الأحد، 18 يناير 2026

جُرعة الشك!

 

جُرعة الشك!

 

"الثقة: إبحار في ضباب اليقين والرقص مع الخوف"

 


 


الثقة ليست طائرًا، ولا هي حجرٌ يُوضَع في أساسٍ ثابت. إنها أشبه بجذع شجرة مقطوع يُلقَى في نهرٍ جارف: يَسبَح ويَغوص، يدور في دوَّامات، يرتطم بصخورٍ حادَّة، يكتسب الخدوش والندوب، وفي النهاية - إن صمد - يجد شكله الحقيقي. نحن لا نَبنِي الثقة في الحب كمن يَبني بيتًا، بل نُبحِرُ بها كما يُبحِرُ أعمى في ليلةٍ بلا نجوم.

 

التحدي الحقيقي ليس أن تثقَ بمن تحب عندما يكون كل شيءٍ جميلًا. التحدي أن تظلَّ متسائلًا وهو أمامك. أن تحتفظ بمساحةٍ من الشكِّ الصحية داخل الحب، كتلك المسافة الآمنة التي تحفظها النارُ بينها وبين من يدفئ يَديه عندها. الحبُّ بلا شكٍّ أشبه ببناءٍ بلا نوافذ: آمنٌ، لكنه خانق. والشكُّ بلا حبٍّ أشبه برحلةٍ في صحراءٍ بلا بوصلة. الفنُّ هو في السير على الحَبْلِ المشدود بينهما.

 

لنعد إلى سؤال الثقة: لماذا نثق؟ ليس لأن الشخص "مثاليًّا" أو "يستحق"، بل لأنَّ المخاطرةَ نفسَها تصبح جزءًا من المغامرة. لأنَّك تختار أن تضع قلبك في يدٍ قد تُسقِطه، وتجد في هذا الوَهَنِ قوةً غريبة. كالذي يقفز من طائرة ويجد أنَّ السقوطَ حرية، لا موتًا. الثقةُ قرارٌ، وكلُّ قرارٍ يحمل في طياته بذورَ خيبةٍ محتملة.

 

هنا نصل إلى التناقض الأعمق: كيف تثق تمامًا دون أن تعطي نفسك تمامًا؟ الإجابة: بأن تحتفظ بمسافةٍ داخلَ الالتصاق. أن تحبَّ كأنك ستفقد، وتثقُ كأنك ستُخان، وتعيشُ اللحظةَ كأنها الأخيرة - لأنها قد تكون كذلك. هذا لا يعني التشاؤم، بل يعني الحياة بكثافةٍ تجعل كلَّ خيانةٍ محتملةٍ ثمنًا قد تستحقُّ دفعه.

 

نحن نتعلم الثقة من خلال خيبات الأمل، لا من خلال النجاحات. كلُّ جرحٍ يُغلَق بندبةٍ هي أقوى من الجلد الأصلي. وكلُّ خيانةٍ ننجو منها تُعلِّمنا درسًا في المرونة، لا في الخوف. الحبُّ الحقيقيُّ لا يُبنى على أساطير الطيور التي تخلع أجنحتها، بل على شجاعة الإنسان الذي يضع أجنحته في مهبِّ الريح وهو يعرف أنها قد تتكسر.

 

في النهاية، الثقةُ ليست حالةً نصل إليها، بل طريقٌ نمشي عليه. طريقٌ مليءٌ بالحفر والمطبات، بعلاماتِ استفهامٍ معلقةٍ في الهواء، بلحظاتٍ نختبر فيها الهاويةَ ثم ننسحب من حافتها. الحبُّ الناضج ليس ذلك الذي يخلو من الخوف، بل ذلك الذي يعرف كيف يرقصُ مع الخوف، كيف يجعل من عدم اليقين رفيقًا لا عدوًّا.

 

فإن أردتَ أن تحبَّ بصدق، لا تبحث عن من يَستحقُّ ثقتك المطلقة. ابحث عن من يُعلِّمك كيف تثق بنفسك أولًا. عن من ترى في عينيه شَكًّا مماثلًا لشكِّك، وخوفًا يوازي خوفك، فتدرك أنَّ الثقةَ الحقيقية هي أن تسيرَ معه في الضباب، يدا بيد، لا أن تطلبه بوصلةً تُريك الطريق.

 

 

جهاد غريب

يناير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...