الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

الموجة التي لا مفر منها

 

الموجة التي لا مفر منها

"كيف نتعلم ركوب بحر التغيير بدل الخوف من الغرق؟"

 




هل نحن أحرار حقًا عندما نتمسك بالقديم، أم عندما نفتح أذرعنا للقادم المجهول؟ وكيف نحول الخوف من السقوط إلى مهارة في الطيران؟

 

انظر إلى المحيط. هادئًا يكون سطحه مرآة، ثم تبدأ الرياح فتنشأ التموجات، ثم الأمواج، ثم العواصف الهائلة. بعد العاصفة، يعود إلى هدوء مختلف، يحمل في أعماقه ذاكرة الأمواج وتأثيرها. هذه ليست استعارة: هذه هي طبيعة الوجود نفسه. التغيير ليس حدثًا طارئًا على الحياة؛ هو نسيج الحياة. كل خلية في جسدنا تتجدد، كل فكرة في عقلك تحل محل سابقتها، كل علاقة تتحول، كل مجتمع يتطور. المقاومة ليست فقط بلا طائل، بل هي معاكسة لقانون أساسي في الكون. السؤال إذن ليس هل سنتغير، بل كيف سنتغير: كقشّة في مهب الريح، أم كربّان يوجه مركبه؟

 

والخوف الذي يسبق هذه الموجة هو رد فعل طبيعي تمامًا. العقل البشري مهووس بالتنبؤ والسيطرة. المجهول يمثل ثغرة في جدار أمنه الوهمي. لذا، يربط التغيير تلقائيًا بالخطر، بالخسارة، بالموت الرمزي للذات القديمة. هذا الخوف هو غريزة بقاء متطورة، تحمينا من التهور. لكنها، في عالمنا المعقد، تتحول غالبًا إلى سجن نفسي. نخاف من تغيير وظيفة لأننا لا نعرف ماذا سيحل بنا، رغم أن بقاءنا في الوظيفة البائسة معروف ومؤلم. نخاف من إنهاء علاقة لأن الوحدة مجهول مرعب، رغم أن الاستمرار في العلاقة الفارغة معروف ومؤلم أيضًا. الخوف هنا لا يحمينا؛ بل يجمدنا في ألم مألوف.

 

وهذه الآلية تخلق مقاومة شرسة. يقاوم العقل التغيير بكل أدواته: بالتعلّق بالروتين، بتضخيم مخاطر الجديد، بتذكيرنا بكل مرة فشلنا فيها، وبحنين مرهف إلى "أيام الخير" الماضية – التي غالبًا ما تكون جميلة لأننا ننقيها من شرورها في الذاكرة. المقاومة هي محاولة يائسة لبناء سدّ من الأوهام في وجه مدّ بحر التاريخ. لكن الموجة آتية. يمكننا فقط أن نقرر: هل سندير ظهورنا لها فتجرفنا، أم سنواجهها ونستعد لركوبها؟

 

وهنا تكمن المفارقة العظيمة: داخل قلب هذا التهديد، تكمن أعظم فرص النمو. التغيير هو الآلية الوحيدة التي ننمو بها. الراحة لا تعلّمنا السباحة؛ الأمواج هي التي تفعل. كل تحول كبير – حزن، سفر، فقدان، نجاح – يضيف طبقة جديدة من الفهم، المرونة، والقوة إلى شخصيتنا. الإنسان الذي لم يتغير هو إنسان لم يعش حقًا، بل كرر اليوم نفسه آلاف المرات. النمو هو أن تتحول من كونك ضحية للموجة، إلى أن تصبح راكبًا ماهرًا لها. ليس الهدف تخطي الأمواج فحسب، بل الاستمتاع بقوة الرحلة والتعلّم من كل موجة تعترضك.

 

ولتسهيل هذه الرحلة، يجب أن نفرّق بين التغيير المفروض والتغيير المختار. المفروض (كفقدان عزيز، أو مرض، أو أزمة عالمية) يأتي كموجة عاتية. هنا، دورنا هو الصمود والملاحة، وليس الاختيار. أما المختار (كتغيير مهنة، أو إنهاء علاقة، أو تعلم مهارة) فهو قرار بالنزول إلى البحر بمحض إرادتك. هنا، دورنا هو الإعداد والشجاعة. تمارين القوة النفسية التي نقوم بها في أوقات الاختيار هي ما يعطينا القوة لأوقات الاضطرار. عندما نتدرب على ركوب الموجات الصغيرة بإرادتنا، نصبح أكثر جاهزية للموجات الكبيرة التي لا نملك حيالها خيارًا.

 

إذًا، كيف نتعامل مع تحولات الحياة الكبرى؟ الخطة لا تكمن في منع العاصفة، بل في بناء مركب نفسي قوي.

- اقبل الحتمية: توقف عن مقاومة فكرة التغيير. قل: "سأتغير، وهذا جيد".

- استبدل الخوف بالفضول: بدل "ماذا سيحدث لي؟" اسأل "ماذا سأتعلم؟ ماذا سأصبح؟".

- ركّز على القيم، لا على التفاصيل: في العاصفة، التفاصيل تتغير (الوظيفة، العنوان، الحالة الاجتماعية). اسأل: ما قيمي التي سأحملها معي؟ (الأمانة، الحب، الكرامة). هذه هي دفتك التي ستوجه مركبك.

- اتخذ خطوة صغيرة واحدة: ركوب الموجة يبدأ بقرار النزول إلى الماء، ثم التجديف، ثم الوقوف على اللوحة. لا تفكر في كل الرحلة، فكر في الحركة التالية فقط.

- استعن بدليل أو طاقم: لا تخف من طلب الدعم: صديق، معالج، مجتمع، إيمان. الملاحة الجماعية أكثر أمانًا.

 

لذا، توقف عن الوقوف على الشاطئ ترتجف من الأمواج. البحر هو مسرح حياتك. الموجات لن تتوقف. الخوف طبيعي، ولكن الشجاعة هي أن تخاف وتنزل إلى الماء رغم ذلك. في كل مرة تركب فيها موجة تغيير – صغيرة كانت أم كبيرة – تكتشف أنك أقوى مما كنت تعتقد، وأكثر مرونة، وأكثر حكمة. تكتشف أن الغرق ليس هو الخطر الحقيقي؛ بل الخطر الحقيقي هو أن تبقى جافًا على الشاطئ، تشاهد الحياة تمر كموجة تلو الأخرى، دون أن تبلّل قدمك أبدًا. في النهاية، لن يهم عدد الأمواج التي ركبتها أو التي جرفتك؛ المهم أنك أبحرت. وأنك، في قلب العاصفة، تعلمت أخيرًا كيف تتنفس تحت الماء، فاكتشفت أنك لم تكن بحاجة إلى شاطئ ثابت، بل إلى قلب شجاع يستطيع أن يجد سلامه حتى في قلب الهزّة. وهذه هي الحرية الحقيقية.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...