بوصلة
الرضا
"البحث
عن النجاح خارج خرائط المجتمع"
ماذا
لو كانت علامة النجاح الأكبر هي أن تستيقظ صباحًا وأنت متحمس ليومك، لا أن يذكرك
الآخرون بإنجازاتك؟
اسأل
أي طفل: "من هو الرجل الناجح؟". غالبًا سيرسم لك صورة رجل بسيارة فاخرة،
أو بمنصب كبير، أو بشهرة تعرفه الجميع. هذه ليست إجابة الطفل، بل هي صدىً لإجابات المجتمع
التي تسرّبت إليه. المجتمع، في غالبه، يعرّف النجاح بلغة القياس الخارجي:
الدخل، المركز الوظيفي، حجم المنزل، عدد المتابعين، الألقاب. إنها معادلة بسيطة:
النجاح = الامتلاك + الظهور. هذه "الخرائط" الاجتماعية مفيدة؛ فهي تعطي
معايير عامة للتقدم، وتخلق دافعًا للعمل. لكن خطورتها تكمن في أنها تُقدّم على
أنها الخريطة الوحيدة. فماذا عن الذي لا يملك، لكنه راض؟ أهو فاشل؟
هنا
يجب أن نفرّق بين نوعين من النجاح: النجاح الظاهري والنجاح الداخلي.
الظاهري هو ما يمكنك عرضه في السيرة الذاتية أو على وسائل التواصل. هو القشرة. أما
الداخلي فهو الإحساس العميق بالرضا، المعنى، والاتساق مع الذات. هو اللبّ.
يمكنك أن تكون مديرًا ناجحًا ظاهريًا، ولكنك تشعر كل يوم أنك تخون قيمك. ويمكنك أن
تكون مدرسًا متواضع الدخل تشعر أنك تغير حيوات، فتشعر بنجاح عميق يغذي روحك. الفرق
بينهما هو الفرق بين أن تُعجب الناس، وأن تعجب بحياتك أنت.
ولذلك،
فإن السؤال الحقيقي ليس "ما هو النجاح؟"، بل "ما هو نجاحي
أنا؟". تعريف النجاح الشخصي هو عملية اكتشاف ذاتي، وليس استلام تعليمات.
قد يكون النجاح بالنسبة لأحدهم هو بناء أسرة مستقرة ومليئة بالحب. ولآخر هو السفر
والتعرف على ثقافات العالم. ولثالث هو إتقان حرفة يدوية حتى حدّ الفن. هذه
التعريفات لا تأتي من الإعلانات، بل تأتي من الإصغاء إلى الذات: ما الذي يشعرني
بالحيوية؟ أي عمل يجعل الوقت يطير؟ متى أشعر أنني "في مكاني الصحيح"؟
إجابات هذه الأسئلة هي إبرة البوصلة الداخلية التي تشير إلى
"شمالك" الشخصي، حيث يكمن الرضا.
وهذا
يفسر الفراغ الغريب الذي يعيشه الكثير من "الناجحين" بالمعايير
الاجتماعية. يشقون طريقهم إلى قمة الجبل الذي رسمه المجتمع، وعندما يصلون إلى
القمة، يجدونها باردة ووحيدة. لأنهم اكتشفوا أنهم تسلقوا الجبل الخطأ.
الجهد كان حقيقيًا، الإنجاز كان حقيقيًا، لكنه لم يكن إنجازهم هم. كان تحقيقًا
لحلم والدين، أو منافسة على مكانة، أو هروبًا من الشعور بعدم الكفاية. الإنجاز
بدون معنى شخصي يشبه أكل طبق فاخر بلا طعم: يملأ المعدة، لكنه لا يُشبع الروح.
لذا،
يجب أن نغير استعارة النجاح من هدف نصل إليه، إلى رحلة نسير فيها.
الهدف النهائي (الثراء، الشهادة، المنصب) قد يكون محطة، لكن الرضا يوجد في جودة
السفر نفسه. النجاح الحقيقي هو أن تعيش حياة تكون فيها معظم أيامك، في معظم
لحظاتها، قريبة من قيمك، من شغفك، من إحساسك بالمعنى. هو أن تتعلم شيئًا جديدًا،
أن تساعد شخصًا، أن تخلق عملًا جميلًا، أن تحل مشكلة، أن تنمو كإنسان. هذه ليست
محطات نهائية، بل هي وقود الرحلة.
لا
ترمِ خرائط المجتمع، ولكن لا تجعلها مرجعك الوحيد. خذ منها ما يفيدك في الملاحة،
لكن ثق ببوصلة رضاك الداخلية. اسأل نفسك بين الحين والآخر: "هل أنا أسير في
الطريق الذي يزيد من احترامي لذاتي وفرحي الداخلي، أم أنني أركض في سباق لأثبت
شيئًا للآخرين؟". النجاح ليس شيئًا تصل إليه في النهاية، فتقول: "ها قد
نجحت". النجاح هو طريقة عيش. هو أن تنظر إلى الوراء – ليس إلى
الإنجازات المعلقة على الحائط – بل إلى الشخص الذي أصبحت، فترى أنه أكثر حكمة،
أكثر لطفًا، أكثر سلامًا مع نفسه مما كان عليه. عندها، وحتى بدون أن يقولها أحد،
ستعرف أن بوصلتك كانت دائمًا تشير في الاتجاه الصحيح.
جهاد غريب
ديسمبر 2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق