الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

نبع السلام: جغرافيا الطمأنينة في خريطة النفس البشرية

 

نبع السلام

"جغرافيا الطمأنينة في خريطة النفس البشرية"

 




أين يقع ذلك المكان الهادئ بداخلنا الذي يظل ساكنًا رغم كل العواصف؟ وكيف نصل إليه عندما تضيع بوصلة أعصابنا؟

 

تأتي أحيانًا كهدية من العدم. تجلس مع شخص تحبه في صمت لا يُثقَل، فتشعر بأن كل شيء في مكانه الصحيح. أو تنظر من نافذة في يوم ممطر، ويغمرك إحساس بأن العالم كبير وجميل، وأن مشاكلك صغيرة وستمر. أو في لحظة صلاة خالصة، أو تأمل عميق، تختفي الضوضاء وتظهر مساحة من الصفاء الداخلي تشبه بحيرة ماء صافية في أعماق غابة. هذه اللحظة ليست فرحًا صاخبًا، بل هي طمأنينة. هي الإحساس بأنك، في جوهرك، آمن. أن الوجود ليس عدوًا، وأن ذاتك ليست ساحة معركة. إنها النقطة الثابتة في دوامة المشاعر والأفكار.

 

وهذا ما يجعلها مختلفة جذريًا عن الراحة. الراحة هي غياب المؤلم: غياب الضجيج، غياب العمل، غياب المسؤولية. هي حالة سلبية تعتمد على الظروف. أما الطمأنينة فهي وجود المُطمْئِن. هي حالة إيجابية يمكن أن توجد حتى في قلب الألم أو التحدي. يمكن أن تكون في غرفة انتظار المستشفى، أو في خضم أزمة مالية، ومع ذلك تشعر بسلام غامض لأنك متصالح مع القدر، أو واثق من قدرتك على التحمل، أو لأنك محاط بحب. الراحة تأتي من الخارج، الطمأنينة تنبع من الداخل.

 

وبحثًا عن هذا النبع الداخلي، يجد الناس مصادرَ مختلفة. للإيمان، يجدها في التسليم لقوة أعظم وحكمة مطلقة. للعلاقات الوثيقة، يجدها في الانتماء غير المشروط وشبكة الأمان العاطفية. للمنجزين، قد تأتي من الإحساس بالكفاءة وتحقيق الذات. وللمتصالحين مع ذواتهم، تأتي من قبول النفس بكل عيوبها وقوتها. ما يهم ليس نوع المصدر، بل عمقه واستمراريته، فهو الذي يحافظ على ثبات الطمأنينة وسط العواصف. المصدر السطحي (كالمال أو المدح) يعطي راحة مؤقتة، لكنه يهتز عند أول عاصفة. أما النبع العميق – القائم على القيم، الحب، أو الإيمان – فيستمر في التدفق حتى تحت الصخور.

 

والتحدي الحقيقي هو حماية هذا النبع وسط فوضى الحياة اليومية. كيف نحافظ على الطمأنينة ونحن نركض بين المواعيد، ونواجه النقد، ونتابع أخبار العالم المقلقة؟ الجواب يكمن في الممارسات الواقية. في عمل فجوات قصيرة من الصمت اليومي، حتى لو لدقائق. في تذكير النفس بالقيم الكبرى التي تعيش من أجلها، لا بالمهام الصغيرة التي تنفذها. في حماية الحيز النفسي من سيل المعلومات السلبية. في توجيه الانتباه إلى الجمال الصغير: زهرة، ابتسامة، لحظة لطف. هذه الممارسات هي الجدران التي تحمي النبع من أن يطمره زحام الأيام.

 

وعندما تنجح في حمايته، تكتشف أن الطمأنينة ليست حالة سلبية للهروب، بل هي قوة فاعلة هائلة. الإنسان المطمئن يتخذ قرارات مختلفة: لا قرارات الذعر أو الجشع، بل قرارات الحكمة والثقة. لا يتسرع لأن قلبه ليس في عجلة من خوف، ولا يتردد لأن أساسه ليس مهتزًا. الطمأنينة تمنح الوضوح: ترى الخيارات كما هي، لا كما تخشاها أو تتعلق بها. في سكون المياه الصافية، ترى قاع البحيرة بوضوح. هذه القوة هي التي تجعل الطمأنينة أغلى من النجاح ذاته، لأنها المناخ الذي ينمو فيه كل نجاح حقيقي.

 

وهذا يقود إلى السؤال الأخير: هل الطمأنينة قرار نختاره، أم نتيجة تأتي إلينا؟ الحقيقة أنها كليهما. هي نتيجة للعيش بطريقة معينة: بالصدق، بالقبول، بالإيمان، بالحب. لكن البدء في هذه الحياة هو قرار. قرار أن تبحث عن النبع داخل نفسك، لا خارجه. قرار أن تصدق أنه موجود حتى لو لم تشعر به الآن. قرار أن تتصرف وكأنك مطمئن (بالهدوء، بالصبر، بالتواضع) حتى تشعر بالطمأنينة حقًا. إنها كالبذرة: قرارك أن تزرعها ورعايتها، والنتيجة أنها تنمو وتثمر سلامًا.

 

لذا، ابحث عن نبعك. قد يكون في صلاتك، في علاقتك بشريك حياتك، في عملك المبدع، في خدمتك للآخرين، أو في تأملك البسيط. اكتشفه، واحمه، وارج إليه كلما ضاقت بك السبل. وتذكر أن أعظم الجغرافيات ليست تلك المرسومة على خرائط العالم، بل تلك المرسومة في أعماقنا. هناك، في مكان ما تحت طبقات القلق والتوقع، يجري نبع صافٍ من السلام. مهمتنا ليست أن نخلقه، بل أن نزيل الحجارة التي تغطيه، لنسمح له بأن يروي كل جغرافيا وجودنا.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...