الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

بين الكلمة واللاكلمة: حين يكون الصمت خطابًا كاملًا

 

بين الكلمة واللاكلمة

"حين يكون الصمت خطابًا كاملًا"

 




ماذا يحدث عندما نوقف شلال الكلمات؟ وما الذي يظهر في الفراغ الذي نتركه، والذي قد يكون أصدق تعبيرًا عن أنفسنا من كل ما نستطيع قوله؟

 

هناك لحظات في الطبيعة تُعلّمنا معنى الصمت قبل أن نفهمه بعقولنا. مثل تلك الدقائق التي تسبق بزوغ الفجر، عندما ينسحب الظلام ولا يزال النور خجولًا. لا توجد أصوات حادة، فقط همس الوجود نفسه. أو كالهدوء الذي يلفّ غرفةً بعد أن تنطفئ آخر آلة، ويصبح بإمكانك سماع دقّ الساعة لأول مرة. هذا الهدوء ليس فراغًا، بل هو حضور كامل لنقيض الضجيج. وهو بالضبط ما يحدث في النفس البشرية عندما نختار أن نصمت: نتحول من بثّ الأشياء إلى استقبالها. نسمح للداخل بأن يتكلّم، لأننا أوقفنا صخب الخارج.

 

هذه المساحة الداخلية التي يفتحها الصمت هي أرض الاكتشاف الحقيقية. في زحام المحادثات والأفكار اليومية، يصبح صوتنا الداخلي أشبه بنغمة ضائعة في أوركسترا صاخبة. الصمت هو قيادة تلك الأوركسترا إلى التوقف. عندها نسمع ذلك الصوت الوحيد: ماذا نخاف؟ ماذا نريد حقًا؟ ماذا يؤلمنا دون أن نعترف؟ الصمت لا يجيب، بل يجعل الأسئلة تطفو كأوراق على سطح بركة ساكنة. هو المرآة التي لا تعكس الوجه، بل تعكس الحركة البطيئة للمشاعر تحت الوجه.

 

ومن هذه القدرة على الرؤية الداخلية، تنبع قوة الحماية. الصمت هو الجدار الذي ترفعه بينك وبين الانفعال الطائش. هو تلك الثواني التي تأخذها نفسًا عميقًا قبل أن تردّ على إساءة، فتكشف أن الإساءة لا تستحق الرد أساسًا. أو هو الستر الذي تخلعه على ضعفك حين تعلم أن كشفه الآن سيكون كمن يفتح نافذته في عاصفة. الصمت الحامي ليس خوفًا، بل هو ذكاء عاطفي يعرف أن بعض المعارك تُربح بعدم خوضها، وأن بعض الجروح تُشفى في العزلة.

 

وهنا يتحول الذكاء إلى حكمة. الحكيم لا يصمت لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه يعرف أن الكلام في بعض المواضع هو إسقاط لعدم الأمانة على الموقف. يصمت عندما يرى أن الجدال لن يثمر إلا مزيدًا من الجدال. يصمت لينقذ كرامة الموقف، أو ليمنح الطرف الآخر مساحة ليكتشف خطأه بنفسه. هذا الصمت هو فعل قوة هادئ، يضع حدًا للصراع دون أن يطلق طلقة واحدة. إنه انتصار الإرادة على رد الفعل.

 

وفي علاقاتنا مع الآخرين، يصبح الصمت لغزًا غنيًا بالمعاني. صمتان يقفان وجهًا لوجه: أحدهما جسر، والآخر حائط. صمت التفاهم المشترك، حيث لا حاجة للكلام لأن العيون أو الأرواح تتكلم، هو ذروة القرب. بينما صمت الغضب أو الجرح هو مسافة ممتدة من الجليد. الفرق بينهما هو نية القلب. الصمت-الجسر يقول: "أنا هنا، وأفهم". الصمت-الحائط يقول: "لقد رحلت". فن التعامل مع الصمت في العلاقة هو أن تتعلم قراءة نبرة هذا الهدوء.

 

وهذا يقودنا إلى أعظم مفارقة: أن الصمت نفسه يمكن أن يكون لغة، بل لغة أبلغ أحيانًا. في لحظات الفجيعة، أي كلمة ستكون مجرد ثرثرة؟ في لحظات الرهبة أمام منظر طبيعي مهيب، ماذا ستفعل الكلمات إلا أن تصغر الموقف؟ في لحظة الامتنان العميق، قد يكون وضع اليد على الكتف أبلغ من خطبة شكر. الصمت هنا ليس انعدامًا للتواصل، بل هو تواصل على تردد أعلى، حيث تُنقل المشاعر مباشرة من قلب إلى قلب، دون ترجمة كلمات قد تشوّهها.

 

لكن، كأي قوة، فإن للصمت ظلّهُ. يتحول إلى هروب عندما نستخدمه لا لفهم أنفسنا أو لحماية علاقة، بل لتفادي المواجهة مع أنفسنا أولًا، ومع الآخرين ثانيًا. علاماته: الشعور بالاختناق الداخلي، وتكدس المشاعر غير المعبر عنها، وتحول الهدوء إلى عزلة سامة. الصمت الهارِب يخيفنا من صدى أفكارنا، بينما الصمت القوي يصادق ذلك الصدى. مواجهة هذا الهروب تحتاج إلى شجاعة لكسر الصمت مع الذات أولًا، ربما بكتابة مذكرة، أو بمحادثة صريحة نبدأها بكلمة: "أحتاج أن أتحدث".

 

لذا، تعلّم أن تتنقل بوعي بين مملكة الكلمة ومملكة اللاكلمة. بعض الحقائق تُقال، وبعضها يُشعر بها فقط في الفراغ بين الكلمات. كن سيد صمتك. اجعله حديقة خاصة تزرع فيها أفكارك، ودرعًا تتحمى به من العواصف غير الضرورية، وجسرًا تعبر عليه إلى من تحب. وتذكّر: أعظم الخطابات لم تُلقَ بصوت عالٍ، بل سمعها من كان لديه أذن لسماع ما لا يُقال. في النهاية، قد يكون الصمت هو الكلمة الوحيدة، التي لا تشوبها شائبة.

 

 

جهاد غريب

ديسمبر 2025

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الهندسة الرمزية: ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة

  الهندسة الرمزية   "ما وراء الصراع العالمي على المقتنيات المقدسة"   في صمت المتاحف الكبرى، خلف زجاج مقاوم للرصاص وتحت إضا...