الخميس، 8 يناير 2026

المحكمة الداخلية

 

المحكمة الداخلية

"بين دفاع الرغبات وادعاء الواجبات"

 


 


في أعماق كل واحد منا، ثمة قاعة محاكمات رَخْباءُ السقف، خالية من الجمع، ولكنها لا تخلو أبدًا من صخب. هناك، في كل صباح حينما يفتح الوعي أجفانه، تُرفع دعوى اليوم الجديد. الجاني: أنت. المدعي: أنت أيضًا. والقاضي: لست سواك. هذه هي المحكمة الداخلية، حيث يختصم أعظم محامٍ: محامي الرغبات، مع أصدق خصم: وكيل ادعاء الواجبات.

 

يقف محامي الرغبات، وثيابه ملونة بألوان الأحلام والمتع الفجائية. صوته دفيق، ناعم، يتسلل إلى المسامع كعطرٍ يمشي على أطراف الريح. خطابه يتألف من كلمة واحدة مكررة: «أريد». «أريد أن أنام أكثر. أريد أن أهرب من هذا الهم. أريد أن أقول كلمة حب. أريد أن أكسر هذه القاعدة». هو لا يستشهد بالمنطق، بل بالحياة نفسها. «انظر إلى الزهرة، هل تتردد قبل أن تتفتح؟ اسمع صوت الوتر، هل يسأل عن جدوى الغناء قبل أن يرتج؟ الحياة قصيرة، والرغبة هي نبضها الوحيد». خطابه مقنع، لأنه يتحدث بلغة الحقيقة البديهية: لغة الجسد الذي يشتهي، والقلب الذي يخفق، والروح التي تتلظى شوقًا.

 

ثم يقوم وكيل ادعاء الواجبات. رجل جاد، يحمل حقيبة من جلد قديم، ممتلئة بعقود مصفرة: عقد الوفاء للأهل، عقد الانتماء للعمل، عقد المواثيق مع الذات القديمة. صوته صفيري، واضح، قاطع. خطابه مكثف بكلمة واحدة أيضًا: «يجب». «يجب أن تكمل ما بدأت. يجب أن تحافظ على وعدك. يجب أن تتحمل المسؤولية. يجب أن تُؤثِر غيرك». هو يستشهد ليس بالحياة، بل بمعناها. يسحب من حقيبته صورًا لوجوه تتوقع منك، لأحلام قديمة لم تتحقق بعد، لمستقبل تخاف أن يتهاوى. «الرغبة هي اللحظة. أما الواجب فهو السرد. وأنت لست لحظة، بل سرد مستمر. اختر السرد».

 

فتنظر إلى القضاة: ثلاثة جلوس على منصة عالية. الأول: العقل البارد، وأمامه ميزان دقيق يزن الكفة والخسارة. الثاني: القلب الحار، وبين يديه مرآة تري انعكاس القرار على ملامح من تحب. الثالث: الروح الغامضة، وأمامه صحيفة بيضاء، لا يكتب عليها إلا بالإحساس. كل منهم يسمع، وكل منهم يحاول أن يسحب الحكم نحو ميزانه هو. وكأنك أمام ثلاثة طرق لا تلتقي إلا في صدرك.

 

والمشكلة ليست في الجلسة، ولا في فصاحة المحاميَيْن. المشكلة الأعظم أنك أنت الجالس الوحيد في قاعة المشاهدين. تصفق أحيانًا لمحامي الرغبات، وتهمهم موافقة لوكيل الواجبات. وعندما ينطق القضاة بحكم ما، تجد نفسك في أحيان كثيرة تستأنف الحكم من دون أن تعلن. تخرج من القاعة، وتفعل ضد ما قضت به محكمتك نفسها. أين الجريمة؟ إنها في هذه الخيانة الهادئة. خيانة الذات لنفسها. الخيانة التي لا يسمعها أحد، لكنها تترك صدى طويلًا في الداخل.

 

فالفرق بين الكبير والصغير ليس في قوة رغباته، ولا في كثرة واجباته. الفرق في سلطة محكمته الداخلية. الكبير هو من يصغي إلى جميع الخطباء، ثم يخرج ليحكم بحكم واحد، ويتخذه دستورًا لتحركاته. هو من جعل من نفسه دولة، ولا تُساس الدولة إلا بقانون واحد، حتى لو كان قانونًا حزينًا.

 

لذلك، لا تطلب أن تسكت أحد الخصمين. فمحكمة بلا رغبات ساحة جمود، ومحكمة بلا واجبات غابة فوضى. المطلوب ليس النصر، بل القضاء العادل، القضاء الذي يرى الظل والنور معًا، ولا يطرد أحدهما لأجل الآخر. أن تمنح رغباتك فرصة الدفاع بصدق، دون خجل. وأن تسمح لواجباتك برفع دعواها بصرامة، دون قسوةٍ أو تعالٍ. ثم تنظر، ليس إلى من سيربح الجلسة، بل إلى ما الذي سيبقى من إنسانيتك بعد الجلسة.

 

لأن الحقيقة الأخيرة هي أن هذه المحكمة ليست معركة، وإنما هي مسرحية كبيرة، وأنت كاتبها وممثلها وجمهورها في آن. والجمال كل الجمال أن تكون هذه المسرحية متوازنة: أن تخرج الرغبة فيرتعد لها القلب، وأن يظهر الواجب فيسكن له الجنان. الحكم الأعظم هو أن تحب جميع شخوص مسرحيتك، وأن تضحك وتبكي معها.

 

عالمنا اليوم ممتلئ بمحامي الرغبات التي لا تعرف كبحًا، الذين يخطبون في كل مكان. وممتلئ أيضًا بوكلاء ادعاء الواجبات القاسين، الذين يقذفون بالحكم قبل السماع. أما نحن، فنحتاج إلى من يذكرنا بأن القاعة واحدة، وأن الحكم الأكبر هو أن نحافظ على جمال الجلسة نفسها. جلسة نسمع فيها حجة الجسد وحجة الروح، وحجة اللحظة وحجة الزمن، ونقضي فيها بألا نقطع الحبل بينهما أبدًا. فنحيا كبشر: لسنا ملائكة ولا شياطين، بل محاكمات مستمرة تسعى نحو العدل، وتعرف أن العدل الأعظم هو الرحمة. الرحمة بذاتنا المتصارعة.

ومن لا يرحم محكمته الداخلية، سيقضي عمره فارًا من أحكامه. فالرحمة هي القاضي الذي لا يُعيَّن، بل يُولد فينا.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...