دوائر
الحضن
"خرائط
القرب بين الدم والاختيار"
لماذا
نشعر بفرق جوهري بين من نرتبط بهم بمصير، ومن نختارهم بأنفسنا؟ وكيف نعبر هذه
الدوائر دون أن نضيع أو نخون معنى أي منها؟
تخيل
نفسك في غرفة واحدة. بجانبك أخوك، تربطكما ذكريات الطفولة في البيت نفسه ونبرة صوت
الأم نفسها. أمامك صديق عمرك، تعرف كل منعطف في قصته كما يعرف منعطفات قصتك. على
الطاولة زميل عمل مخلص، تجمعكما أهداف مشروع وأيام طويلة من الجهد. وفي الزاوية
شخص تعامله باحترام ودفء، لكنك لا تعرف عنه أكثر مما يظهر على السطح. الجميع هنا
"قريبون" منك، لكنك تشعر بدرجات مختلفة من الحميمية تجاه كل واحد. هذا
الاختلاف في الشعور هو خريطة العلاقات الإنسانية. إنها دوائر متحدة المركز نعيش
في وسطها، وكل دائرة تحكمها قوانين مختلفة من الانتماء والالتزام.
في
الدائرة الأعمق، حيث المركز، يقف الإخاء. هو رباط الدم، الوراثة، والمصير
المشترك الذي لم تختره. قوته في استحالة فصله؛ فهو جزء من تعريفك للعالم منذ
الولادة. يليه الأخوّة، وهي نسخة روحية أو عاطفية من الإخاء. قد تكون أخًا
في الإيمان، في الوطن، في قضية إنسانية. هي أيضًا رباط قوي، لكنه مبني على اتفاق
ضمني في القيم، لا على الجينات. ثم تأتي الصداقة، وهي تحفة الاختيار الحر.
هنا لا وجود للواجب الأولي. الصداقة قائمة على الإعجاب المتبادل، المتعة المشتركة،
والتآلف التلقائي للنفوس. هي العلاقة الوحيدة التي تبدأ وتستمر بلا عقد مسبق، مما
يجعلها هشّة وجميلة في الوقت نفسه. وأخيرًا، الزمالة، وهي رباط المصلحة أو
الظرف المشترك. تربطك بالزميل هدف عملي، أو رغبة في إنجاز. قد تتحول إلى صداقة،
لكن جوهرها يبقى مرتبطًا بالسياق الذي ولدت فيه.
هذه
الدوائر ليست مجرد مراتب شرف، بل هي أدوار مختلفة في مسرح حياتنا. الدم يمنحك
خلفية دائمة، والاختيار يمنحك رفقة الرحلة. لا يمكن أن تكون كل العلاقات في
المستوى نفسه، لأن طاقتنا العاطفية محدودة، ولأن معنى كل علاقة يكمن في تميزها عن
الأخرى. لو عاملت الزميل كأخ، لثقلت عليه بمسؤوليات لم يلتزم بها. ولو عاملت الأخ
كزميل، لجفّت ينابيع الحنان غير المشروط. الحكمة ليست في جعل الجميع قريبين، بل في
معرفة أي دائرة ينتمي إليها كل شخص، واحترام حدود تلك الدائرة.
ومع
هذه الحدود تأتي مسؤوليات مختلفة. تجاه الأخ تتحمل حتى ما يثقل، لأن الرحيل ليس
خيارًا سهلًا. تجاه الصديق تختار التحمل كل يوم، لأن استمرار اختيارك هو ما يعطي
العلاقة قيمتها. تجاه الزميل تلتزم بالإنصاف والتعاون، لأن العقد بينكما وظيفي
وأخلاقي. الإخاء يطلب الولاء، الأخوّة تطلب التضامن، الصداقة تطلب الصدق، الزمالة
تطلب الاحتراف. خلط هذه المسؤوليات يخلق فوضى عاطفية وإحباطًا للطرفين.
لكن
زمننا السريع يحاول تسطيح هذه الدوائر. شبكات التواصل تصنع وهم القرب من مئات
الأشخاص، فتُضعف قدرتنا على تعميق أي رابط. كلمة "صديق" أصبحت تطلق على
من يعجب بصورتك. "الأسرة" قد تتشكل من مجموعات اختيارية أكثر من روابط
الدم. هذا ليس شرًا كله؛ فقد حررنا من بعض القيود المفروضة؛ لكنه أيضًا جعل
العلاقات أكثر استهلاكية وأقل التزامًا. صرنا نخاف من عمق الإخاء، ونستعجل عمق
الصداقة، ونتذمر من برودة الزمالة. أضحينا نتعامل مع الجميع كـ "معارف" من
الدرجة الأولى، دون أن نمنح أيًّا منهم حقوق الدائرة الحقيقية التي يستحقها.
وفي
وسط هذا الضجيج العلائقي، يبرز السؤال الأهم: هل يمكن أن تلتقي كل هذه الدوائر في
شخص واحد؟ أن يكون أخاك هو صديقك وزميلك في قضية ما؟ هذه هي النعمة النادرة. عندما
يمنحك الدم شخصًا، ثم تكتشف أنك ستختاره لو لم يكن أخاك. عندما تجد في زميل العمل
روحًا توأمك. هذا الاجتماع هو ذروة الحظ في العلاقات الإنسانية. لكن توقعه من
الجميع وهم كبير. الحياة غالبًا ما تقسم هذه الأدوار على أشخاص مختلفين، وكأنها
تريد أن نتعلم فن الوفاء المختلف لكل واحد.
لذلك،
لا تحزن إذا كانت دوائرك واضحة ومتباعدة. هذا التنوع هو ما يجعل شبكة الأمان
العاطفي قوية. الأخ يحمل اسمك، والصديق يحمل أسرارك، والزميل يحمل مشاريعك. كل
منهم يمسك بطرف من نسيج هويتك. المهم أن تعرف أي باب تختار حين يضيق الخناق، وأي دائرة تمنحها حضورك
الكامل. المهم أن تحفظ لكل دائرة قدسيتها، ولا تخون معنى الحضن الذي تمنحه
إياها. في النهاية، نحن لا نختار دمنا، لكننا نختار كيف نعيش ضمن دوائر الحضن التي
رسمها لنا القدر والتي نرسمها نحن بأنفسنا. والفرق بينهما هو ما يجعل القصة
الإنسانية معقدة، وربما، جميلة إلى هذا الحد.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق