ذاكرة الألم: حين يتحول الماضي إلى تقريرٍ
نفسي
"عن جرحٍ لا يلتئم إلا حين يُعترف به،
لا حين يُوثَّق"
في عالمٍ يُحتفى فيه بالذاكرة بوصفها خزانًا
للحظات السعيدة ووعاءً للهوية، قلّما نلتفت إلى وجهها الآخر، ذلك الوجه المظلم
الذي تتحول فيه الذاكرة من نعمةٍ إلى عبءٍ، ومن أرشيفٍ للحياة إلى سجلٍّ دائم
للعذاب.
فذاكرة الجرح لا تشبه ذاكرة الفرح؛ إنها ليست
استعادةً بريئةً للماضي، بل إعادة إحياءٍ مستمرة للألم، كأنها شاشة تُعاد عليها
مشاهد الانكسار في كل استدعاء.
هي المرآة التي لا تعكس الملامح بل الشقوق،
وترفض أن تغلق الباب على الماضي، فتُبقي الجرح مفتوحًا على احتمالات الانهيار.
هنا، يتحول التذكّر إلى نوعٍ من التعذيب
الهادئ، لا يكتفي بإعادة الألم، بل يضيف إليه مرارة جديدة نابعة من غياب التصديق -
من ذلك الشعور الموجع بأن ما يؤلمك لم يُرَ، وما نزفك لم يُصدَّق.
أمام هذا الصمت الجمعي، يأتي التقرير النفسي
لا كورقة طبية باردة، بل كدِرعٍ وجوديٍّ يرفعها الإنسان في وجه الشكّ.
حين تُصبح المعاناة موضوعًا للجدل، وحين
يُتَّهَم المتألّم بالمبالغة، يتحول التقرير إلى شهادة مادية تُثبت ما لا يُرى.
هو تحويل للألم من حكايةٍ قابلةٍ للإنكار إلى
حقيقةٍ مختومةٍ بختمٍ رسميّ.
لكن المفارقة المريرة أن هذه الحاجة إلى
التوثيق لا تنبع من الرغبة في العلاج، بل من فشل المحيط في الإصغاء، ومن قسوة
العالم الذي لا يصدّق إلا ما يُكتب على ورق.
فالإنسان لا يُوثّق جرحه إلا حين يُحرم من
حقه في أن يُصدق كلامه، حين يُجبر على تقديم دليلٍ ماديّ على ألمٍ معنويّ.
إن هذه العلاقة بين الذاكرة التي لا تهدأ،
والتقرير الذي يطلب التصديق، تكشف أزمة الاعتراف في علاقاتنا الإنسانية.
فالمعاناة لا تشفى بالعلاج وحده، بل
بالاعتراف بها أولًا.
حين يُغيّب المجتمع هذا الاعتراف، تتحول الذاكرة
إلى ساحة معركةٍ بين الألم والإنكار، ويصبح التقرير النفسي وسيلة بقاءٍ أكثر منه
وسيلة شفاء.
المشكلة ليست في الذاكرة التي لا تُنسى، بل
في ثقافةٍ تُجبر الإنسان على أن يُبرّر وجعه قبل أن يُعبّر عنه، وعلى أن يُثبت
صدقه قبل أن يُسمع صوته.
إن المجتمع الذي يحتاج إلى تقريرٍ طبيّ
ليُصدّق دمعة، أو ختمٍ رسميّ ليُقرّ بمعاناة، هو مجتمع يعاني من صممٍ وجدانيّ
عميق.
ولا يكمن الخلاص في تكديس الوثائق أو
العيادات، بل في بناء مساحاتٍ إنسانيةٍ جديدة، نصغي فيها قبل أن نحكم، ونصدّق قبل
أن نطلب الدليل.
فبعض الجروح لا تحتاج إلى علاجٍ بقدر ما
تحتاج إلى من يؤمن بصدقها.
وحين نتعلم أن نُصغي للألم دون أن نُكذّبه،
عندها فقط تتعافى الذاكرة، لا من الماضي… بل من وحدتها.
جهاد غريب
يناير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق