الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

حصاد التجارب: معالم الطريق إلى النضج النفسي

 

حصاد التجارب

"معالم الطريق إلى النضج النفسي"

 




هل النضج هبة تمنحها السنوات، أم هو محصول نزرعه بأنفسنا من بذور التجارب، وخاصة تلك المؤلمة منها؟

 

تخيل شخصين في الأربعين من عمرهما. الأول، عند خسارته وظيفته، يغرق في لوم الآخرين ويتحول إلى ضحية غاضبة، معتقدًا أن العالم "مدين" له بشيء. الثاني، في الموقف نفسه، يشعر بالألم ولكن يبدأ بعد أيام قليلة في تقييم مهاراته، وتوسيع دائرة معارفه، والنظر إلى الخسارة كمنعطف قد يقوده إلى فرصة جديدة. كليهما مرّ بنفس عدد السنين، لكن سنواتهما لم تكن متساوية. الفرق هنا ليس في العمر، بل في نوعية الزمن النفسي الذي عاشاه. النضج العمري هو تراكم سلبية للأيام، أما النضج النفسي فهو حصاد ناشط للتجارب. الأول يحدث بمجرد الانتظار، والثاني يحتاج إلى حرث وبذر وري.

 

وأول معالم هذا الطريق هو تحمّل المسؤولية. الإنسان الذي لم ينضج نفسيًا يرى نفسه مركز العالم الذي تدور حوله الأحداث: "لقد خُذلت"، "لقد ظُلمت"، "الحظ عاندني". بينما الناضج ينتقل من موقع المتأثر إلى موقع الفاعل. لا ينكر الظلم أو الصعوبة، لكنه يسأل: "وماذا بعد؟ ماذا يمكنني أن أفعل الآن؟". المسؤولية هنا ليست عقابًا، بل هي سلطة. إنها الاعتراف بأنك، رغم كل الظروف، لست مجرد ورقة في مهب الريح، بل لديك يد في توجيه مسار مركبتك، ولو قليلًا. هذه القدرة على حمل عبء قراراتك هي العلامة الفارقة التي تفصل بين الطفولة النفسية والبلوغ الحقيقي.

 

ولكن، ما هي التربة التي تنمو فيها بذور المسؤولية هذه؟ الإجابة المرة والصادقة: التجارب المؤلمة. الراحة والسعادة لا تعلّم كثيرًا؛ فهي تشبه المياه الهادئة التي لا تُظهر قوة السبّاح. الألم هو الذي يختبر مرونتك؛ الفشل هو الذي يعلمك التواضع؛ الخسارة هي التي تعرّفك على ما يهم حقًا. النضج ليس درعًا يمنع الألم، بل هو القدرة على استخلاص المعنى من الألم. كمن يكسر عظمة ثم تلتئم أقوى، تصبح التجارب الصعبة نقاطًا تصلب فيها الهيكل النفسي، إذا تعاملنا معها لا ككارثة، بل كدرس.

 

وهذا الدرس يظهر بوضوح في أصعب مختبر للنضج: الخلاف. الإنسان غير الناضج يرى في الخلاف تهديدًا لهويته، لذا يدافع عنها بشراسة: يرفع صوته، يهاجم الشخص لا الفكرة، يصر على "الفوز". أما الناضج فيرى في الخلاف فرصة لرؤية جزء من الصورة كان غائبًا عنه. يصغي ليس لكي يرد، بل لكي يفهم. يختلف دون أن يحطم. قوته ليست في صلابته المطلقة، بل في مرونته التي تسمح له بأن يعدل موقفه إذا ظهرت حجة أقوى. النضج هنا هو انتصار الفضول على الكبرياء.

 

وتعتبر العلاقات الإنسانية هي الحصيلة الأكثر وضوحًا لهذا النضج. العلاقة الناضجة ليست خالية من المشاكل، بل هي قادرة على احتواء المشاكل دون أن تتحطم. علاماتها: التواصل الواضح غير العدائي، القدرة على الاعتذار دون أن تمتهن الذات، إعطاء مساحة للآخر ليكون مختلفًا، والرغبة في نمو الطرفين معًا. في العلاقات غير الناضجة، يحاول كل طرف "إصلاح" الآخر أو السيطرة عليه. في العلاقات الناضجة، يحاول كل طرف أن يفهم الآخر وأن ينمو بجانبه. النضج يتحول من مشروع فردي إلى جسر بين الذات والآخر.

 

لذا، لا تنظر إلى عمرك كمقياس. انظر إلى رحلتك. كم مرة تحملت مسؤولية مشاعرك بدلًا من إلقائها على غيرك؟ ماذا تعلمت من أحزانك؟ كيف تخرج من خلافاتك؟ وما نوع العلاقات التي تبنيها؟ هذه هي المعالم الحقيقية. النضج النفسي هو ذلك الصوت الداخلي الهادئ الذي يقول: "لقد جرحت، لكنني شُفيت. لقد أخطأت، لكنني تعلمت. لقد خسرت، لكنني اكتسبت حكمة". إنه القبول الكامل لعدم الكمال، والشجاعة الكاملة للمحاولة رغم ذلك. في النهاية، نحن لا نصل إلى محطة اسمها "النضج التام"، بل نسير في طريق طويل، وكل حصاد للتجربة يجعل خطواتنا أكثر ثباتًا، ونظرتنا أكثر رحابة، وقلوبنا أكثر قدرة على الحب والتسامح، بدءًا من أنفسنا.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...