بذور
الروح
"كيف
تزرع الكلمات حدائق أو صحراء في النفس؟"
هل
ندرك أننا، كل يوم، نحمل حقائب من البذور غير المرئية، وننثرها في تربة قلوب من
نقابل، وفي تربتنا نحن أولًا؟
تخيل
طفلًا في العاشرة، يحمل ورقة امتحان عليها درجة متوسطة، ويشعر بخيبة أمل. يقترب
منه معلمه، لا ليعظه، بل ليضع يده على كتفه ويقول: "أرى مجهودك. عندك فضول
جميل". هذه الجملة البسيطة، التي قد ينساها المعلم في اليوم التالي، تهبط في
نفس الطفل كبذرة صغيرة من الاعتراف. قد تنمو على مدى السنين لتصبح ثقة في
قدرته على التعلم، ربما تتحول إلى شغف بمادة ذلك المعلم. الآن، تخيل طفلًا آخر
يسمع من شخص بالغ مهم: "أنت غبي". هذه الكلمة تهبط كبذرة سامة،
قد تنمو لتصبح قناعة راسخة، حاجزًا يمنعه من المحاولة. القصة نفسها تتكرر معنا كبالغين.
كلمة شكر، اعتراف، حب، يمكن أن تروي ظمًا لم نكن نعرف أننا نمتلكه. وكلمة تجريح،
إهانة، تشكيك، يمكن أن تحفر أخدودًا من الشك في هويتنا.
الكلمات
ليست مجرد رموز نتبادلها؛ إنها حزم مكثفة من الطاقة المعنوية. عندما نسمع
كلمة، لا نعالجها منطقيًا فحسب، بل نستشعرها. تلامس مخزوننا من الذكريات
والمشاعر والصور الذاتية. كلمة "أنت قوي" تلمس كل لحظة شعرت فيها بالقوة
فتعيد إحياءها. كلمة "أنت فاشل" تلمس كل لحظة شككت فيها بنفسها فتضخمها.
الكلمة الجارحة ليست مؤلمة لأنها "سيئة"، بل لأنها تلمس جرحًا
موجودًا أصلًا وتذكره به. والكلمة الطيبة ليست مسلية فحسب، بل لأنها تلمس
حاجة عميقة للإعجاب، للحب، للتقدير.
وأخطر
البذور التي نزرعها هي تلك التي ننثرها في حقل أنفسنا. ماذا تقول لنفسك حين
تنظر في المرآة؟ حين تفشل؟ حين تتعب؟ "أنا غبي"، "أنا كسول"،
"لا أستحق". هذه ليست ملاحظات محايدة، بل هي تعويذات سلبية.
اللغة الداخلية تصبح نبوءة تتحقق ذاتيًا. من يكرر لنفسه "أنا خجول"
سيتصرف بخجل، وسيفسر كل موقف كدعم لهذه الفكرة، وسيتجنب المواقف التي قد تثبت
عكسها. العكس صحيح: من يخاطب نفسه بلطف وتشجيع – "يمكنني المحاولة"،
"أنا أتعلم"، "هذا ليس نهاية العالم" – يخلق مناخًا داخليًا مشجعًا
على النمو، كتربة خصبة لحديقة النفس.
وفي حدائق
علاقاتنا، يكون تبادل البذور أكثر تعقيدًا وأهمية. كلمة تشجيع في الوقت
المناسب يمكن أن تكون دعامة ينهض عليها شخص. نقد بناء – إذا جاء من محبة ورغبة في
النمو – يمكن أن يكون سمادًا يساعد على الإزهار. لكن النقد القاسي، الساخر،
المهين، هو مبيد أعشاب سام. حتى الصمت له نبرته: صمت الاحترام يمنح مساحة
وصمت التجاهل يقتل الأمل. والاعتذار، حين يكون صادقًا، هو كالمطر الذي يغسل أوراق
نبات قد يكون قد ذبل من جرح الكلمات، فيعيد له اخضراره.
وهذا
يفرض علينا مسؤولية جسيمة كـ "مزارعين". يجب أن نتعلم أن ننظر
إلى البذرة قبل أن ننثرها. ليس فقط إلى نيتها، بل إلى تربتها: ما حالة الشخص
الذي أمامي؟ ما جراحه؟ ما احتياجاته؟ الكلمة الطيبة للشخص القوي تختلف عن الكلمة
الطيبة للشخص المنكسر. التفكير قبل الكلام ليس خوفًا من رد الفعل، بل هو احترام
لعملية الزرع. نحن مسؤولون ليس فقط عما نقصد، بل عما قد ينمو من كلماتنا في
نفس الآخر.
إذًا،
كيف نزرع حدائق بدل الصحراء؟ نبدأ من الداخل: نراقب حوارنا الذاتي، ونستبدل
الكلمات القاسية بلطف الفضول ("ما الدرس هنا؟") والتعاطف ("أنا
بشر"). ثم ننقل هذا إلى الخارج: نختار الكلمات التي تبني، حتى في النقد. نكثر
من كلمات الشكر والاعتراف بالجميل. نتعلم فن الإطراء المحدد ("أعجبتني طريقة تعاملك
مع ذلك الموقف") بدل العام ("أنت رائع"). نكون شجعانًا في الاعتذار
عندما نخطئ البذرة.
تذكر:
كل لقاء مع إنسان هو فرصة للزرع. يمكنك أن تمنحه بذرة ثقة، أمل، كرامة، فرح. أو
يمكنك أن تمنحه بذرة شك، خوف، حزن، غضب. الاختيار بين الحديقة والصحراء لا يحدث في
الخطابات الكبيرة، بل في الكلمات الصغيرة اليومية التي نتبادلها على عجل.
في المرة القادمة التي تفتح فيها فمك، أو حتى تفكر في فكرة عن نفسك، اسأل: أي بذرة
هذه؟ وما الذي أريد أن ينمو في هذه التربة النفيسة المسماة "روح إنسان"؟
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق