الخميس، 8 يناير 2026

حارس في الظل

 

حارس في الظل

"عندما ينقلب الخوف من حامٍ إلى طاغية"

 




كان الخوف حارسنا الأول. وُلد معنا كنغمة حذرة تعزفها أوتار الغريزة لتحمينا من اللهب والهوة وصدِّ الوحش. كان صوتًا هادئًا في الظل يهمس: «احترس». فشكرناه. أمسكنا بيده الباردة في عتمة الطفولة، واطمأننا لوجوده خلفنا كالجدار كلما اشتدت الريح. لقد أنقذ أجسادنا مرارًا. لكنّه لم يتعلم أن أجسادنا تكبر، وأن أرواحنا تحتاج إلى مساحة لا إلى حراسة دائمة. فمتى تسلل هذا الحارس إلى مقعد الحكم؟ متى اختطف مفاتيح مدينة حياتنا الداخلية، وبدأ يأمر بدل أن يحذر، ويمنع بدل أن يرشد، ويستولي بدل أن يَخْفُر؟

 

لقد حدث الانقلاب بصمت مطلق. لم يطلق رصاصة، ولم يرفع شارة. إنما بدأ يوسع من حدود واجبه تدريجيًا. من حمايتك من الخطر الحقيقي، إلى حمايتك من الإحباط المحتمل. من تحذيرك من السَّقْط القاتل، إلى تحذيرك من أي سقط على الإطلاق – حتى لو كان سقطًا على سرير من ورد. أصبحت كلمته القانون الأعلى: «لا تحاول، فلن تفلح». «لا تخرج، فالعالم خطر». «لا تحب، فستُخدَع». كل وصية من هذه لها حجتها المقنعة، المستمدة من ذاكرة جرح قديم، أو خيانة ماضية. وهكذا، يُصدِر الطاغية دستوره من أوراق تاريخنا الأليم، ويحكمنا باسم مصلحتنا نفسها!

 

تحت حكم هذا الحارس المتغوّل، نؤدي طقوس العبودية بإخلاص يُرثى له. نفوّت فرصة لأن صوت الظل يهتف: «معقدة جدًا!». نرفض محبة لأن الصوت يرنم: «ستذهب بقلبك وتمضي!». ننزوي عن الحياة الجماعية لأن الصوت يبشر: «الناس جميعًا غدرة!». وفي كل مرة نطيع فيها، يشتري الحارس-الطاغية سلسلة جديدة لقفصنا، مقدمًا إياها على أنها مظلة أو درع. نحسب أننا نبني ملجأ ونحن في الحقيقة نحفر قبرًا لكل ما يَضِجُّ فينا وينبض ويتحرّق شوقًا.

 

فانظر حولك في مملكتك الشخصية. أرأيت ذلك الحلم المعلق كزينة في أعلى الرف؟ هو أسير. ألمحت تلك القدرة على الصفاء التي تخبئها خلف سترة الغضب الدائم؟ هي رهينة. تذكر تلك اللمحة من الشجاعة البهيجة التي خبرتها يومًا وتعتقد أنها مجرد حالة طارئة؟ لقد أُخذت منك. الحارس في الظل لا يقتصر على منع الأذى، بل يسرق منك الجمال الذي يمكن أن يصدر عنك أيضًا: جمال المخاطرة المحتسبة، وروعة الثقة بغريب، وفخامة الوقوف على حافة مجهول بقلب مفتوح.

 

فكيف نقصف قيود هذا الطاغية الذي يملك سلاحَيْ الإقناع والحماية؟ ليس بالحرب. فالعنف ضده يقويه، لأنه سيصرخ: «أرأيت؟ العالم عدو!». ولكن باليقظة الرقيبة الحنون. بأن نلقي عليه ضوء الوعي فجأة ونقول: «أعرف مكيدتك. أعرف أنك لست سوى جزء مني تجمّد على خوف قديم، وأصبح يتوهم أنه كُليّ». بأن نفتش، برقة، عن المفتاح الأصلي الذي سلمناه إياه: الثقة. ثقة بأن الحياة، بكل عنائها، ليست عدوة. ثقة بأن القدرة على التحمل والتِئام الجراح أقوى مما أقنعنا به حارسنا المرتعب.

 

ستكون المقاومة صغيرة في بدايتها. قطع سلسلة واحدة في اليوم. أن تخرج لنصف ساعة أكثر مما يأذن به. أن تقول «سأحاول» في وجه صرخة «لن تفلح». أن تمد يدك، وإذا ارتعدت، ألا تسحبها على الفور، بل أن تتنفس وتبقيها ممدودة ثانية أخرى. في تلك اللحظات، سيصمت الطاغية مندهشًا. سيحاول الكلام مجددًا بصوت أعلى، وأنت تكمل تنفسك بهدوء. هذا هو صدُّ الباطل: ليس بالصراخ في وجهه، بل بإكمال نَفَسِكَ الجميل الحيّ.

 

عندما نعزف عن طاعة حارس الظل، لا نقذف بأنفسنا في الهول. بل نرجع بسلطة القرار إلى مقرها الصحيح: إلى القلب المشتعل بالحياة، وإلى العقل المنير بالحكمة، وإلى الروح الجائعة للتجربة. نستبدل طاغية بحاكم جماعي أكثر حكمة ورحمة: «مجلس الوجود».

 

إن الضمير الإنساني العالمي اليوم ليس في حاجة إلى أصوات تزيد من خوفه وتقسو على قلقه. إنه في حاجة ملحة إلى نَفَسٍ جريء يهتف: «لقد كفانا خوفًا!». خوفًا من الآخر، خوفًا من المستقبل، خوفًا من الفشل، خوفًا من أنفسنا. الخوف قد أدى واجبه التاريخي. وقد حان وقت إعطاء الكلمة لشجاعة أرقى: شجاعة الثقة. ثقة بأن البشر، في أعماقهم، أقوى من أوهامهم. وأن الحياة، في سكونها العظيم، ليست مؤامرة، بل دعوة مفتوحة لارتياد مجهول جميل. لنخفض سقف الخوف، فالخوف الذي لا يُراقَب يتحول إلى سيد، والخوف الذي نراه يتحول إلى خادم. ولنرفع سقف الحياة، فالحرية الحقيقية ليست غياب الخطر، بل غياب الطاغية الداخلي الذي يسرق منا متعة الاحتمال.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...