الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

النار الخفية

 

النار الخفية

"كيف تتحول الغيرة من إشارة إنذار إلى حريق داخلي؟"

 




ما الذي يحدث عندما يختلط خوفنا من الفقد بحاجتنا إلى المقارنة، ولماذا نشعر بالعار من شعور نعرفه جميعًا؟

 

اعتراف: شعرت ذات مرة بغصة غريبة في صدري عندما أعلن صديق مقرب عن ترقيته. كان فرحي لفرحه حقيقيًا، لكن تحته كان هناك صوت يهمس: "وماذا عني؟". هذا الصوت، الممزوج بين الحب والمقارنة، هو الغيرة في أبسط أشكالها. إنها ليست شعورًا وحشيًا فطريًا فحسب، بل هي مزيج معقد من الخوف والمقارنة. الخوف من فقدان المكانة، الحب، الاهتمام، أو القيمة. والمقارنة بأن الآخر قد حصل على شيء نريده، أو نعتقد أننا نستحقه. الغيرة، في جوهرها الأولي، هي إشارة إنذار:

تنبهنا إلى تهديد محتمل لعلاقة أو لقيمتنا الذاتية. المشكلة ليست في الإنذار، بل فيما يحدث بعد أن يُطلق.

 

وجذور هذا الإنذار تعود غالبًا إلى تاريخنا الشخصي. في الطفولة، قد تنشأ من المنافسة مع الأشقاء على حب الوالدين. في التجارب اللاحقة، قد تتغذى من خيبات الأمل أو الإحساس بعدم الكفاية. في النهاية، تتركز في نقطة واحدة: ضعف الثقة بالنفس. عندما لا نكون متأكدين من قيمتنا الجوهرية، نصبح حساسين جدًا لأي دليل خارجي قد يهددها. نجاح الآخر يصبح مرآة لا نريد النظر فيها، لأنه قد يعكس – في تصورنا – فشلنا نحن. النار لا تشتعل في الفراغ: تشتعل في أرضية من القش الجاف اسمه الشك الذاتي.

 

ولذلك، فإن التمييز بين الغيرة الصحية والغيرة المؤذية حاسم. الغيرة الصحية هي إشارة عابرة، تدفعك للتفكير: "ما الذي يقلقني حقًا؟ هل هناك شيء يجب أن أصلحه في علاقتي أو في مساري؟". قد تحفزك على تطوير نفسك. أما الغيرة المؤذية فهي حريق مستمر، يستهلك طاقتك في مراقبة الآخر، والتخطيط الخيالي لكيفية "هزيمته"، والشعور بالمرارة. الفارق هو في الشدة، المدة، والتحكم. الصحي منها يمر كموجة، المؤذي منها يغرقك في بحر من السلبية.

 

ولا مكان يشتعل فيه هذا الحريق أكثر من العلاقات الحميمة. هنا، تختلط إشارة الإنذار الطبيعية (الخوف على العلاقة) مع شكوكنا القديمة. الغيرة في العلاقات لا تتحدث كثيرًا عن حبنا للشخص، بل تتحدث عن خوفنا من الهجر، وعدم ثقتنا بأننا محبوبون بما يكفي لنكون "الوحيدين". إدارتها تبدأ بالاعتراف بها للذات أولًا، ثم بالتواصل الشجاع مع الشريك حول المخاوف، لا الاتهامات. العلاقة الناضجة لا تخلو من الغيرة، بل تتعامل معها كعرض، ليس كحكم على الإخلاص.

 

وعندما ننظر إلى الدخان المتصاعد من هذا الحريق، نكتشف أن الغيرة مرآة قاسية لكنها صادقة. إنها تكشف عن احتياجاتنا غير الملباة. الغيرة من نجاح زميل تكشف عن حاجتك للإنجاز والتقدير. الغيرة من حرية صديق تكشف عن رغبتك في التحرر. الغيرة من علاقات شريكك تكشف عن حاجتك للأمان والتأكيد الذاتي. بدل مطاردة من تغار منهم، اسأل: "ماذا يقول هذا الشعور عني؟ ما الذي أريده ولم أحصل عليه؟". التحول من التركيز على "ما لديه" إلى التركيز على "ما ينقصني" هو نقلة نوعية من الضحية إلى الفاعل.

 

إذًا، كيف نطفئ الحريق ونصلح الإنذار؟ العملية تبدأ بإطفاء النار بالتعاطف مع الذات. توقف عن إضافة وقود اللوم والعار ("أنا شخص سيء لأنني أغار"). تقبل أن الشعور موجود، لكنه ليس أنت. ثم، حوّل الطاقة نحو الداخل: بدل قول "أريد ما عنده"، قل "كيف أبني ما أريده بطريقتي؟". عزز ثقتك بنفسك من خلال الإنجازات الصغيرة الحقيقية، لا من خلال المقارنات. وأخيرًا، اختبر أفكارك: هل حقًا يهدد نجاحه مكانتي؟ هل هناك دليل حقيقي على أن حبيبي قد يخونني، أم أن هذا خيالي؟ غالبًا ما نكتشف أن النار كانت أكبر من الشمعة التي أوقدتها.

 

الغيرة ليست عيبًا أخلاقيًا، بل هي ظاهرة نفسية. كالنار، يمكن أن تدفئك وتحفزك إذا سيطرت عليها، ويمكن أن تحرقك وتبيد كل شيء حولك إذا تركتها تتحكم بك. المهم ليس أن تنكر وجودها، بل أن تفهم لغتها. استمع إلى إنذارها، لكن لا تسمح له بأن يصبح نذير خراب. تذكر: النار الخفية التي تعذبك اليوم، يمكن أن تكون نفس الشرارة التي تنير طريقك نحو فهم أعمق لاحتياجاتك، وبناء ثقة أقوى بنفسك، وعيش حياة أقل قلقًا بمقارنة نفسك بمن هم حولك.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...