طاقة
الهرب
"تحويل
رعدة الخوف إلى وقود للإنجاز"
هل
ذلك الشعور المتجمد في العروق عند المواجهة هو عدوّ يجب قهره، أم إنه محرك خفي
يمكن إعادة توجيهه لصالحنا؟
تخيل
لحظة: سائق يسير بسرعة معتدلة، وفجأة يندفع طفل من بين السيارات. قبل أن يفكر،
وقبل أن يرى ملامح الطفل، وقبل أي شيء – تضغط قدمه على الفرامل بكل قوة. القلب
يخفق كطبول الحرب، العرق يبرز، والجسم كله في حالة تأهب قصوى. هذه الثواني التي
أنقذت حياة طفل، هي أعظم عرض للخوف في أدائه الطبيعي. لم يكن هناك وقت
للتفكير، كان هناك رد فعل غريزي منقوش في أعماق الكائن البشري منذ كان يصطاد في
الغابات ويهرب من المفترسات. الخوف هو أقدم أجهزة الإنذار في جسدنا. لقد
صُمم ليس لإعاقتنا، بل لإبقائنا أحياء. تلك الرعدة التي تشعر بها هي طاقة هائلة
مُعدّة للهرب أو القتال، مُختزنة في العظام والعضلات والهرمونات.
بهذه الصورة، يتحول الخوف إلى الحارس
الأمين. إنه ذلك الشعور بالخطر الذي يمنعك من الاقتراب من حافة الهاوية. هو
الصوت الداخلي الذي يقول "لا" عندما يدعوك الآخرون لمغامرة حمقاء. هو الحذر
الذي يجعلك تفحص الطريق ليلًا، أو تتردد قبل إبرام صفقة مشبوهة. هذا الخوف الحكيم
هو نتاج آلاف السنين من التعلّم البشري الجماعي؛ إنه حكمة النوع البشري المتراكمة
والمُرمّزة في أعصاب الفرد. بدون هذا الحارس، سنكون كمن يمشي في حقل ألغام وهو
معصوب العينين.
لكن
هذا الحارس يمكن أن يصاب بالجنون. يمكن أن يتحول من نظام إنذار ذكي لحالات
الطوارئ، إلى إنذار كاذب يصم الآذان باستمرار. هنا يتحول الخوف من حامٍ إلى طاغٍ
داخلي. الفرق بين الخوف الطبيعي والمرضي هو أن الأول يتناسب مع الخطر الحقيقي
ويزول بزواله، بينما الثاني يخترع أخطارًا وهمية ويُعمّر فيها. الخوف من الفشل
يمكن أن يشلّ الإرادة. الخوف من الرفض يمكن أن يحبس الإنسان في عزلة. الخوف من
المجهول يمكن أن يجمد الحياة عند نقطة "آمنة" لكنها ميتة. في هذه
المرحلة، لم تعد طاقة الهرب تُستخدم للهرب من نمر، بل للهرب من الظل الخاص بك.
وهذا
الجنون يلوّن كل خياراتنا. تحت وطأة الخوف المرضي، يتقلص العقل. يفضل
الإنسان الخيار الأسوأ المألوف على الخيار الأفضل المجهول. قد يرفض وظيفة أحلامه
خوفًا من عدم التأقلم. قد يبقى في علاقة مسمومة خوفًا من الوحدة. الخوف هنا لا
يقود إلى قرارات حكيمة، بل إلى قرارات دفاعية قصيرة النظر، هدفها الوحيد هو تخفيف
القلق اللحظي، حتى لو كان الثمن خسارة المستقبل. يصبح الخوف هو القائد، والعقل
مجرد مسوّغ لاختياراته.
لكن
البشر لم يُخلقوا ليكونوا عبيدًا لجهاز إنذارهم. الطريقة الوحيدة للتعامل مع
الخوف الطاغي هي مواجهته بالوعي. الوعي هو أن تقف أمام خوفك وتقول: "ما
هو السيناريو الأسوأ حقًا؟ وما احتمالات حدوثه؟". هو أن تفصل بين الشعور
بالخطر وبين الخطر الفعلي. تقنيات مثل التعرض التدريجي للمخاوف، أو إعادة صياغة
الأفكار الكارثية، أو مجرد التحدث عن الخوف، كلها طرق لإعادة توصيل دارة الإنذار.
عندما تضيء النور على الوحش، تجده أصغر مما كنت تتخيل.
وهذه
هي النقلة النوعية: تحويل طاقة الهرب إلى وقود. الرياضيون المحترفون يعرفون
هذا جيدًا: تلك الرعشة قبل السباق هي نفسها طاقة الأداء العالي، إذا تم توجيهها.
المخترع يخترع خوفًا من بقاء مشكلة دون حل. القائد يقود خوفًا من الفشل الجماعي.
الفرق بين الرعدة التي تشلّك والرعدة التي تحفزك هو الإطار الذهني. عندما
ترى الخوف على أنه تحدٍ يجب تجاوزه، وليس تهديدًا يجب الهروب منه، يتحول
الأدرينالين من سمٍّ في
العروق إلى بنزين في المحرك. النجاح الكبير غالبًا ما يكون على الجانب الآخر من
خوف كبير تمت مواجهته.
لذا،
لا تحاول قتل الخوف. لا تستطيع. بل استمع إليه. اسأله: هل تحذّرني من خطر حقيقي،
أم أنك شبح من مخيلتي؟ إذا كان الخطر حقيقيًا، استخدم طاقته للهروب أو المواجهة
بحكمة. وإذا كان وهميًا، فاستخدم تلك الطاقة نفسها لدفع نفسك نحو الشيء
الذي تخافه. اجعل من رعدتك حليفًا. تذكّر: أعظم الإنجازات البشرية – استكشاف
المحيطات، غزو الفضاء، مقاومة الظلم – لم تكن من عمل أشخاص لا يخافون، بل من عمل
أشخاص عرفوا كيف يركبون موجة خوفهم ويحولونها إلى شجاعة مقرونة بالحذر. في
النهاية، الخوف هو طاقة محايدة. أنت من يقرر: أتريد أن تجعل منها قفصًا أم
محرّكًا؟
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق