السيف
ذو الحدين
"إدارة
التوقعات بين دفع الذات وكسر القلب"
لماذا
نصنع صورًا في أذهاننا عن المستقبل، ثم نغضب عندما لا تطابق الواقع؟ وكيف نستخدم
هذه الآلية لصالحنا دون أن تجرحنا؟
خططت
لعطلة نهاية الأسبوع كاملة: نزهة هادئة، وجبة لذيذة، محادثة عميقة. ثم تمطر، يحترق
الطعام، ويبدأ شريكك الحديث عن مشاكله في العمل. تشعر بخيبة أمل حادة، وكأن شيئًا
جميلًا قد سُرق منك. لكن ما سُرق لم يكن موجودًا أصلًا في الواقع؛ لقد سُرق من متحف
التوقعات الذي بنيته في رأسك. هذا المشهد البسيط يكشف عن طبيعة التوقعات: هي تنبؤات
عاطفية. نصنعها لأن عقولنا تريد أن تشعر بالأمان، بالتحكم، وبوجود معنى. نتوقع
من أنفسنا النجاح كي نحفزها، ومن الآخرين الحب كي نطمئن، ومن الحياة العدل كي
نستمر. التوقع هو محاولة لرسم خريطة لمستقبل مجهول، لكننا غالبًا ما ننسى أن
الخريطة ليست الأرض ذاتها.
وفي
مستواها الأمثل، تكون هذه الخرائط دافعًا قويًا. توقع النجاح في الامتحان
يدفعك للمذاكرة. توقع التقدير في العمل يدفعك للإبداع. توقع علاقة جميلة يدفعك لأن
تكون شريكًا أفضل. هنا، التوقع هو الرؤية التي تجذب السلوك نحوها. إنه حلم
نعمل على تحقيقه، والمسافة بين الحلم والواقع هي ما يخلق الطاقة للحركة. بدون
توقعات إيجابية، قد نستسلم للجمود واللامبالاة. في هذه الحالة، التوقع هو ذلك
الحافز الداخلي الذي يقول: "يمكن للأمر أن يكون أفضل، وأنت قادر على صنع هذا
الأفضل".
لكن
السيف له حدّ ثانٍ حاد. تتحول التوقعات إلى عبء سام عندما تصبح جامدة، غير
واقعية، أو مرتبطة بهويتنا. عندما تتحول من "أتمنى أن أنجح" إلى
"يجب أن أنجح وإلا فأنا فاشل". هنا، يتحول الأمل إلى مطالب، والحلم إلى
سجن. الضغط النفسي لا ينبع من السعي ذاته، بل من الخوف من الفشل في تحقيق
الصورة المتخيلة. عبء التوقع هو وزن الصورة المثالية التي تحملها على ظهرك،
وتوبيخك الدائم لأن الواقع لا يرقى إليها. عندما تصبح التوقعات قيودًا، فإنها لا
تدفعنا بل تشلّنا.
والمحصلة
الحتمية للتوقعات غير الواقعية هي خيبة الأمل. الإحباط ليس مجرد حزن لعدم
تحقيق رغبة، بل هو صراع بين واقعين: الواقع الخارجي الموضوعي، والواقع
الداخلي المتخيل. التعامل مع هذه الخيبة يتطلب نضجًا عاطفيًا: أولًا، الاعتراف
بالألم دون مبالغة. ثانيًا، فصل الفشل في تحقيق التوقع عن الفشل كقيمة ذاتية.
ثالثًا، تعديل التوقع نفسه بناءً على ما حدث: "أخطأت في تقدير الموقف، سأتعلم
منه". الأشخاص المرنون لا يتخلون عن الأمل، بل يعدلون خرائطهم
باستمرار بناءً على معطيات الرحلة الفعلية.
وأكثر
ساحات التوقعات حساسية هي العلاقات الإنسانية. هنا، التوقعات ضرورية لأنها
تُشكّل الحدود والاتفاقيات الضمنية: نتوقع الوفاء، الاحترام، الدعم. لكنها مدمرة
عندما تصبح قوالب جاهزة نريد أن نضع الآخر فيها: "يجب أن يتصرف
هكذا"، "كان ينبغي أن يشعر بذلك". توقعات العلاقات الناضجة تكون
حول الجوهر (الصدق، اللطف)، وليس حول الشكل (كيف يعبر عن حبه، كم
مرة يتصل). عندما نربط سعادتنا بتوقعات شكلية صارمة عن شريكنا، نحكم على العلاقة
بالفشل، لأننا نحب الصورة التي في رأسنا، وليس الإنسان الواقعي الذي أمامنا.
لذلك،
المهارة الحقيقية هي في فنّ إدارة التوقعات. لا يعني هذا التخلي عن الأمل،
بل يعني المرونة الواقعية. كيف؟
- فرّق
بين التوقع والأمنية: توقع ما يمكنك التحكم فيه (مجهودك)، وتمنى ما لا يمكنك
(نتيجة مسابقة، مشاعر الآخر).
- اضبط
سقف التوقع: ابدأ بتوقعات متواضعة قابلة للتحقيق، واحتفل بتجاوزها.
- استبدل
"يجب" بـ "أتمنى": بدل "يجب أن يرد على رسالتي
فورًا"، قل "أتمنى أن يرد سريعًا، لكن له ظروفه".
- ركز
على الجهد لا النتيجة: توقع من نفسك أن تبذل قصارى جهدك، لا أن تحقق النجاح
المطلق.
في
النهاية، التوقعات مثل تنظيم النفس. القليل منه يبقيك حيًا، والكثير منه يقتلك. لا
تتخلى عن سيف أحلامك، ولكن تعلّم فن المباراة به. استخدمه لقطع طريقك نحو الأفضل،
لكن لا توجهه صوب قلبك عندما تخيب الحياة، أو صوب قلوب من تحب عندما لا يطابقون
صورتك. الحياة ليست عن تحقيق كل ما نتوقعه، بل عن التعلم من المفاجآت –
السارة منها والمحزنة – والاستمرار في السير، بقلب متفتح وعقل مرن، يحمل الأمل في
جيبه، لا قيدًا في عنقه.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق