غرف الانتظار الرمادية
"حين يصبح الرحيل ضرورة لا خيارًا"
ليس القرار بالرحيل هو ما
يُنهك الإنسان غالبًا، بل ما يسبقه.
تلك المنطقة الرمادية التي
يُدرك فيها المرء أن البقاء لم يعد طبيعيًا،
لكنه لم يغادر بعد.
هنا، لا يكون الألم صاخبًا، بل
بطيئًا، متآكلًا، يعمل بصمت.
لا يحدث شيء يُذكر، ومع ذلك
يتغيّر كل شيء في الداخل.
في هذه المرحلة، لا يعود
السؤال:
هل نرحل أم نبقى؟
بل:
كم سنخسر إن واصلنا التأجيل؟
الحرية،
كما تُقدَّم في الخطابات
السهلة، تبدو خفيفة،
جذابة،
وعدًا بالخلاص.
لكن في الواقع، الحرية عبء
ثقيل،
لأنها تنقل المسؤولية كاملة
إلى صاحبها.
لا أحد يُلام بعد القرار.
لا الظروف، ولا الآخرون، ولا
الماضي.
الرحيل يعني قبول هذه الحقيقة
القاسية:
أن النتائج، أيًا كانت،
ستُنسَب إليك وحدك.
وربما لهذا السبب تحديدًا
يتأخر القرار؛
ليس خوفًا من المجهول،
بل من تحمّل المسؤولية الكاملة
عمّا سيأتي.
الزمن في هذه المرحلة لا يمرّ،
بل يضغط.
كل يوم يُؤجَّل فيه القرار لا
يبقى محايدًا،
بل يستهلك شيئًا ما في الداخل.
يتآكل الحماس أولًا،
ثم الوضوح،
ثم القدرة على الشعور نفسه.
يصبح الانتظار نمط حياة،
وتتحول فكرة الرحيل إلى وعد مؤجل لا يتحقق.
هنا يفقد الإنسان ليس المكان فقط،
بل علاقته بنفسه.
فالتأخير المستمر لا يحافظ على الاستقرار،
بل يصنع نوعًا من الإنهاك الصامت.
الأخطر في هذا الانتظار أنه
يُفرغ الرحيل من معناه.
فما يُغادر متأخرًا لا يُغادر
بخفّة،
بل بثقل التراكم.
الامتنان الذي كان ممكنًا
يتحول إلى مرارة،
والحنين المحتمل يتحول إلى
استياء،
والعلاقة التي كان يمكن حفظ
صورتها تتآكل بفعل البقاء القسري.
ليس لأن الأشياء كانت سيئة بالضرورة،
بل لأن الزمن تجاوز قدرتها على الاستمرار.
وهنا يظهر شكل آخر من الرحيل،
أقل رومانسية، وأكثر واقعية:
الرحيل بوصفه محاولة إنقاذ،
لا بحثًا عن بداية جديدة،
بل حماية لما تبقّى قبل أن
يتشوّه.
أحيانًا نغادر لا لأننا كرهنا،
بل لأننا نريد أن نتذكر دون
غضب.
نغادر لنحفظ الحد الأدنى من الاحترام،
أو لنمنع صورة جميلة من التحوّل إلى ذكرى ثقيلة.
في هذه اللحظة،
لا يعود الرحيل فعل شجاعة
استثنائية،
بل ضرورة أخلاقية تجاه الذات.
البقاء لم يعد فضيلة،
والاحتمال لم يعد دليل قوة.
هناك نقطة يصبح فيها الصبر
شكلًا من أشكال الإيذاء الذاتي،
ويصبح الاستمرار خيانة صامتة
لما نعرف أنه صحيح.
إدراك هذه النقطة لا يحدث فجأة،
بل يتسلل عبر الإحساس المتكرر بأن الروح تُستنزف أكثر مما تُغذّى.
ومع ذلك، لا يأتي القرار
بسهولة.
لأن الرحيل، في هذه المرحلة،
لا يحمل وعدًا واضحًا.
لا توجد نهاية سعيدة مضمونة،
ولا صورة مثالية لما بعده.
كل ما هناك إدراك واحد، ثقيل
وبسيط:
أن البقاء لم يعد ممكنًا دون
خسارة داخلية أكبر.
هنا فقط يصبح القرار أقل رومانسية،
وأكثر صدقًا.
ليس لأن الطريق واضح، بل لأن البديل أصبح أوضح في خطورته.
ما يحدث قبل أن نجرؤ على
الرحيل ليس ضعفًا،
بل مواجهة صامتة مع ثمن
الاختيار.
ثمن أن نتحمل نتائجنا،
وأن نتحرر دون ضمانات،
وأن نغادر في الوقت الذي ما
زال فيه شيء يستحق أن يُحفظ.
فالتوقيت، في النهاية،
ليس تفصيلًا ثانويًا،
بل جوهر القرار نفسه.
الرحيل في وقته
لا ينقذ المستقبل فقط،
بل ينقذ الماضي أيضًا من أن
يتحول إلى عبء.
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق