النهر
الذي نحمله في داخِلنا
"تأملات
وجودية في إدراك الزمن"
هل
الزمن سجن نُقاس به، أم هو نهر نعبره، أم هو نحن أنفسنا؟ ولماذا نشعر أحيانًا أننا
خارج الزمن، بينما هو يمرّ في عروقنا؟
من
أغرب مفارقات الوجود أن ساعة الانتظار في عيادة الطبيب قد تشعرك بأنك عشت يومًا
كاملًا، بينما عطلة أسبوع تذهب كأنها غمضة عين. سنوات الطفولة، حين ننظر إليها من
بعد، تبدو كحلم طويل واحد، بينما الأسبوع الماضي مليء بالتفاصيل المنفصلة. هذه
الفجوة بين الزمن القابل للقياس بالساعات والأيام، وبين الزمن القابل
للاختبار بالقلب والذاكرة، هي البوابة الأولى لفهم علاقتنا المعقدة بالزمن.
نحن لا نعيش في زمن الساعة، بل في زمن المعنى. الساعة تقيس فترات متساوية،
أما النفس فتقيس كثافة التجربة. كلما كانت التجربة أشد
غنىً وعاطفة، زادت مساحتها في نسيج ذاكرتنا، وبالتالي في إحساسنا بامتداد الزمن.
ولأن
تجاربنا مختلفة، تختلف قيمة الوقت من شخص لآخر. للطفل، المستقبل بحر لا
نهاية له، لذا يقضي الساعات في اللعب دون حسابات. للإنسان في منتصف العمر، الوقت
يصبح عملة نادرة، تُقسّم بين الطموح والمسؤولية. للكهل، الوقت يصبح ذاكرة ثقيلة
وربما أمل قصير. لكن الفرق لا يكون بالعمر فقط، بل بالوعي. من يعيش في حالة
تلقائية، يمر الوقت كخلفية لأفعاله. أما من يستيقظ على وعيه، فيصبح لكل لحظة
وزنها. قيمة الوقت تتحدد بما نملؤه به: هل هو وعاء للمتعة العابرة، أم للتحصيل، أم
للتأمل؟ هل هو مورد نستنزفه، أم مساحة نعيش فيها؟
ومن
هنا ولدت فكرة الوقت كأداة للإنجاز. في هذا المنظور، يصبح الزمن عدوًا
صامتًا يجب هزيمته، أو موردًا ثمينًا يجب استثماره. التقويمات، الجداول، المواعيد
النهائية – كلها محاولات لترويض النهر الجامح وتحويله إلى قناة ري منتظمة. هذا
المنظور ضروري للحضارة والنظام، لكن خطورته تكمن في أنه قد يختزل الحياة إلى قائمة
مهام، ويختزل الزمن إلى عدّ تنازلي نحو الموت أو النجاح. يصبح الإنسان سجين
"اللحظة التالية"، دون أن يعيش اللحظة الحالية.
ولذلك،
نحتاج إلى النقيض: الوقت كمساحة للتأمل. هنا، لا نسأل "ماذا سأفعل في
هذا الوقت؟" بل نسأل "ماذا يعني أن أكون في هذا الوقت؟". هو
الانتقال من منطق الفعل إلى منطق الوجود. في هذه المساحة، يمكن أن تجلس وتنظر إلى
غروب الشمس دون أن تفكر في كم دقيقة تستغرق. يمكن أن تقرأ كتابًا وتذوب في عالمه،
فتفقد إحساسك بالوقت الخارجي تمامًا. هذه هي اللحظات التي "نتصالح" فيها
مع الزمن، لأنه يتحول من مادة نستهلكها إلى وسط نعيش فيه، كالسمك في الماء. هنا
يتباطأ النهر الداخلي، أو يتوقف، ويصبح الوجود نقيًا.
وهذا
يقودنا إلى السؤال المصيري: هل يمكن لنا أن نتصالح مع الزمن؟ التصالح لا
يعني التوقف عن الشعور بمروره، أو إنكار محدوديتنا. التصالح هو التوقف عن
مقاومة جريانه كعدو، وقبول كونه الإطار الذي تحدث فيه حياتنا. هو أن تنظر إلى
ماضيك لا كمخزون من الأخطاء أو النجاحات، بل كتربة نمت فيها جذورك. وأن تنظر إلى
مستقبلك لا كتهديد أو وعد، بل كاحتمال مفتوح. التصالح يكون عندما نتوقف عن سباقنا
مع الزمن، ونتعلم الرقص مع إيقاعه. أن نعطي للإنجاز حقه في وقته، وللتأمل
حقه في وقته، وللحزن حقه في وقته، وللفرح حقه في وقته.
لذا،
قد يكون أعظم حكمة نصل إليها هي فهم أننا لسنا خارج النهر، ولسنا على ضفته. نحن ماء
النهر نفسه. ماضينا هو المجرى الذي شكلنا، حاضرنا هو الجريان الذي نعيشه،
ومستقبلنا هو المصب الذي نتجه إليه. الساعات والأيام هي مجرد علامات نضعها على ضفة
هذا النهر لتهدئة روعنا، لنتخيل أننا نتحكم. لكن جوهر التجربة هو في الشعور بالجريان،
بالتحول، بالانتقال من شكل إلى شكل. عندما ندرك هذا، نستطيع أن نرفع رؤوسنا من
التحديق في الساعة، وننظر حولنا إلى منظر الرحلة. وربما، فقط ربما، نجد أن النهر
الذي نحمله في داخلنا ليس سجنًا، بل هو الذي يعطينا الحياة، والحركة، وإمكانية
التغير التي تجعلنا أحياء.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق