زواج الغربة
"علاقة أم محاولة للهروب من
الوحدة؟"
الزواج في زمن الغربة لا يبدأ من العلاقة فقط، بل من الفراغ.
فراغ المكان، وفراغ الروتين المألوف، وفراغ الدائرة الاجتماعية التي كانت تشكل
شبكة أمان غير مرئية. في هذا السياق، لا يكون الارتباط دائمًا نتاج نضج كامل، بل
أحيانًا استجابة ذكية - أو استجابة
مضطربة لشعور عميق بالوحدة.
في الغربة، تتسارع المشاعر؛ فما يحتاج لسنوات في الوطن قد
يتشكل في أشهر. القرب يصبح مكثفًا، والاعتماد متبادلًا بسرعة، والاختلافات تُؤجَّل
بدافع الحاجة إلى الاستقرار النفسي. وهنا يكمن أول التحديات: القرارات المتخذة تحت
ضغط العزلة لا تكون دائمًا مدروسة بالقدر الكافي.
الغربة تُضخّم الصفات؛ الإيجابي يبدو أكثر إشراقاً، والسلبي قد
يختفي مؤقتاً خلف "لطف الحاجة". لكن ما لا يختفي هو الواقع العملي:
القوانين، الإقامة، العمل، الدخل، والدعم الاجتماعي المحدود. هذه العناصر لا
تُناقش دائمًا بوضوح، لكنها سرعان ما تصبح محور الحياة اليومية.
في زمن الغربة، لا توجد مساحات تعويض سهلة؛ فلا زيارات عائلية
تخفف الخلافات، ولا علاقات اجتماعية واسعة ترممها. الزوجان يصبحان لبعضهما كل شيء:
الصديق، والداعم، والشاهد، والملاذ. هذا التركيز العالي قد يعمّق العلاقة، لكنه قد
يخنقها أيضًا إن لم يكن الطرفان مهيأين له.
أحد أكبر الأوهام في زواج الغربة هو الاعتقاد أن "الأمور
ستتحسن لاحقًا". لاحقًا هذا قد يأتي، وقد لا يأتي. وربط استقرار العلاقة
بتحسن خارجي مؤجل يضع ضغطًا هائلًا على الحاضر. العلاقات الصحية تبني توازنها بما
هو متاح الآن، لا بما يُتمنى مستقبلًا.
تحتاج الغربة إلى شراكة واعية أكثر من أي سياق آخر. شراكة
تُدار بالكلام الواضح، وتوزيع الأدوار، والقدرة على مواجهة القلق دون إسقاطه على
الطرف الآخر. الحب في الغربة ضروري، لكنه وحده لا يكفي لتحمل ثقل العزلة.
الاعتراف بهذه التحديات لا يُضعف فكرة الزواج، بل ينقذها من
الرومانسية الزائدة. لأن من يرى الواقع كما هو، يمتلك فرصة أفضل لبناء علاقة قادرة
على الصمود، لا فقط على البدء.
وفي النهاية، يبقى الامتحان الحقيقي للعلاقة: هل نحن قادرون على أن نحمل بعضنا
بعضًا بعيدًا عن وطننا، أم أن العلاقة ستنهار تحت ضغط الفراغ والاعتماد المتبادل؟
جهاد
غريب
يناير
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق