخفت أصوات العالم، نسمع صفير الريح في ممرات تلك القارة المنسية. نسمع همس الأسئلة التي لم نطرحها، وحفيف الأجوبة التي هربنا منها. صمتنا ليس عدمًا، بل هو كونٌ موازٍ مكتظ بالبيان الموقوف.

 

في جغرافيا الصمت، توجد مدينة اسمها «لو». في أزقتها الضيقة، تعيش النسخ البديلة منا: ذات اليد التي لم تمدّها في حينها، وذات القلب الذي انكسر بسرعة جدًا ليتم تجبيره على عَجَل. وجوهٌ تشبهنا، لكنها تحمل قرارات لم نتجرأ على اتخاذها. وهناك بحر هائج اسمه «لِمَ لا». تتصادم أمواجه من الأسباب المتضاربة، والحكايات الناقصة، والفهم المؤجل إلى أبد لا يأتي.

 

ونحن، رُحَّل هذا الفضاء الداخلي، العابرون فيه بلا استقرار، نحمل بطاقات هوية مزورة. نظهر للعالم خريطة مصفحة، جميلة، مخطوطًا عليها «الأناة» و«الحكمة» و«القوة». ونخبئ داخل طيات أنفسنا الخريطة الحقيقية: تلك التي تظهر عليها تضاريس الخوف بألوان زاهية، وسهل الوحدة المتسعّر، وجبال الحسرة الشاهقة الوعرة.

 

لقد تحول الصمت الداخلي إلى لغة سرية، نتكلم بها مع أنفسنا دون أن نفهمها برمتها. إنه لغة الإحساس قبل الترجمة، والوقع قبل التفسير. تلك هي اللغة التي تُكتب بالنبض لا بالكلمات. ولكن الخطر لا يكمن في تعلم هذه اللغة، بل في الإقامة الدائمة في بلادها. فالصمت، كالماء الراكد، ينتج ما لا تراه العين؛ ينتج كائنات من الظلمة تزحف على جدران القلب، تغير شكل الأرضية من دون أن نلاحظ.

 

لكل واحد منا حارس على باب هذه الجغرافيا. يسمونه «العقل»، أو «الواقعية»، أو «القدرة على التكيف». ومهمته الظاهرية هي حمايتنا. ولكنه، مع الزمن، يتحول إلى سياف قاسٍ، يمنع حتى الزيارات القصيرة، يقطع أي جسر للحديث مع تلك الأرض الغريبة. فنصير غرباء عن أنفسنا، نعيش على سطح الوجود بلا جذور، بلا سرد متصل يروي كيف صرنا ما نحن عليه.

 

فمتى تأتي الرحلة الشجاعة؟ متى نحمل مشعل الوعي العطوف وننزل إلى تلك الممرات المعتمة، لنرى ما هناك؟ ليس لنكسر، بل لنفهم. ليس لنشفي كل الجراح في لحظة – فبعض الجغرافيا صحراوات لا تصلح للعمر – ولكن لنرسم الخريطة كما هي: جميلة في بعض مناطقها، قاسية في بعضها، مُلبِسة في بعضها الآخر.

 

لعل ما ينهض بالإنسان ليس صرخات الجماهير، بل قدرة كل واحد منا على استماع صمته الخاص. على قدرتنا على زيارة تلك الأرض المغيبة دون أن نضيع فيها، أو ننكر وجودها. فالحقيقة الكبرى ليست دائمًا في ما نقوله للعالم، بل في ما لم نعد نخاف من مواجهته بيننا وبين أنفسنا.

 

لكل إنسان جغرافيا خفية. والحكمة ليست في هجرها، ولا في الإقامة الدائمة في أجوائها الكثيفة. الحكمة هي أن تعرف أنك، أينما ذهبت في هذه الحياة الظاهرة، فإن ظل تلك الأرض سيتبعك. وأجمل ما في الإنسان ليس كماله المزيف، بل شجاعته في أن يرحل، من حين لآخر، إلى تلك الجغرافيا. ليضع يده على جرح قديم ويقول لنفسه: «أعرف أنك هنا. أعرف أنك توجعين. وهذا كفاية للآن». فلا أحد يكتمل دون أن يعترف بظله. فقط هذه المصافحة بين الضوء والظل، بين الصوت والصمت، هي ما يخلق إنسانًا بكل معنى الكلمة: ليس ناصع البياض، ولا قاتم السواد، بل خريطة مكتملة الألوان، تحمل جميع التضاريس التي صنعته.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...