الخيط
الذهبي
"سيرة
الذاكرة في حكاية الهوية"
هل
نحن سوى حكاية نرويها لأنفسنا عن ماضينا؟ وكيف نعيد كتابة الفصول المؤلمة دون أن
نمحو شخصياتها من القصة؟
ما
زلت أتذكر رائحة التراب بعد المطر في ساحة بيت جدي. كانت رائحة ثقيلة، حلوة ومرّة
في الوقت نفسه، تختلط بصوت ضحكات أبناء العم ومشهد الطيور وهي تحط على الشجرة
العتيقة. هذه اللحظة الصغيرة، التي لا تتعدى ثوانٍ في عمر السنين، بقيت. بقيت بكل
تفاصيلها الحسية، وكأن الزمن قد توقف هناك ليُطبع على قرص الروح. هذه هي الذاكرة
في أبسط أشكالها: ليست مجرد تسجيل، بل هي تأهيل للحظة لتكون جزءًا منا.
ليست كل لحظة تُختار، لكن اللحظات التي تمسّ شغاف القلب – بالفرح، بالرهبة، بالألم
– تُختطف من تيار الزمن لتستقر في خزانة الوعي، كقطع أثرية نعود إليها لنتذكّر من
كنا.
ومن
هذه القطع الأثرية المتراكمة، يُبنى المعبد. هويتنا ليست شيئًا نولد به كاملًا،
بل هي بناء يومي تأتي لبناته من الذكريات. كل قبلة من أمٍ في الطفولة تبنى حجر
ثقة. كل نجاح صغير في المدرسة يضيف جدار كفاءة. كل خيبة تضع أساسًا للحذر. نحن
نسير إلى الأمام، لكننا نبنى إلى الخلف. صورتنا عن أنفسنا – أننا شجعان، أو
خجولون، أو أذكياء، أو محظوظون – هي في الحقيقة ملخص روائي لتلك الذكريات التي
اخترنا أن نعطيها وزنًا. أنت قصة ترويها لنفسك، ومادتها الأولية هي ما تذكّره، وما
تنساه.
لكن
هذا البناء ليس موضوعيًا. الذاكرة خائنة انتقائية. لا تسجل كل شيء، بل
تختار ما يتوافق مع السردية الحالية لهويتنا، أو ما يهزها بعنف. قد ننسى عشرة
إطراءات ونتذكر نقدًا واحدًا، لأن النقد يهدد بناءنا فندفنه في أساساته كدليل على
"عدم جدارتنا". النسيان هنا ليس خللًا، بل هو بوّاب نفسي يقرر ما
الذي يدخل إلى قاعة العرش الداخلية. قد ينسى الإنسان لحظات فرح بسيطة لأنه، في
أعماقه، لا يعتقد أنه يستحق الفرح. الذاكرة الانتقائية تكشف، غالبًا، عن جراح لم يندمل
أكثر مما تكشف عن وقائع.
وأقسى
هذه الجراح هي الذكريات الموجعة. هي ليست مجرد صور للحظات سيئة، بل هي
كيانات نشطة. تطفو على السطح في أوقات الضعف، لتلوّن الحاضر بلون الماضي. قد يخاف
الإنسان من الثقة لأنه يتذكر خيانة. قد يرفض الفرص لأنه يتذكر فشلًا. الألم لا
يبقى في الماضي؛ يتحول إلى عدسة نرى من خلالها المستقبل. التحرر منه لا يكون
بنسيانه – فالمحاولة يائسة – بل بتجريده من سلطته. بأن تقول للذكرى:
"أعرفك. أنت جزء من ماضيي، لكنك لست حكمًا على حاضري".
وهنا
تبدأ عملية المصالحة. المصالحة مع الماضي ليست موافقته أو تبريره، بل هي فصل
الذات الحالية عن الذات التي عاشت تلك التجربة. هي أن تنظر إلى طفولتك الجريحة
كشخص ترعاه، لا كسجين لها. أن تفهم لماذا تألمت، دون أن تبقى في حالة الألم.
المصالحة تعني إعادة كتابة الفصل المؤلم في حكايتك: ليس كمأساة تحددك، بل كحدث صعب
مررت به وشكّلك، لكنه لم يمتلكك. الهوية الأكثر نضجًا هي التي تمتلك ذكرياتها، لا
التي تمتلكها ذكرياتها.
وعندما
نمتلك ذكرياتنا، تتحول من أرشيف ميت إلى أدوات ملاحة. الذاكرة ليست للعيش
في الماضي، بل للعيش من أجله. نتذكر اللحظات التي شعرنا فيها بالكمال كي نعرف ما
الذي نبحث عنه. نتذكر أخطاءنا كي لا نكررها. نتذكر قوتنا في تجارب سابقة كي نستمد
الثقة في تجارب جديدة. الذاكرة تصبح جسرًا حين نستخدمها كخريطة، لا كسجن. الخيط
الذهبي الذي يربط ماضينا بحاضرنا، يجب أن نمدده بأيدينا نحو مستقبلنا.
لذا،
انظر إلى خزانة ذكرياتك. لا تخف من فتح الأدراج المؤلمة. افرزها. اعطِ للذكريات
المشرقة مكانًا في الواجهة. وتلك الموجعة، ضعها على رفّ بعيد، ولكن اعترف بأنها
هناك. أنت كاتب حكاية هويتك. الماضي قد أعطاك المادة الخام – بعضها ذهب خالص،
وبعضه حجارة – لكنك أنت من يقرر التصميم النهائي. الخيط الذهبي لذكرياتك بين يديك.
اسرجه بحكمة، واصنع منه حكاية تستحق أن تُروى، ليس لأنها كانت كاملة، بل لأنك كنت
شجاعًا بما يكفي لترى نقاطها المضيئة والمظلمة، وتقرر أن تستمر في النسج رغم كل
شيء.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق