لماذا تخدعنا العاطفة حين نقرر؟
"حين يصبح الشعور يقينًا… واليقين
خديعة"
العاطفة قوة إنسانية عظيمة، لكنها ليست أداة اتخاذ قرار. ومع
ذلك، كثيرًا ما نمنحها هذا الدور في أكثر اللحظات حساسية: لحظات الحب، الغضب،
الفقد، الشغف، أو الخوف. في تلك الذروة، نشعر أن كل شيء واضح، وأن ما نريده الآن
هو ما سنريده دائمًا. لكن الوضوح العاطفي ليس وضوحًا عقليًا، وغالبًا ما يكون
العكس تمامًا، رغم أننا لا نلاحظ ذلك.
في ذروة العاطفة، تتضخم اللحظة وتختفي المسافات. المستقبل يبدو
قريبًا ومضمونًا، والمخاطر تبدو صغيرة أو غير موجودة. نحن لا نرى الصورة كاملة، بل
نرى جزءًا منها مكبّرًا. وهذا التكبير يمنحنا إحساسًا زائفًا باليقين، كأن القلب
صار فجأة أكثر حكمة من التجربة.
القرارات المصيرية - كالزواج، أو الطلاق، أو قطع علاقة، أو
تغيير مسار حياة - تحتاج إلى رؤية واسعة، لا إلى تركيز حاد. تحتاج إلى القدرة على
النظر من أكثر من زاوية، وإلى سماع الصوت الهادئ داخلنا، لا الصوت الأعلى.
والعاطفة، بطبيعتها، صوت مرتفع.
حين نكون في حالة حب متوهج، نميل إلى تفسير كل شيء لصالح هذا
الشعور. الإشارات التحذيرية تُعاد صياغتها كاختلافات بسيطة، والقلق يُسمّى غيرة
لطيفة، ويُفسَّر التردد على أنه خوف غير مبرر. لسنا نكذب على أنفسنا عمدًا، بل
نحمي شعورًا نخشى فقدانه.
وعلى الجانب الآخر من الطيف العاطفي… في حالات الغضب أو الألم،
يحدث العكس. نرى الآخر من خلال لحظة واحدة، ونحمّله تاريخًا كاملًا من النوايا
السيئة. قرار يُتخذ هنا قد يبدو شجاعًا، لكنه في جوهره رد فعل. وردود الفعل لا
تبني مستقبلًا، بل تُفرغ شحنة.
العاطفة لا تُفسد القرار لأنها "سيئة"، العاطفة
صادقة، لكنها ليست شاملة. إنها ترى ما تشعر به الآن، ولا ترى ما ستشعر به لاحقًا
حين تهدأ. ولهذا، كثير من الناس يقولون بعد سنوات: "لم أكن أنا حين اتخذت هذا
القرار". ليس لأنهم كانوا شخصًا آخر، بل لأن جزءًا واحدًا فقط منهم كان يقود.
النضج لا يعني كبت العاطفة، بل تأجيل سلطتها. أن نعترف بما نشعر به، دون أن نسمح له
بإملاء مصيرنا. أن نقول: "أنا أحب"، أو "أنا غاضب"، ثم نضيف:
"لكنني سأنتظر حتى أرى بوضوح".
الانتظار هنا ليس ضعفًا، بل شجاعة من نوع أقل استعراضًا. شجاعة
أن نُخضع الرغبة للاختبار، وأن نمنح الزمن فرصة لكشف ما لا يظهر في اللحظة الأولى.
كثير من العلاقات القوية لم تبدأ في ذروة، بل بعد أن عبرت الذروة وخرجت منها
سليمة.
هناك فارق دقيق بين القرار النابع من شعور، والقرار المحكوم
به. الأول طبيعي وصحي، والثاني خطِر. أن تشعر بالدافع شيء، وأن تسلّمه المقود شيء
آخر. العقل ليس عدو القلب، بل مكمله حين يُسمح له بالعمل.
المفارقة أن الناس يثقون بقراراتهم العاطفية لأنها
"صادقة". لكن الصدق لا يعني الصلاحية. قد يكون الشعور صادقًا، لكن
توقيته خاطئ، أو حجمه أكبر مما يحتمل القرار. الصدق في الشعور لا يعفي من
مسؤولية التفكير.
لهذا، من الحكمة أن نضع مسافة صغيرة بين الشعور والفعل. مسافة
تسمح للأسئلة بالظهور: هل هذا القرار يخدمني على المدى الطويل؟ هل أراه بنفس
الحماسة بعد شهر؟ ماذا لو خفت هذا الشعور، ماذا يبقى؟
ليس المطلوب أن نعيش بلا عاطفة، بل ألا نعيش داخلها فقط.
القرارات المصيرية تحتاج إلى إنسان كامل: قلب يشعر، وعقل يوازن، ووعي يعرف حدوده.
فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح قبل أي قرار كبير ليس: ما الذي
أشعر به الآن؟
بل: من سأكون حين يهدأ هذا الشعور؟
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق